لغز ضبابية الدماغ.. دراسة تكشف تأثير أعراض ما بعد كورونا على وقود الخلايا
كشف باحثون في المعهد المركزي للصحة العقلية في ألمانيا، عن وجود خلل في "نظام طاقة الدماغ" لدى الأشخاص الذين يعانون من أعراض ما بعد كورونا.
ووفقاً للدراسة التي نشرتها مجلة "Biological Psychiatry"، فإن الشعور بـ"ضبابية الدماغ" وصعوبة التركيز ليس مجرد إرهاق عابر، بل هو نتيجة تغيرات كيميائية ملموسة في طريقة استهلاك خلايا الدماغ للطاقة.
أسباب شعور مرضى الكورونا بالإنهاك الذهني
استخدم الفريق البحثي تقنية متقدمة جداً في الرنين المغناطيسي تسمى "التنظير الطيفي بالرنين المغناطيسي الفوسفوري"، والتي تتيح للعلماء "رؤية" مستويات الطاقة داخل الدماغ الحي دون الحاجة لعمليات جراحية.
وركزت هذه التقنية على قياس مادة "أدينوسين ثلاثي الفوسفات"، التي تُعرف اختصاراً بـ"وقود الخلية"، ومادة "فوسفوكرياتين" التي تعمل كمخزن طاقة احتياطي يمد الدماغ بالوقود فور حاجته إليه.
وشملت الدراسة 27 مريضاً يعانون من أعراض ما بعد كورونا، مقارنة بـ23 شخصاً تعافوا تماماً من العدوى.
وأوضحت البروفيسورة الدكتورة غابرييل إندي، المسؤولة عن وحدة التصوير بالمعهد، أن هذه التقنية مكنتهم من قياس مصادر الطاقة في الدماغ بشكل مباشر، مما كشف عن نقص واضح في إمدادات "الوقود الحيوي" لدى المرضى، الأمر الذي يفسر شعورهم الدائم بالتعب العقلي الشديد وعدم القدرة على بذل أي مجهود ذهني.
تأثر منطقة "مركز التفكير" في الدماغ
أظهرت النتائج أن الخلل يتركز في منطقة تسمى "القشرة الحزامية"، وهي المسؤولة عن تنظيم عمليات التفكير والتركيز.
وأشار الدكتور فولفجانج ويبر فار، قائد المجموعة البحثية، إلى أن البيانات أثبتت وجود انخفاض في نسبة وقود الخلايا (ATP) في هذه المنطقة، وهو ما ارتبط بشكل مباشر بضعف أداء المرضى في الاختبارات الذهنية التي أجريت لهم خلال الدراسة.
وببساطة، فإن الخلايا المسؤولة عن "التفكير السريع" والتركيز في أدمغة المصابين بأعراض ما بعد كورونا لا تجد الطاقة الكافية للقيام بمهامها المعتادة، مما يسبب حالة "بطء التفكير" التي يشتكي منها الكثيرون.
وفي مفاجأة علمية، وجد الباحثون أن نصف المصابين بأعراض ما بعد كورونا في هذه الدراسة يعانون أيضاً من "متلازمة التعب المزمن"، وهي حالة مرضية تسبب إجهاداً شديداً لا يتحسن بالراحة.
وأظهرت الفحوصات أن المجموعتين تعانيان من نفس الخلل في طاقة الدماغ، مما يفتح الباب أمام العلماء لفهم أعمق لعدة أمراض تشترك في نفس الأسباب البيولوجية.
ورغم أن الدراسة لم تحدد حتى الآن السبب القاطع لهذا النقص في الطاقة، سواء كان ناتجاً عن التهابات في الأوعية الدموية أو خلل في "مصانع الطاقة" (الميتوكوندريا) داخل الخلايا، إلا أن الدكتورة كلاوديا شيلينغ أكدت أن هذه النتائج تمثل خطوة كبرى نحو تطوير علاجات مستهدفة تعيد للدماغ توازنه الحيوي وتخلص المرضى من تبعات أعراض ما بعد كورونا.
