التفكير الزائد: كيف توقِف استنزاف عقلك وطاقتك؟
مضت الساعات بدون أن تشعر بها، بينما تستغرق في التفكير في مشكلةٍ ما، تُقلِّب النظر من كلّ الزوايا، تتخيّل كلّ السيناريوهات الممكنة، ولكنّك في النهاية لم تقِف على حل، بل يأتي اليوم التالي، ولا تزال تُجدِّد التفكير في تلك المشكلة بدون حلٍ يلوح في الأفق.
التفكير الزائد ليس هو التفكير المستمرّ لفترة ما لحلّ مشكلة، وإنّما هو تفكير لا يتوقّف لدرجة أن يؤثّر في سير الحياة اليومية أو الصحة الجسدية أو النفسية، فهو يستنزف نفسك ببطء بدون أن تشعر، لذلك كيف يمكِنك وقف ذلك النزيف النفسي والحفاظ على أقصى قدرٍ من طاقتك الذهنية؟
ما هو التفكير الزائد وهل هو مفيد فعلا؟
هو التفكير في موضوع أو موقف معين بشكل مفرط والاستمرار في تحليله لفترات طويلة من الزمن، وعندما تفكّر كثيرًا بتلك الطريقة، يجد عقلك صعوبة في التركيز على أي شيءٍ آخر، إذ يكون مُستنزَفًا بالشيء الوحيد الذي تفكّر فيه بكثرة.
وقد يعتقد بعض الناس أنّ التفكير الزائد قد يكون مفيدًا لأنّه ينطوي على النظر إلى قضية أو مشكلة من كل وجهة نظر ممكنة تقريبًا وتوقّع الأحداث المستقبلية، ولكن هذا غير صحيح على إطلاقه، فقد أشار بحث عام 2021 في دورية "World Psychiatry" إلى أنّ التفكير الزائد يرتبط بمشاعر الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة.
أنواع التفكير الزائد
هي ليست أنواع بالمعنى الحرفي ولكن التفكير الزائد له أشكال مختلفة بجذور من التشوهات المعرفية، وهي طرق تفكير غير مفيدة، مثل:
- التفكير بطريقة الكل أو لا شيء: النظر إلى الأشياء كما هي دائمًا إمّا أبيض أو أسود، بدون وجود منطقة رمادية بينهما.
- التفكير الكارثي: التفكير في أسوأ نتيجة ممكنة في موقفٍ ما.
- التعميم المفرط: افتراض أنّ شيئًا ما سيكون دائمًا بطريقة مُعيّنة، بناءً على حالة واحدة أو حالات قليلة.
- القفز إلى الاستنتاجات: على افتراض أنّ المرء يعرف كيف سيحدث شيء ما بدون وجود أدلّة كافية.
لماذا قد يلتهمنا التفكير الزائد بلا رحمة؟
كثيرة هي الأسباب التي تقف وراء التفكير الزائد، وأحيانًا يدرِك المرء أنّه أسرف في التفكير في أمرٍ ما، وأحيانًا لا يدري أنّه يفعل ذلك بالفعل. وبغض النظر عن مدى وعيه، فإنّ أسباب التفكير الزائد المحتملة تضمّ ما يلي، حسب "Simply Psychology":
- التوتر وعدم اليقين: عندما تبدو الحياة فوضوية أو غير واضحة، فإنّ التفكير الزائد يمكن أن يكون محاولة لدرء القلق، رغم أنّه قد يؤدِّي فقط إلى زيادة القلق لا تقليله.
- الكمال والضغط المفروض على الذات: إنَّ إلزام نفسك بمعايير عالية للغاية أو الشعور بأنّ كل خيار يجب أن يكون خاليًا من العيوب، غالبًا ما يؤدي إلى إثارة حلقات ذهنية من التفكير الزائد.
- وهم السيطرة: يمكن للتفكير الزائد أن يُخفِي موقتًا مشاعر العجز، لكنّه في الواقع لا يحلّ المشكلة.
اقرأ أيضًا: بعد الإقلاع عنه.. كيف تتوقّف عن التفكير في التدخين؟
التفكير الزائد والكمالية
غالبًا ما تكون المثالية أو الكمالية أرض خصبة للتفكير الزائد، خاصةً عندما يغذّيها الخوف من الفشل وضعف الثقة بالنفس، فهذا الكمال يدفعنا إلى السعي لتحقيق مثالٍ بعيد المنال، ووضع معايير صارمة وخالية من العيوب، تجعل الاختيارات اليومية تبدو مُحمّلة بالعواقب.
وعندما يكون عدم بلوغ الكمال المُتوهَّم يعني الفشل، فحتى القرارات الصغيرة يمكن أن تؤدّي إلى تدقيق عقلي مكثّف وتأمل زائد عن الحد الطبيعي.
وقد يعتقد الأشخاص الذين يربطون قيمتهم الذاتية بالنتائج أنّه ما لم يكُن قرارهم خاليًا من العيوب، فإنّهم هم أيضًا بهم عيوب وليسوا مثاليين -كما يتوقّعون من أنفسهم- لذلك تراهم يبالغون في تحليل كل خيار أمامهم. وغالبًا ما تنبع هذه العقلية من معتقدات راسخة مفادها أنّ الإنجازات انعكاس للقيمة الشخصية للمرء.
الفرق بين التفكير والتحليل المفرط
من الطبيعي أن تفكر كثيرًا في بعض الأحيان، وربّما تستمرّ في التفكير في كل الأشياء التي يمكن أن تزداد سوءًا عندما تقدّم مشروعك أمام المدير في الأسبوع المقبل، أو ربّما تجد نفسك أهدرت ساعات لا حصر لها في محاولة تحديد ما سترتديه في مقابلة العمل القادمة، وربّما يكون ذلك طبيعيًا إلى درجة ما.
ولكن ثمّة علامات تدلّ على أنّ التفكير الزائد بات غير صحي بالنسبة لك، ومن أهم تلك العلامات:
- العجز عن التفكير في أي شيء آخر.
- عدم القدرة على الاسترخاء.
- القلق والتوتر باستمرار.
- التركيز على الأمور الخارجية عن سيطرتك.
- إعادة تمثيل موقف أو تجربة في ذهنك.
- التشكيك في صحّة قرارتك.
- التفكير في جميع السيناريوهات السيئة المحتملة.
- الاستمرار في التفكير في موقفٍ ما عندما تكون قد توصّلت بالفعل إلى حلٍ معقول.
متى يصبح التفكير الزائد مشكلة نفسية؟
قد يكون التفكير الزائد أمرًا طبيعيًا تمامًا عند تقييم الخيارات لاتّخاذ قرارٍ مهم، ولكنّه يكون ضارًا ومشكلة نفسية بالفعل عندما تستحوذ عليك الأفكار في حلقات لا تنتهي، تستنزِف طاقتك وتعيق مسار حياتك اليومية.
وإنّ السمة المميزة للتفكير الزائد الضار هي أنّه يؤثّر في صحتك العاطفية أو الجسدية في صورة تعب مستمر، أرق، ضعف التركيز، تهيج، أعراض جسدية كالصداع أو مشكلات الجهاز الهضمي.
وبمرور الوقت، يمكن لأنماط التفكير هذه أن تغذّي القلق والاكتئاب. وتتأكّد الحاجة إلى السعي في علاج مشكلة التفكير الزائد في حالة:
- إذا كان التفكير الزائد أمرًا مزعجًا ومستمرًا لمدة أسبوعين أو أكثر، خاصةً عندما يقترن بتغيّرات في المزاج أو الطاقة.
- تأثُّر قدرتك على العمل أو أداء المهام اليومية.
- تداخل التفكير الزائد باستمرار مع أعراض القلق أو الاكتئاب، مثل فقدان الاهتمام أو سُرعة الانفعال.
تقنيات عملية لإيقاف التفكير المستمر
لا يزال من الممكن إيقاف التفكير الزائد غير الضروري، والحفاظ على صحتك الجسدية وطاقتك الذهنية إلى أقصى قدرٍ ممكن، وفيما يلي بعض النصائح لمعاونتك على ذلك:
1. شتّت نفسك
يمكنك تقليل التفكير الزائد من خلال الانخراط في الأنشطة التي تستمتع بها، فهذا يساعد على صرْف تفكيرك بعيدًا من الأمر الذي يسبّب التفكير الزائد.
وقد يكون من الصعب البدء بشيء جديد عندما تكون غارقًا في أفكارك، لذا حاول تخصيص جزء صغير من وقتك، على سبيل المثال 30 دقيقة كل يومين، للانخراط في أمورٍ مختلفة تفكّر فيها غير ما اعتدت أن تفكّر فيه باستمرار، مثل:
- تعلّم بعض مهارات المطبخ الجديدة من خلال تحضير وصفة جديدة.
- الذهاب إلى فصل التمرين المُفضّل لديك.
- ممارسة هواية جديدة، مثل الرسم.
فالتشتيت يمنح عقلك قسطًا من الراحة، وقد يسمح لعقلك بالتركيز على شيءٍ أكثر إنتاجية، بل ربّما يتمكّن عقلك أيضًا من اقتراح حل لك عندما تتوقّف عن التفكير في المشكلة.
اقرأ أيضًا: كيف تتوقف عن التفكير بطريقة «الكل أو لا شيء»؟
2. خُذ نفسًا عميقًا
في المرة المقبلة التي تجد أفكارك قد استحوذت عليك تمامًا، حاول إغلاق عينيك والتنفّس بعُمق، فالتنفّس يؤثّر مباشرة في جسمك وعقلك، وقد يساعد على تشتيت انتباهك، وتقليل التأثيرات الجسدية الناجمة عن الإفراط في التفكير.
3. انظر إلى الصورة الكبيرة
النظر إلى المشكلة من منظور جديد يمكن أن يقلّل التفكير الزائد، لذا حاول أن تنظر إلى الصورة الكبيرة وراء المشكلة دون الإنهماك في التفكير في المشكلة ذاتها.
مثلًا كيف ستؤثّر كل المشكلات التي تدور في ذهنك عليك بعد 5 أو 10 سنوات من الآن؟ فالنظر إلى الصورة الكبيرة، يجعل الأمور أوضح، ويتيح لك معرفة التحدّيات ذات الأولوية، وربّما يساعدك على الشعور بقدر أقل من الإرهاق النفسي.
4. التقبّل الذاتي
غالبًا ما ينبع التفكير الزائد من الخوض في أخطاء الماضي أو القلق بشأن أشياء لا يمكنك تغييرها، لذلك بدلًا من توبيخ نفسك على الأشياء التي قد تندم عليها، حاول أن تتعاطف مع نفسك، مثل التفكير في جوانب نفسك التي تحبّها وتُقدّرها، وتذكّر أنّه لا يُوجَد أحد مثالي، وأنّ عملك على تحسين نفسك أمر مستمرّ لا يتوقف.
5. ارصد الأفكار السلبية التلقائية
ثمّة أفكار سلبية تلقائية، عادةً ما تحدث مع المواقف التي تحفّز مشاعر الخوف أو الغضب. الهدف الآن هو رصْد هذه الأفكار السلبية المتكررة، وذلك من خلال الاحتفاظ بسجل لأفكارك والعمل على تغييرها، كما يتضح فيما يلي:
- استخدم دفتر ملاحظات لتتبّع المواقف التي تسبّب لك الضيق، وسجِّل أول فكرة تخطر على بالك.
- خلال بحثك في التفاصيل، قيّم سبب تسبُّب الموقف في هذه الأفكار السلبية.
- قسّم المشاعر التي تشعر بها وحاول تحديد ما تقوله لنفسك عن الموقف.
- ابحث عن بديل لفكرتك الأصلية، مثلا بدلا من القفز مباشرة إلى "سيكون هذا فشلا ذريعًا"، حاول أن تنتقل لشيء مثل "أنا أحاول حقًا بذل قصارى جهدي".
اقرأ أيضًا: التوتر اليومي لا يضر فقط بعقلك… بل يسرق طاقتك من الداخل!
6. استشارة مُختص
ما لم تكُن قادرًا على التحرر من التفكير الزائد، فربّما حان الوقت للبحث عن مساعَدة متخصصة، فقد يساعدك اختصاصي الصحة النفسية على تعلّم مهارات تساعدك على التوقف عن التفكير الزائد، ومنع استنزاف طاقتك الذهنية، للتفرّغ للتفكير في أشياء مُفِيدة ومنتِجة لك.
