لماذا تتكرر إصابات العضلة الخلفية؟ إليك السر الذي يغفل عنه كثيرون
في عالم الرياضات عالية الكثافة مثل كرة القدم، وكرة السلة، وكرة القدم الأمريكية، لا يوجد مشهد يثير إحباط الجماهير والأجهزة الفنية أكثر من رؤية لاعبهم المفضل يتعثر فجأة أثناء اندفاعه السريع، ممسكًا بخلفية ساقه في ألم مرير.
إنها إصابة أوتار الركبة؛ الكابوس الذي لا يتوقف خطره عند حدود الغياب الطويل والتعافي البطيء، بل يمتد ليزرع قلقًا دائمًا بسبب معدلاتها المرتفعة للغاية في التكرر والعودة مجددًا.
لكن السؤال الذي ظل يؤرق الأطباء والمدربين لسنوات: لماذا تبدو عضلات الفخذ الخلفية هشّة للغاية وتتأثر بسرعة، في حين أن إصابات عضلة الفخذ الرباعية الأمامية أقل شيوعًا بكثير ونادرًا ما تصاب بالإجهاد العضلي المباشر؟ الإجابة عن هذا اللغز كشفتها تجربة علمية فريدة غاصت في أعماق النشاط العضلي للاعبي كرة القدم المحترفين.
ماذا يحدث داخل عضلات الفخذ؟
لمعرفة السبب الحقيقي وراء هذا التباين، وضع الباحثون ثمانية من لاعبي كرة القدم المحترفين تحت اختبار قاسٍ وعالي الدقة.
ووفقًا لما نشره mensfitness، طُلب من اللاعبين أداء سباقين سريعين لمسافة 30 مترًا، على أن تكون جولة الراحة بينهما خاطفة ولا تتجاوز 10 ثوانٍ فقط، وهو سيناريو يحاكي تمامًا ما يحدث في الدقائق الحرجة من المباريات الكبرى.
لم يعتمد العلماء على الملاحظة بالعين المجردة، بل استعانوا بمجسات الأشعة تحت الحمراء القريبة (NIRS) التي ثُبّتت بدقة على العضلتين الرئيستين المسؤولتين عن العدو: "العضلة المستقيمة الفخذية" في مقدمة الفخذ، و"العضلة ذات الرأسين الفخذية" في مؤخرة الفخذ.
كان الهدف قياس كفاءة واستهلاك الأكسجين في كل عضلة أثناء الركض الفائق وفي مرحلة التعافي، بينما تولت أجهزة تحديد المواقع العالمية (GPS) رصد تقلبات السرعة، والتسارع، والتباطؤ.
سر الانهيار في الأداء البدني
من حيث الأرقام والنتائج الظاهرية للأداء، تمكن اللاعبون من الحفاظ على سرعتهم القصوى في كلتا المحاولتين.
لكن المفاجأة ظهرت عند تفاصيل “التسارع”؛ إذ اتضح أن قدرة اللاعبين على الانطلاق والوصول إلى السرعة القصوى تراجعت بشكل واضح في العدوة الثانية.
وهنا كشفت القياسات السبب الحقيقي: عضلات أوتار الركبة في مؤخرة الفخذ كانت تتعرض لإجهاد أكبر بكثير مما تتحمله العضلات الأمامية، رغم أن ذلك لا يظهر بشكل مباشر أثناء الأداء.
في العدوة الأولى، استهلكت العضلة الخلفية الأكسجين بكثافة بالغة تتفوق على الأمامية، لكن المفاجأة الكبرى حدثت في العدوة الثانية؛ إذ استغرقت العضلة الخلفية وقتًا أطول بثلاثة أضعاف لبدء استهلاك الأكسجين والاستفادة منه، حيث قفزت مدة التأخير العضلي من 1.6 ثانية إلى 5.2 ثانية، وهي مدة تقارب زمن العدوة بأكملها.
و هذا يعني باختصار أن اللاعب كان يركض سباقه الثاني كاملاً تقريبًا وعضلاته الخلفية تختنق وتعمل بلا أكسجين كافٍ، بينما ظلت العضلة الأمامية مستقرة وثابتة في استجابتها بين المحاولتين.
استعادة الأكسجين بين عضلات الفخذ
الأمر لم يتوقف عند حدود الاختناق أثناء الركض، بل امتد إلى ما بعد صافرة النهاية، فبعد انتهاء العدوة الثانية، أظهرت العضلة الأمامية مرونة فائقة واستعادت مستويات الأكسجين لديها بكفاءة وسرعة عالية.
في المقابل، وقفت العضلة الخلفية عاجزة، واستغرقت وقتًا أطول بكثير لبدء عملية التعافي التي سارت ببطء شديد.
وتثبت هذه المؤشرات الحيوية أن عضلة الفخذ الخلفية أقل تهيئة من نظيرتها الأمامية عند مواجهة متطلبات الركض المتكرر، ما يجعل أوتار الركبة نقطة الضعف الحتمية وأكثر مناطق الجسم عرضة للإصابة أثناء السرعات العالية.
وعلى الرغم من أن هذه الدراسة ركزت على عينة صغيرة شملت 8 لاعبين فقط، إلا أن رسالتها كانت واضحة وحاسمة لمنظومة التدريب الرياضي؛ فالاعتماد على تدريبات الجري السريع العامة لم يعد كافيًا لحماية النجوم.
إن مفتاح الحل لتقليل مخاطر الإصابات وتحسين جودة التسارع بات يتطلب تصميم برامج تدريبية نوعية وموجهة خصوصًا لتطوير كفاءة أوتار الركبة وزيادة قدرتها على تحمل حرمان الأكسجين المتكرر.
