ميكروبيوم السائل المنوي ودوره المحتمل في القدرة الإنجابية للرجال
كما أنّ هناك بكتيريا ضارة ونافعة في الأمعاء؛ تدعم عمليات الهضم وتعزز المناعة، فكذلك السائل المنوي به النوعان، ولكن التأثير هُنا ليس في الهضم، بل في خصوبة الرجل وقدرته الإنجابية.
وبينما يُظهِر تحليل السائل المنوي عدد الحيوانات المنوية وحركتها وأشكالها، فإنّ هناك عوامل خفية قد تُضعِف الخصوبة، ومن بينها طبيعة الميكروبيوم أو بالأحرى البكتيريا المهيمنة على السائل المنوي، فإلى أي مدى يتحكّم ميكروبيوم السائل المنوي في خصوبتك؟ وهل يفتح أبوابًا جديدة في سبيل زيادة فرص الإنجاب؟
ما ميكروبيوم السائل المنوي؟
الميكروبيوم هو الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في السائل المنوي، والتي يُظنّ أنّ لها تأثيرً في خصوبة الرجل؛ إيجابيًا كان أم سلبيًا.
علاقة الميكروبيوم بالحيوانات المنوية
وفقًا لدراسة عام 2024 في دورية "Scientific Reports"، فإنّ ميكروبًا واحدًا على وجه الخصوص، وهو "Lactobacillus iners"، قد يحمل تأثيرًا سلبيًا مباشرًا في خصوبة الرجال؛ إذ تبيّن أنّ الرجال الذين لديهم كمية أكبر من هذا الميكروب، كانوا أكثر عرضةً للإصابات بمشكلات في حركة الحيوانات المنوية.
كما أظهرت أبحاث سابقة أنّ تلك البكتيريا قادِرة على إنتاج حمض اللاكتيك، ما قد يُنشِئ بيئة معزّزة للالتهابات في الجهاز التناسلي، ومِنْ ثمّ قد تتأثّر حركة الحيوانات المنوية سلبًا.
كذلك اكتشف الباحثون ثلاثة أنواع من البكتيريا، كانت موجودة في المرضى الذين لديهم تركيزات طبيعية وغير طبيعية من الحيوانات المنوية.
وكانت الميكروبات المُسمّاة "Pseudomonas fluorescens" و"Pseudomonas stutzeri" أكثر شيوعًا لدى المرضى الذين يعانون تركيزات غير طبيعية من الحيوانات المنوية، بينما كانت بكتيريا "Pseudomonas putida" أقل شيوعًا في العيّنات التي تحتوي على تركيزات غير طبيعية من الحيوانات المنوية.
بكتيريا أخرى مرتبطة بتدنّي جودة الحيوانات المنوية
أشارت مراجعة منهجية عام 2026 في مجلة الطب التناسلي "Reproductive Medicine" إلى وجود أنواع أخرى من البكتيريا لدى الرجال الذين يعانون نقص عدد الحيوانات المنوية، أو ضعفها، أو تشوهها، أو كلّ تلك المشكلات، مثل:
- المكورات العنقودية "Staphylococcus".
- المستدمية النزلية "Haemophilus".
- اليوريبلازما "Ureaplasma".
- المكورات الهوائية "Aerococcus".
- البريفوتيلا "Prevotella".
- السينثيا "Sneathia".
- الوتدية "Corynebacterium".
ميكروبيوم السائل المنوي والمادة الوراثية
أيضًا فحصت بعض الدراسات مؤشّر تكسّر المادة الوراثية للحيوانات المنوية، وتبيّن أنّ هناك أنواعًا معيّنة من البكتيريا مرتبطة بزيادة تكسّر المادة الوراثية للحيوانات المنوية، مثل:
- الإشريكية "Escherichia".
- الشيجيلا "Shigella".
- اللاكتوباسيلوس إينرز "Lactobacillus iners".
- المكورات العنقودية الذهبية "Staphylococcus aureus".
- الكلبسيلا الرئوية "Klebsiella pneumoniae".
بينما على عكس ذلك، ارتبطت أنواع أخرى من البكتيريا بانخفاض مؤشّر تكسّر المادة الوراثية للحيوانات المنوية، مثل:
- التايسيريلا-الهضمونية العقدية "Peptostreptococcales-Tissierellales".
- أنواع الفاينجولديا "Finegoldia"
- أنواع البكتيريا الوتدية "Corynebacterium".
علاقة ميكروبيوم السائل المنوي بنتائج تقنيات التلقيح الصناعي
فحصت دراسة عام 2021 في دورية "Frontiers in Cellular Infection and Microbiology" العلاقة بين ميكروبيوم السائل المنوي والنتائج السريرية للتلقيح الصناعي عبر مقارنة نتائج الحمل ومعدلات المواليد الأحياء بعد التلقيح الصناعي.
وارتبط انخفاض تنوّع ميكروبيوم السائل المنوي -فضلًا عن وجود أنواع معيّنة من البكتيريا، مثل "Lactobacillus jensenii" و"Faecalibacterium" في السائل المنوي- بتحسّن نتائج التلقيح الصناعي.
بينما ارتبط وجود كمية كبيرة من بكتيريا البريفوتيلا والبكتيريا العصوية "Bacteroides" وبكتيريا المتقلبات "Proteobacteria" بنتائج أسوأ.
كيف قد تضرّ بكتيريا السائل المنوي خصوبتك؟
إذا لم تُسبّب البكتيريا عدوى، فماذا عساها أن تفعل غير ذلك لإضرار خصوبتك؟
بيّنت دراسة عام 2022 في دورية "Open Life Sciences" أنّ بعض أنواع البكتيريا قد تعرقل العمليات البيولوجية التي تُسهِم في إنتاج الحيوانات المنوية ووظيفتها.
كما قد يؤدي وجود البكتيريا في السائل المنوي -التي لا تسبّب أعراضًا، والتي تُلاحَظ لدى نسبة كبيرة من الرجال المصابين بالعُقم- إلى تحفيز عمليات التهابية موضعية، وزيادة إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية، ما يؤدي إلى خلل الميتوكوندريا (التي تمدّ الحيوانات المنوية بالطاقة)، ومِنْ ثمّ إضعاف جودة الحيوانات المنوية.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ بكتيريا، مثل الإشريكية القولونية، قد تعزّز تكتل الحيوانات المنوية، ما قد يجعلها غير قادرة على الحركة.
كذلك قد يؤدي الإجهاد التأكسدي الناجم عن البكتيريا إلى تلف الحمض النووي أو المادة الوراثية، وإحداث خللٍ في بِنية الحيوانات المنوية.
ماذا عن البكتيريا الصديقة للسائل المنوي؟
حسب المراجعة المنشورة عام 2026 في مجلة الطب التناسلي، فإنّ البكتيريا الأكثر شيوعًا الموجودة في السائل المنوي لدى الرجال الذين لا يعانون مشكلات بالحيوانات المنوية هي أنواع اللاكتوباسيلوس (عدا لاكتوباسيلوس إينرز)، فهي تتمتّع بخصائص مضادة للالتهابات، كما تنتِج مركّبات تُسهِم في عديد من العمليات البيولوجية، بما في ذلك المتعلقة بالصحة الإنجابية والخصوبة.
كذلك فإنّ بكتيريا البيفيدوباكتيريوم لها تأثير مفيد لخصوبة الذكور، وقد تُسهِم في تعديل الاستجابة المناعية، والحد من تكاثُر الخلايا غير الطبيعي، كما تساعد على تقليل الالتهابات أيضًا.
أيضًا بكتيريا البروبيونوباكتيريوم تُسهِم في إنتاج أحماض عضوية تمنع تكاثُر الميكروبات الضارة، كما يمكِن أن تؤثّر إيجابيًا في إنتاج الحيوانات المنوية.
اختبار ميكروبيوم السائل المنوي: خصوبتك تحت المجهر
يمكِن اختبار الميكروبيوم الذكري من خلال فحص عينة من السائل المنوي للبحث عن الكائنات الحية الدقيقة الموجودة هناك، والتي يمكِن أن تؤثّر سلبًا في الخصوبة.
وإذا تبيّن أنّ هناك عدوى بكتيرية بالفعل، فإنّ ذلك يستلزم إجراءات علاجية مُخصّصة تبعًا لنوع البكتيريا الموجودة، كما قد يُجرَى أيضًا اختبار ميكروبيوم للزوجة للتأكّد من أنّها لم تُصب بعدوى.
هل يمكِن الاستفادة من الميكروبيوم في تعزيز خصوبتك؟
ربّما تسهِم أنواع معيّنة من البكتيريا بالفعل في تحسين جودة الحيوانات المنوية لدى المصابين بالعُقم من خلال استعادة التوازن الميكروبي وتقليل الإجهاد التأكسدي.
ومع ذلك، فليس هناك مكمل غذائي يحتوي على بروبيوتيك مُخصّص لدعم خصوبة الرجال.
أيضًا إنّ مفهوم الميكروبيوم لا يقتصر على البكتيريا، بل يمتدّ للفيروسات والفطريات أيضًا، والتي لها تأثير في خصوبة الرجل، وإن لم يُكتشف ذلك بعد.
ولكن أشارت بعض الأبحاث إلى أنّ وجود فيروسات متنوعة ومتوازنة قد يرتبط بزيادة فرص نجاح التلقيح الصناعي، بينما وجود فيروسات مرضية، مثل فيروس الهربس البسيط أو فيروس الورم الحليمي البشري، يمكِن أن يُضعِف النتائج الإنجابية.
لذا فإنّ اعتماد نهج شامل يدمج المكونات الثلاثة؛ الفيروسات والبكتيريا والفطريات، هو ما يمكِن أن يُسهِم لاحقًا في خلق استراتيجيات مبتكرة لتحسين جودة الحيوانات المنوية، باستخدام بروبيوتيك مُخصّص يوفّر هذه العناصر، وهو ما نأمل أن يتوافر في المستقبل القريب.
