كيف تبني من المعلبات والأطعمة المجمدة نظامًا غذائيًا صحيًا؟
لطالما اقترنت الأطعمة الطازجة في أذهاننا بالصحة والقِيمة الغذائية المثالية، بينما ننظر إلى الأطعمة المعلّبة أو المجمدة نظرة أخرى مختلفة؛ لعلّك تعرفها جيدًا.
صحيح أنّ المُعلّبات قد تحتوي على مكوّنات إضافية غير العناصر الغذائية الأساسية، لكنها أحيانًا تمتلئ بقِيمة غذائية أكبر من الأطعمة الأخرى. بل إن الأطعمة المجمّدة قد يضمن تجميدها احتفاظها بقِيمتها الغذائية التي قد تفقدها لو تُرِكت في درجة الحرارة العادية.
ولكن ما نطرحه هُنا ليس فوائد تلك الأطعمة على وجه التحديد، وإنّما لمحة عن كيفية بناء نظام غذائي صحي من هذه الأطعمة، خصوصًا إذا ضاق وقتك بينما ترغب في تناول طعام لا يستغرق تحضيره فترة طويلة، ويوفّر قِيمة غذائية حقيقية في الوقت ذاته.
التغذية بالأطعمة المصنعة: هل هي مضرة دائمًا؟
الأطعمة المصنعة (Processed foods) هي أي طعام تغيّر عن حالته الطبيعية؛ بدءًا من التقطيع أو الغسل أو التسخين، أو الطهي، حتى التجميد أو التعبئة، كما تشمل الأطعمة التي تحتوي على مواد حافظة مُضافة أو عناصر غذائية أو نكهات أو أملاح أو سكريات أو دهون.
وغالبًا ما نظنّ أنّ الأطعمة المُصنّعة أو المعالَجة سيئة، رغم أنّ هناك منها ما هو صحي.
وإذا تطرّقنا إلى الأطعمة المعلبة والمجمدات، فإنّ معظم هذه الأطعمة صالِح للأكل بمفرده أو بإضافته إلى أطباق أخرى.
وهذا بخلاف الأطعمة فائقة المعالجة (Ultra-processed foods) مثل التي تنشأ من مواد مُضافة ولا ترتبط بالأطعمة الأصلية، والتي تخضع لعملية تصنيع مُكثّفة، وغالبًا ما تحتوي على كثيرٍ من المواد الحافظة أو الأصباغ أو الألوان أو النكهات المُضافة أو المكونات الأخرى التي تغيّر ملمس الطعام أو مظهره.
المعلّبات.. هل يمسّ التعليب القِيمة الغذائية؟
يغلب على ظنّنا أنّ المعلّبات أقل في القِيمة الغذائية من الأطعمة الطازجة أو المُجمّدة، ولكن هذا ليس صحيحًا بإطلاق، بل إنّ التعليب قد يحافظ على معظم العناصر الغذائية الموجودة في الطعام ابتداءً.
فالكربوهيدرات والبروتين والدهون لا تتأثّر بعملية التعليب، كما تظلّ معظم المعادن والفيتامينات الذوّابة بالدهون، مثل فيتامين أ وفيتامين ك وفيتامين د، موجودة.
بل أشارت بعض الدراسات، مثل دراسة عام 2013 في مجلة علوم الأغذية والزراعة "Journal of Science of Food and Agriculture" إلى أنّ الأطعمة الغنية ببعض العناصر الغذائية، تظلّ محتفظة بمستوياتها الغذائية العالية بعد تعليبها.
بعض الفيتامينات يُفقَد خلال التعليب
ومع ذلك بيّنت دراسات أخرى أنّ الفيتامينات الذوّابة بالماء، مثل فيتامينات ب وفيتامين سي، قد تتلف خلال التعليب، الذي عادةً ما يتضمّن التعرّض لحرارةٍ عالية.
فهذه الفيتامينات حسّاسة للحرارة والهواء عمومًا، ومِنْ ثمّ فإنّك قد تفقدها أيضًا في أثناء طرق المعالجة والطهي والتخزين العادية التي تتبعها في منزلك.
التعليب قد يزيد كمية العناصر الغذائية أحيانًا
نعم قد تُفقَد بعض الفيتامينات خلال التعليب، ولكنّه بخلاف الاحتفاظ بالقيمة الغذائية للعناصر الأخرى، فإنه قد يزيدها.
فمثلًا الطماطم والذرة يُطلِقان مزيدًا من مضادات الأكسدة حال تسخينهما، ما يجعل الأصناف المُعلّبة من هذه الأطعمة مصدرًا أفضل لمضادات الأكسدة.
وتؤيّد دراسة عام 2015 في مجلة "Nutrients" هذا الأمر؛ إذ بيّنت أنّ الأشخاص الذين تناولوا 6 مُعلّبات أو أكثر أسبوعيًا، كانوا أعلى تحصيلًا لـ17 عنصرًا غذائيًا أساسيًا، مقارنةً بمن تناولوا معلّبتَين أو أقل أسبوعيًا.
هل يحفظ التجميد القِيمة الغذائية حقًا؟
أيضًا تحظى الأطعمة المجمّدة عادةً بسُمعة غير طيّبة فيما يتعلّق بالقيمة الغذائية، ولكن عادةً ما تُجمّد الأغذية عبر التجميد السريع، بمعنى غسل الأغذية ثُمّ تجميدها في درجات حرارة شديدة البرودة، بما يضمن احتفاظ الأطعمة بسلامتها الخلوية وكذلك الحفاظ على عناصرها الغذائية ونكهتها.
وتُبقِي هذه الطريقة الأطعمة طازجة لفترة أطول دون قلقٍ من تلفها.
ومع ذلك، فالحال مع الخضراوات مختلف قليلًا؛ إذ إنّها تحتاج إلى السلق قبل تجميدها بسُرعة، وهذا يعني غمرها في الماء المغلي لقتل البكتيريا وإزالة الشوائب، والحفاظ على قِيمتها الغذائية.
رغم ذلك، فإنّ المنتجات التي تُعرَض أمامك لن توضّح ما إذا كان المنتَج قد جُمِّد سريعًا أم لا، ولكن يمكنك التحقّق من خلال كمية الثلج؛ إذ كُلّما قلّ الثلج، زادت احتمالية احتفاظ المنتَج بنكهته ونضارته وقِيمته الغذائية.
الأطعمة المجمدة قد تكون أغنى بالعناصر الغذائية
توصّلت دراسة عام 2017 في مجلة تكوين الأغذية وتحليلها "Journal of Food Composition and Analysis" أجرتها جامعة جورجيا بالشراكة مع المعهد الأمريكي للأغذية المجمدة (AFFI) إلى أنّ المنتجات المجمدة كانت مغذية بالقدر نفسه أو أكثر من الأطعمة الطازجة التي لم تُجمّد أبدًا.
كما كانت مستويات حمض الفوليك وفيتامين أ وفيتامين سي أعلى في الأطعمة المُجمّدة، مقارنةً بنظيراتها غير المُجمّدة.
كذلك حلّلت دراسة مماثلة عام 2014 في مجلة الزراعة وكيمياء الغذاء "Journal of Agricultural and Food Chemistry" أجرتها جامعة كاليفورنيا في ديفيس بالشراكة مع AFFI أربعة فيتامينات؛ هم الريبوفلافين (فيتامين ب2)، وبيتا كاروتين، وفيتامين سي، وألفا توكوفيرول (فيتامين هـ)، في مجموعة مختارة من الفواكه والخضراوات المجمدة وغير المجمدة.
وكانت النتائج مماثلة لدراسة جامعة جورجيا؛ إذ كانت مستويات الفيتامينات في الأطعمة المجمدة إمّا مساوية أو تعلو على الأطعمة غير المجمدة، باستثناء بيتا كاروتين الذي انخفض بدرجةٍ ملحوظة في الأطعمة المُجمّدة.
وربّما قد يكون هناك تحيّز في هذه الدراسات بسبب العلاقة بين الجامعات وجماعة الضغط في AFFI، ومع ذلك فقد توصّلت دراسات أخرى إلى نتائج مماثلة.
مثلًا بيّنت دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا عام 2005 أنّ السبانخ الطازجة تبدأ في التحلّل سريعًا وتفقد كثيرًا من قِيمتها الغذائية كُلّما طال أمد تخزينها، كما يمكِن أن تنخفض مستويات حمض الفوليك بنسبة تصل إلى 53% خلال ثمانية أيام في ثلاجة بدرجة حرارة 3.9 درجات مئوية، وإذا حُفِظت في درجة حرارة أكثر دفئًا، فقد تفقد قِيمتها الغذائية بمُعدّل أسرع بكثير، ومِنْ ثمّ فكُلّما حُفظت السبانخ في ظروف باردة، استمرّت قِيمتها الغذائية لفترةٍ أطول.
كيف تبني نظامًا غذائيًا صحيًا بالمعلّبات والأطعمة المجمدة؟
إذا تبيّن لك أنّ المعلّبات والأطعمة المجمّدة قد تحمل قِيمة غذائية أعلى في بعض الأحيان من الأطعمة الطازجة، فإنّه يمكِنك الاستفادة منها في بناء نظام غذائي صحي يتضمّن تلك الأطعمة إلى جانب الأطعمة الطازجة على النحو الآتي:
1. تحقّق من المكوّنات وكلّما قلّ عددها كان أفضل
كُلّما قلّ عدد المكونات كان ذلك أفضل؛ إذ إنّ كثيرًا من المعلّبات والمجمّدات مشهورة بأنّها فائقة المعالجة؛ أي مليئة بالمواد المضافة وأقل قِيمة غذائية، ولكن يظلّ هناك منها ما هو مصنوع من مكون أو مكونين فقط من الأطعمة الكاملة، مثل:
- البازلاء المعلّبة.
- الفواكه المجمدة.
- السلمون المُعلّب.
- زبدة الفول السوداني المعلبة، التي تحتوي على الفول السوداني المحمص الجاف والملح فقط.
ولكن لا ينبغي لأي مكوّن معقّد أو غير واضح بالنسبة لك أن يجعلك تستبعده تلقائيًا، فربّما لا يوضّح ملصق الحقائق الغذائية أنّ الطعام يحتوي على فيتامين سي، بل يكتب حمض الأسكوربيك مثلًا وهو اسم آخر لفيتامين سي.
2. اختر المنتجات منخفضة الصوديوم كُلّما أمكن
اتفقنا على أنّ هناك من المعلّبات ما هو مُفِيد غذائيًا، وتُعدّ الفاصوليا المعلّبة مثالًا جليًا على ذلك؛ إذ إنّها مليئة بالألياف والبروتين النباتي والمعادن، كالحديد والزنك.
ومع ذلك فإنّ تلك الفئة من الأطعمة، مثل الخضراوات والحساء والفاصوليا، لها عيب واحد فقط، وهو أنّها تحتوي على كمية كبيرة من الصوديوم، وهو معدن مرتبِط بمشكلات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب عند الإفراط في استهلاكه.
لذا حاول دائمًا أن تجد بدائل توفّر كمية أقل من الصوديوم، أو ابحث عن ملصقات على غرار "لا يُوجَد ملح مضاف" أو "منخفض الصوديوم" أو حتى "خال من الصوديوم".
وما لم تجِد أي شيء من ذلك، فيمكنك تصفية وشطف المنتجات المعلبة قبل أن تستخدمها، فهذا يقلّل بدرجة كبيرة من محتوى الصوديوم بنسبة تصل إلى 40% (ولكن انتبِه إلى أنّ ذلك قد يُفقِدك أيضًا بعض الفيتامينات، مثل فيتامين سي).
3. ابحث عن المُفِيد وابتعِد عن مكوّنات بعينها
ليس الصوديوم وحده هو ما ينبغي أن تحذر منه، بل هُناك ما قد يكون أخطر، مثل السكريات المضافة والدهون المشبعة، فالخوخ الذي تشتريه مُعلّبًا في شراب سكري ليس مُغذّيًا كالخوخ الذي تشتريه مُعلّبًا في الماء أو تشتريه مجمدًا أو طازجًا مثلًا.
لذا عندما تقرأ ملصق الحقائق الغذائية، فإنّ وجود البروتين والألياف والفيتامينات والمعادن علامة إيجابية بخلاف العناصر غير الصحية إذا كانت بكميات كبيرة.
4. المزج والجمع بذكاء
ربّما لا تملك كثيرًا من الوقت لإعداد وطهي طعامك، خصوصًا مع التهام العمل لوقتك، ومِنْ ثمّ فإنّ الجمع الاستراتيجي بين المُعلّبات والمجمّدات قد يضمن لك توفير الوقت دون أن تُضحّي بالقيمة الغذائية والثمرة الصحية.
فمثلًا إذا كُنت تتناول حساءً معلبًا على العشاء، فيمكنك إضافة علبة من العدس لتعزيز حصّتك من الألياف والبروتين، أو إذا كُنت تتناول السباغيتي وترغب في أن تشبع لفترة أطول، فلم لا تُزيّنها ببعض البازلاء المجمدة عليها، أو ربّما بعض البروكلي المجمّد إلى جوارها؟
5. طريقة الطبق تضمن التوازن
لا يزال من الممكن دمج الأطعمة المعلبة والمجمدة ضمن إطار نظام غذائي صحي بطريقة الطبق على النحو الآتي:
- ¼ الطبق للحبوب الكاملة أو الخضراوات النشوية.
- ¼ آخر للبروتين.
- ½ المتبقي للفواكه والخضراوات غير النشوية.
فمثلًا يمكِنك تحضير الشوفان الملفوف مع بذور الشيا والتوت المجمد وزبدة الفول السوداني على الإفطار، أو المعكرونة مع السردين المعلب والبروكلي المجمد على العشاء.
في النهاية من الطبيعي أن يضطرنا ضِيق الوقت والانشغال بالعمل إلى الأطعمة المُجمّدة والمعلّبات، وحينها لا ينبغي أن نحرم أنفسنا ممّا يوفّر علينا الوقت ويضمن لنا تغذية صحية؛ خصوصًا أنّ بعض الأطعمة المعلبة قد تحمل قِيمة غذائية أعلى من نظيراتها الطازجة، ومن المهم أيضًا قراءة ملصق الحقائق الغذائية لاقتناء أطعمة توفّر قِيمة غذائية حقيقية دون أضرار كُبرى.
