لماذا يُصاب بعض الناس بالاكتئاب بعد الألم المزمن دون غيرهم؟
أظهرت دراسة حديثة حول التغيرات الدماغية المرتبطة بالألم المزمن أن هناك عملية خفية في الدماغ قد تفسر لماذا يصاب بعض الأشخاص بالاكتئاب نتيجة الألم طويل الأمد، بينما يظل آخرون أكثر قدرة على الصمود، وهي نتائج تقوّض الفرضية السائدة بأن الألم المزمن يقود دائمًا إلى الاكتئاب.
ونُشرت الدراسة في مجلة Science، حيث اعتمد الباحثون على تحليلات واسعة النطاق باستخدام التصوير الدماغي للبشر إلى جانب تجارب على الحيوانات.
وتبيّن أن الألم المستمر يسبب تغيرات تدريجية في منطقة الحُصين "الهيبوكامبوس"، وهي منطقة معروفة بدورها في الذاكرة.
وتؤثر هذه التغيرات على قدرة الدماغ في تنظيم الاستجابات العاطفية، وبالتالي تحدد ما إذا كان الشخص سيبقى متماسكًا أو يصاب بالاكتئاب مع مرور الوقت.
دور الحُصين في مقاومة الألم
وأوضح البروفيسور جيانفنغ فنغ من جامعة ووريك أن "الألم المزمن كثيرًا ما يتطور إلى اكتئاب أو قلق، لكننا لم نفهم حتى الآن لماذا يحدث ذلك للبعض دون غيرهم".
وأضاف: "النتائج تشير إلى أن الحُصين يعمل كمركز تحكم يساعد الدماغ على تنظيم الاستجابات العاطفية تجاه الألم طويل الأمد".
وأظهرت البيانات أن الأشخاص الذين يعانون الألم المزمن دون اكتئاب لديهم حجم أكبر قليلاً في الحُصين ونشاط أعلى في هذه المنطقة، كما أدوا بشكل أفضل في اختبارات الذاكرة والتعلم.
وفي المقابل، أظهر الذين أصيبوا بالاكتئاب انخفاضًا في حجم الحُصين واضطرابًا في نشاطه وأداءً معرفيًا أضعف.
الألم المزمن والارتباط بالاكتئاب في تجارب الحيوانات
وأوضحت التجارب على الحيوانات أن الألم المزمن يمر بمراحل تدريجية تبدأ بزيادة الحساسية للألم، ثم ظهور سلوكات تشبه القلق، وأخيرًا أعراض شبيهة بالاكتئاب.
وارتبطت هذه التحولات بتغيرات في بنية ووظائف الحُصين، خصوصًا منطقة "التنتيت غايرس" التي تستمر في إنتاج خلايا عصبية جديدة لدى البالغين.
وفي المراحل الأولى، كانت الخلايا العصبية الجديدة نشطة بشكل ملحوظ، في محاولة من الدماغ للتكيف مع الضغط المستمر.
ومع مرور الوقت، أصبحت الخلايا المناعية في الدماغ "الميكروغليا" مفرطة النشاط، ما أدى إلى تعطيل التواصل بين الخلايا العصبية والمناعية، وشكل نقطة تحول نحو إشارات ضارة.
وعندما قلل الباحثون من نشاط "الميكروغليا" غير الطبيعي في النماذج الحيوانية، تحسنت الأعراض الشبيهة بالاكتئاب بينما ظل الأداء الدماغي مستقرًا.
وتشير هذه النتائج إلى أن استهداف الالتهاب في الحُصين قد يساعد في منع الاكتئاب لدى المصابين بالألم المزمن، خصوصًا إذا بدأ العلاج مبكرًا.
