قيلولة "ناسا".. سرّ الـ26 دقيقة من النوم التي تستعيد طاقتك
كثيرًا ما يُعاب النوم في العمل، وربّما اتُّهم بالتسبّب في ضعف الأداء وتراجُع الإنتاجية، رغم أنّ القيلولة المحسوبة بدقّة يمكِن أن تعِيننا على إنجاز الأعمال في وقتٍ أسرع وبأفضل أداءٍ ممكن.
ولكن ما لم تكُن القيلولة مضبوطة بدقائق معدودة، فقد نفيق منها أكثر خمولًا وأقل إقبالًا على العمل، ولذا حسمت قيلولة ناسا -المُخصّصة لتحسين الأداء في العمل- الأمر بالنوم لمدة 26 دقيقة فقط، فلماذا تُعدّ هذه المدة هي الخيار المثالي؟ وكيف تنعكس عليك في عملك؟
ما هي قيلولة "ناسا" ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟
تُطلَق قيلولة ناسا على القيلولة القصيرة التي تُؤخَذ لتحسين الأداء في العمل، والتي يهتمّ بها أيضًا روّاد الفضاء في وكالة ناسا، لزيادة اليقظة والانتباه دون الشعور بالنعاس.
وقد نُشِرت دراسة عام 1995 في مجلة "Sleep" لدراسة أداء طاقم جوي في الرحلات الجويّة طويلة الأمد، وكان طيّارو الخطوط التجارية لمسافات طويلة؛ خصوصًا عبر مسارات المحيط الهادئ، يمرّون عبر مناطق زمنية متعددة في رحلات تستغرق من 8 إلى 12 ساعة.
وقد عانت أطقم قمرة القيادة من التعب المتراكم، واضطراب الساعة البيولوجية، وفترات من انخفاض اليقظة بدرجة خطيرة خلال مراحل الطيران الأفقي ذات عبء العمل المنخفض.
وأرادت وكالة ناسا أن تعرف ما إذا كانت القيلولة المُخطَّط لها في أثناء الطيران الأفقي، يمكِن أن تقلّل من مخاطر الأخطاء المرتبطة بالتعب أم لا.
وقُسّمت الطواقم إلى مجموعة راحة -يُسمَح لها بفرصة لأخذ قيلولة مُجدولة لمدة 40 دقيقة في أثناء رحلة طيران أفقي منخفضة عبء العمل- ومجموعة مُراقَبة دون راحة.
وتبيّن للباحثين أنّه خلال آخر 90 دقيقة من الرحلة، والتي تتضمّن الاقتراب من سطح الأرض والهبوط بالطائرة، شهد الطيّارون الذين لم يحصلوا على قسط من الراحة ما معدّله 22% أكثر من النوم القصير مقارنةً بمجموعة الراحة.
وهي ليست قيلولة طويلة نعم، ولكنّها هفوات لا إرادية من النوم من قبل الطيَارين، راوحت مدّتها من 1 إلى 15 ثانية، ولكن في لحظات هبوط الطائرة واقترابها من سطح الأرض، فإنّ حتى بضع ثوانٍ فقط من فقدان الوعي، قد تُنذِر بعواقب كارثية.
كما توصّلت الدراسة أيضًا إلى تحسّن بنسبة 54% في اليقظة الفسيولوجية، وتحسّن بنسبة 34% في أداء سُرعة رد الفعل، مقارنةً بمن لم يحصلوا على راحة.
وامتدّ تأثير هذه الدراسة إلى سياسة وكالة ناسا وإدارة الطيران الفيدرالية "FAA"، وكذلك وزارة النقل الكندية، فيما يتعلّق بإجراءات الراحة الخاضِعة للرقابة لأطقم قمرة القيادة في الرحلات الطويلة.
وعُرِفت بعد ذلك في الثقافة الشعبية باسم "قيلولة ناسا"، وأصبح الرقم 26 دقيقة اختصارًا لمدة القيلولة المثالية.
مراحل النوم التي نمرّ بها في القيلولة عادةً
لا يكون نومك واحدًا طوال الليل أو حتى عند أخذ قيلولة، بل هو مراحل تتلو بعضها؛ إذ تضم في قيلولة لا تُجاوِز النصف ساعة:
1. المرحلة الأولى من نوم حركة العين غير السريعة (1 - 5 دقائق)
تمثّل الانتقال من اليقظة إلى النوم؛ إذ تسترخي عضلاتك ويتباطأ قلبك ويتحوّل دماغك من موجات بيتا (الانتباه) إلى موجات ألفا (الاسترخاء)، ثُمّ موجات ثيتا (النُعاس)، والاستيقاظ سهل في تلك المرحلة، وقد لا تشعر حتى أنّك نائم.
2. المرحلة الثانية من نوم حركة العين غير السريعة (5 - 25 دقيقة)
يبدأ الدماغ في إطلاق نوبات من التذبذبات العصبية السريعة بتردّد 12 - 14 هرتز، كما تحدث عمليات ترسيخ الذاكرة وحجب المؤثّرات الخارجية من إيقاظك، وتُعدّ هذه المرحلة هي المثالية لإنهاء القيلولة.
3. المرحلة الثالثة من نوم حركة العين غير السريعة/ النوم الموجي البطيء (بعد 25 - 30 دقيقة)
هذا هو النوم العميق؛ إذ يصدر من الدماغ موجات دلتا، وهي تذبذبات بطيئة كبيرة تشير إلى أدنى حد من نشاط قشرة المخ، كما ينخفض ضغط الدم ويصبِح التنفّس منتظمًا جدًا.
ورغم أنّ هذه المرحلة مُفيدة جدًا لجسمك، فإنّ الاستيقاظ خلالها قد يسبّب ما يُعرَف "بقصور النوم" أو حالة من الخمول والارتباك وضعف الأداء، التي يمكِن أن تستمر لمدة 20 - 30 دقيقة بعد الاستيقاظ.
لماذا 26 دقيقة هي المدة المُختارة للقيلولة العلمية؟
26 دقيقة ليست رقمًا صارمًا، ولكن هو متوسّط مُدّة النوم التي حصل عليها الطيّارون خلال فرصة راحة مُدّتها 40 دقيقة؛ إذ كان أمامهم تلك المُدّة لإغماض جفونهم، واستغرق دخولهم في النوم نحو 14 دقيقة في المتوسط، بينما ناموا فعلًا لمدة 25.8 دقيقة في المتوسّط قبل أن يستيقظوا.
ومع ذلك، فإنّ 26 دقيقة قريبة من الرقم الذي تحدّده أبحاث القيلولة على أنّه التوقيت المثالي للقيلولة لجني فوائدها؛ إذ ترى الأبحاث أنّ مُدّة القيلولة المثالية تراوح بين 20 - 30 دقيقة، ربّما للأسباب الآتية:
1. طويلة بما يكفي لدخول المرحلة الثانية من نوم حركة العين غير السريعة
يلِج معظم الأشخاص المرحلة الثانية في غضون 5 - 10 دقائق من النوم، ومِنْ ثمّ فإنّ القيلولة لمدة 26 دقيقة، تمنحك نحو 15 - 20 دقيقة من المرحلة الثانية من النوم، وهو ما يكفي لاستعادة قدراتك الذهنية جيدًا.
2. قصيرة بما يكفي لتجنّب المرحلة الثالثة
يبدأ الانتقال إلى النوم العميق عادةً بعد نحو 25 - 30 دقيقة من بدء النوم، لذا فإنّ الاكتفاء بالنوم لمدة 26 دقيقة فقط، قد يُوقِظك قبل الدخول في نومٍ عميق قد يُسبب خمولًا عندما تستيقظ، ما يهدر ثمرة القيلولة.
3. توقيت عملي
عندما تضبط منبهك ليُوقِظك بعد 30 دقيقة من لحظة استلقائك، وأنت تحتاج من 5 إلى 10 دقائق للدخول في النوم ابتداءً؛ سينتهي بك المطاف بالنوم 20 إلى 25 دقيقة غالبًا، وهي ليست بعيدة عن مُدّة قيلولة ناسا.
كيف تعوّضك القيلولة القصيرة عن قلّة النوم ليلًا؟
إلى جانب ما أظهرته قيلولة ناسا من تحسّن اليقظة وسُرعة رد الفعل، فقد أشارت دراسة صغيرة عام 2013 في دورية "Industrial Health" إلى أنّ أخذ قيلولتين لمدة 15 دقيقة يقلّل التوتر ويزيد من القدرة على تحمّل التوتر بين العاملين بمناوبات ليلية.
كما توصّلت دراسة أخرى عام 2015 في دورية "The Journal of Clinical Endocrinology and Metabolism" إلى أنّ أخذ قيلولتين مُدّة كل منهما 30 دقيقة (واحدة في الصباح والأخرى بعد الظهر) يمكِن أن يكافِح آثار الحرمان من النوم في الليلة السابقة.
بروتوكول قيلولة ناسا.. دليل عملي
استخلاصًا من دراسة ناسا، فإنّ بروتوكول القيلولة يتضمّن:
- اختيار التوقيت: بين الساعة الواحدة والثالثة مساءً، وهذا يتماشى مع تراجُع إيقاع الساعة البيولوجية بعد الغداء، وهو انخفاض طبيعي في يقظتك بغض النظر عمّا إذا كُنت قد تناولت طعامًا أم لا.
- ضبط المنبّه لمدة 28 - 30 دقيقة من وقت الاستلقاء: فهذه المُدّة لا تُسقِط الفترة التي تحتاج إليها للدخول في النوم، وتستهدف النوم 20 - 26 دقيقة فعليًا.
- الظلام صديق النوم: استخدِم قناع النوم أو ستائر التعتيم، لأنّ وجود أي بصيص من الضوء قد يثبّط إنتاج الميلاتونين، ويجعل دخولك في النوم أصعب.
- استلقِ على سطح مُسطّح إن أمكن: يدعم السطح المُسطّح عضلاتك ويعِينك على الاسترخاء تمامًا، فالقيلولة جالسًا على كرسي مثلًا تزِيد الفترة التي تحتاج إليها للدخول في النوم 5 - 10 دقائق، وقد تقلّل من كمية النوم التي تحصل عليها في المرحلة الثانية.
- برّد الغُرفة إن أمكن: تساعد درجات الحرارة الباردة قليلًا (18 - 20 درجة مئوية) على إدخالك في النوم أسرع، كما أنّ البطانية الخفيفة تُسهِم في خفض درجة حرارة جسمك الداخلية، وهو محفّز فسيولوجي للنوم.
- سدّ آذانك عمّا حولك: استخدِم سدادات الأذن أو الضوضاء البيضاء لحجب الضوضاء المحيطة بك، كي لا تحرمك من القيلولة.
- الآن أنت مُهيّأ للاستيقاظ: عندما يُطلِق المنبّه إنذاره، استيقِظ فورًا، ولا تغفو، وعرّض نفسك للضوء الساطع، ولا بأس برشّ قليل من الماء البارد على وجهك، وتحرّك لمدة 2 - 3 دقائق قبل استئناف عملك، فهذا يزِيل أي درجة من "قصور النوم" أو الخمول قد تواجهك سريعًا.
ختامًا قد تكفيك 26 دقيقة من النوم خلال اليوم لزيادة نشاطك وتحسين أدائك في العمل، فهذا ما توصّلت إليه قيلولة ناسا بنهاية المطاف؛ إذ إنّك تدخل مراحل النوم التي تشحن ذهنك من جديد، ولا تلِج المراحل التي تجعلك تستيقظ مرتبكًا وأكثر خمولًا، والتجربة قد توضّح لك بالضبط أنسب مُدّة لقيلولتك.
