هل يستنزفك من حولك؟ ربّما فرغت بطاريتك الاجتماعية!
ربّما صار حضور المناسبات الاجتماعية والتواصل مع الآخرين مُرهِقًا وثقيلًا عليك أخيرًا، وقد تشعر بأنّ هناك مشكلة لديك، ولكن في الحقيقة قد يكون هذا الإرهاق طبيعيًا.
فكلّ إنسان يمتلك ما يُعرَف "بالبطارية الاجتماعية"، وهي مقياس للطاقة التي يمتلكها للتفاعل والتواصل الاجتماعي. وكما يتضح من اسمها، من الطبيعي أنّها تنفد وتحتاج إلى إعادة شحنٍ من جديد. ولكن ما الذي يستنزف تلك البطارية الاجتماعية؟ وكيف تعِيد شحنها وتستعيد قدرتك على التفاعل وحضور المناسبات بحيوية من جديد؟
ما هي البطارية الاجتماعية؟
وفقًا لمؤسسة "Mind" الخيرية للصحة العقلية، فإنّ البطارية الاجتماعية (Social battery) هي استعارة أو مجاز يعبّر عن مقدار الطاقة التي يمتلكها الشخص للتفاعل والتواصل الاجتماعي.
وفكرتها أنّها مثل البطارية الحقيقية؛ إذ يعتمد الناس على بطاريتهم الاجتماعية لقضاء بعض الوقت مع الآخرين، ومع ذلك فعند مرحلة ما، تُستنزَف هذه الطاقة أو تنفد.
وهناك العديد من الأمور التي تؤثّر في سِعة البطارية الاجتماعية للمرء، بما في ذلك:
- الشخصية.
- نوع التفاعل الاجتماعي.
- جودة أو سهولة التفاعل مع الآخرين.
- الضغوط الخارجية، مثل الوجود في بيئة صاخبة أو لا يمكِن التنبؤ بها.
- الضغوط الداخلية، مثل القلق.
وتختلف سِعة البطارية الاجتماعية من شخصٍ لآخر، فيمكِن أن تكون البطارية الاجتماعية لشخص ما صغيرة، ومِنْ ثمّ تكون قدرته أقل على تحمّل التواصل الاجتماعي، مقارنةً بشخص لديه بطارية اجتماعية أكبر.
في المقابل، قد يستغرق الشخص الذي يتمتّع ببطارية اجتماعية أكبر وقتًا أطول ليشعر بالتعب والاستنزاف، بل قد يحصل على الطاقة ويعِيد شحن بطاريته من خلال التواصل الاجتماعي!
البطارية الاجتماعية لدى الانطوائيين مقابل المنفتحين
الانطوائية والانفتاحية هما مقياسان لكيفية استجابة الناس للمُحفّزات الخارجية، بما في ذلك التفاعل الاجتماعي.
فالمنفتحون يميلون إلى التركيز على العالم الخارجي، بينما يركّز الانطوائيون أكثر على عالمهم الداخلي، ويجدون أن التفاعل الاجتماعي المفرِط مرهِق بالنسبة لهم.
واعتمادًا على مفهوم "البطارية الاجتماعية"، يتمتّع المنفتحون ببطاريات اجتماعية أكبر وتحمّل أقل للعُزلة، بينما يتمتّع الانطوائيون ببطاريات اجتماعية أصغر، ولكنّهم يجدون الأنشطة المنفرِدة أو الهادئة حيوية بالنسبة لهم.
وحقيقة أنّ التفاعلات الاجتماعية تستهلك الطاقة لا تشير بالضرورة إلى الافتقار إلى المهارات الاجتماعية، بل هي اختلافات شخصية طبيعية.
أسباب الإرهاق الاجتماعي واستنزاف البطارية الاجتماعية
يعتمد استنزاف البطارية الاجتماعية للشخص والوقوع فريسة للإرهاق الاجتماعي على الطبيعة الشخصية وكيفية تفاعله مع الآخرين، فمثلًا قد لا يشعر الشخص شديد الانفتاح بأنّ بطاريته تنفد أبدًا عندما يكون على تواصل بالآخرين.
أمّا الذين يشعرون بالإرهاق في نهاية المطاف من التواصل الاجتماعي، فقد يكون ذلك لأي من الأسباب الآتية، حسب "Medical news today":
1. طبيعة الناس من حولهم
قد يجد الشخص أنّه يحتاج إلى طاقة أكبر للتفاعل مع أشخاص مُعيّنين مقارنةً بالآخرين، فمثلًا قد يكون التفاعل مع الزملاء في سياق مهني عالي الضغط أكثر إرهاقًا من قضاء الوقت مع الأصدقاء المقربين أو العائلة.
2. نوع التفاعل
قد تؤدي جودة التفاعلات ذاتها إلى جعل المرء أكثر أو أقل استنزافًا، فمثلًا قد يكون قضاء الوقت مع أحد أفراد العائلة غير الودود أكثر استنزافًا من قضاء الوقت مع مجموعة ودودة من الأصدقاء.
3. حجم المجموعة
تتطلّب المجموعات الأكبر مزيدًا من التفاعلات، كما تخلق مزيدًا من الضوضاء، وتتضمّن ديناميكات اجتماعية أكثر تعقيدًا، ولذا فإنّ هذا النوع من التفاعلات قد يكون أكثر استنزافًا من مجرّد اللقاء الفردي مع شخص واحد.
4. المُدّة
من المنطقي أن يؤدي التواصل الاجتماعي لفترات أطول إلى استنزاف مزيدٍ من الطاقة وتوفير فرص أقل لإعادة الشحن.
5. اختلال موازين القوى
يمكن أن تؤثّر العنصرية والتمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة مثلًا في التفاعلات الاجتماعية، فقد يتعيّن على الشخص الذي ينتمي إلى فئة تتعرّض للعنصرية أو إلى مجموعة مُهمّشة تاريخيًا القيام بعمل إضافي في المحادثات لتحديد ما إذا كان من المرجّح أن يفهم الآخرون تجاربه أم لا، ما يضع ضغطًا على بطاريته الاجتماعية بالتأكيد.
6. التوتر
يمكِن للأحداث المُرهِقة أو المُسبِّبة للتوتر أن تجعل التواصل الاجتماعي ذاته أكثر إرهاقًا، فمثلًا قد يشعر الشخص بالتوتر بشأن خطاب أو عرض تقديمي يتعيّن عليه تقديمه في حدثٍ ما، ومِنْ ثمّ لا يملك سوى القليل من الطاقة للتواصل الاجتماعي بعد ذلك.
7. التحميل الرقمي الزائد
بينما تستمر في التمرير اللانهائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ احتياطات الطاقة الاجتماعية لديك قد تُستنزَف دون أن تدرك ذلك، ففي نهاية المطاف، هذا شكل من أشكال التواصل الاجتماعي (حتى من خلال الهاتف)، الذي يمكِن أن يجعلك مرهقًا اجتماعيًا.
8. قلّة وقت التعافي
إنّ القفز مباشرةً من يوم عمل طويل إلى خطط اجتماعية دون وجود حاجز، يمكِن أن يجعلك تبذل جهدًا إضافيًا بينما أنت مُنهك تمامًا، فحتى أماكن الاستراحة الممتعة قد تبدو أثقل على النفْس عندما لا تحصل على استراحة حقيقة أولًا.
علامات استنزاف الطاقة الاجتماعية
ثمّة علامات تبيّن أنّ البطارية الاجتماعية للمرء على وشك النفاد أو أنّها مُستنزَفة حقًا، مثل:
- التعب.
- التوتر.
- سُرعة الغضب.
- أن يكون الشخص أقل اهتمامًا بالحديث ممّا كان عليه من قبل.
- الرغبة في العودة إلى المنزل أو أن يكون موجودًا في مكان هادئ ومألوف.
كذلك هناك علامات تدلّ على أنّ سعة البطارية الاجتماعية صغيرة، مثل:
- الشعور بالحاجة إلى وقتٍ هادئ، خصوصًا بعد المناسبات الاجتماعية.
- الشعور بالإحباط أو التعب بسبب المواقف الاجتماعية بسُرعة أكبر من الآخرين.
- الإحساس بالإرهاق من الحشود أو الأحداث الاجتماعية الكبيرة.
ومع ذلك فإنّ صِغر البطارية الاجتماعية ليس تشخيصًا طبيًا، بل هو طريقة لوصْف ما تشعر به من ناحية التواصل والتفاعل الاجتماعي.
كيف تستعيد طاقتك وتعيد شحن بطاريتك الاجتماعية؟
تختلف طريقة إعادة شحن البطارية الاجتماعية باختلاف الطبيعة الشخصية، فمثلًا المنفتحون تساعدهم اجتماعيتهم على إعادة شحن طاقتهم، وقد يكون من المفيد لهم:
- جدولة مكالمات هاتفية منتظمة أو لقاءات أو مكالمات فيديو مع الأصدقاء والعائلة.
- ممارسة الرياضة مع الآخرين، وليس بمفردك.
- الدراسة مع الآخرين عبر مكالمات الفيديو أو شخصيًا.
- تجنّب العيش أو العمل بمفردك إذا كان ذلك ممكنًا.
أمّا بالنسبة للأشخاص الذين بطاريتهم الاجتماعية صغيرة أو تُستنزَف سريعًا، فقد تساعدهم النصائح الآتية على إعادة شحن طاقتهم الاجتماعية أو الحفاظ عليها:
1. الملاحظة
أولًا ينبغي معرفة مقدار طاقتك الاجتماعية بملاحظة ما تشعر به في المواقف الاجتماعية، وكم تستغرق من الوقت حتى تشعر باستعادة طاقتك الاجتماعية من جديد، فهذا يساعد على فهم مقدار التواصل الاجتماعي الذي يمكنك القيام به ومقدار الوقت الذي تحتاج إليه لإعادة الشحن.
2. جدولة وقت إعادة الشحن
قد يكون من المفيد إفراغ مساحة زمنية بعد الأنشطة الاجتماعية لإعادة الشحن، فمثلًا إذا كُنت تعلم أنّ إعادة الشحن تستغرق يومًا لتشعر بالنشاط بعد حضور حفلة، فيمكِنك وضع ذلك في الحسبان في جدول أعمالك عند تلقّي الدعوة.
3. اعرف ما يستعيد طاقتك
يمكِن لأي شخص تجربة أنشطة مختلفة لمعرفة ما هو الأفضل لإعادة شحن بطاريته الاجتماعية، فقد يرغب بعض الأفراد في الراحة، في حين يجد آخرون أنّه من الأفضل ممارسة نشاط هادئ، مثل المشي لمسافات طويلة أو القراءة أو الحرف اليدوية أو غير ذلك.
4. تنويع الأحداث
أيضًا يمكِنك الاستفادة من المزج بين الأنشطة عالية الكثافة ومنخفضة الكثافة، فمثلًا قد يختار الشخص الذي لديه حفل زفاف سيذهب إليه في عطلة نهاية الأسبوع، التخطيط لأنشطة أكثر هدوءًا مع صديق واحد في عطلة نهاية الأسبوع التالي.
5. جدولة فترات الراحة
خلال المواقف الاجتماعية المكثّفة أو الطويلة، لا بُدّ من جدولة فترات للراحة، فمثلًا إذا ذهبت إلى رحلة تخييم في عطلة نهاية الأسبوع مع الأصدقاء، فحدّد وقتًا للقيام بالمشي منفردًا أو العودة إلى الخيمة مبكرًا للقراءة.
في النهاية، تختلف كيفية إعادة شحن البطارية الاجتماعية من شخصٍ لآخر، وليس هناك طريقة مُعيّنة تناسِب جميع الناس، وبالممارسة والتجربة، تستطيع معرفة ما يستنزف طاقتك وكيف يمكِنك الحفاظ عليها.
وليس هُناك ما يشِين في أن يشعر المرء بأنّه مُرهَق بسبب التواصل الاجتماعي، بل هو دليل على حاجته إلى بعض الراحة كي يكون أكثر نشاطًا وحيوية في التواصل مع الآخرين لاحقًا.
