إدارة المشاعر: سبيل الرجل إلى التوازن النفسي والأسري
يحاوِل معظم الرجال كبْت مشاعرهم ولا يُعبِّرون عنها، كي لا يبدوا بمظهر الضعف، وفي أحيان أخرى، يكون رد فعل الرجال مبالَغًا فيه على أمورٍ بسيطة، لم تكُن تستدعي رد فعل كهذا.
والرجل لا يعيش بمفرده، بل يعيش مع زوجة وفي مجتمع، فإذا لم يتمكّن من إدارة مشاعره كما ينبغي، اضطربت علاقته بزوجته والآخرين، وإدارة المشاعر لا تعني كبْتها، بل فهمها والتعرف عليها وقبولها، فكيف يمكِن للرجل إدارة مشاعره بطريقةٍ صحية تُحافِظ على نفسه وعلاقاته؟
لماذا يصعب على الرجال التعبير عن المشاعر؟
قد يصعب على الرجال التعبير عن مشاعرهم بسبب طبيعة التنشئة أو عدم معرفتهم بكيفية إدارة المشاعر والتعبير عنها بشكلٍ صحي، وفيما يلي تفصيل بعض الأسباب الكامنة وراء ذلك:
1. الافتقار إلى إدارة المشاعر
يفتقر العديد من الرجال إلى الأدوات اللازمة للتعبير عن مشاعرهم بشكلٍ صحي، فغالبًا ما تخلو تربية الذكور من التعرّف على المشاعر وفهمها وإدارتها، ولذلك يجد الرجال صعوبة في تحديد ما يشعرون به على وجه الدقة، فضلًا عن التعبير عنه.
ونتيجة لذلك قد يلجأ الرجال إلى آليات تكيّف غير صحية في التعبير عن المشاعر، مثل العدوان أو الانسحاب لإدارة مشاعرهم.
2. تأثير التربية والتنشئة
إنّ التربية التي يلقّاها الرجل في صغره، وكذلك من يكون القدوة أمامه له تأثير عميق في تعبيره عن مشاعره، فالآباء مثلًا قد يمثلون نموذجًا للصمود وكبت المشاعر، فيتعلم الأولاد عن غير قصد أن يفعلوا الشيء نفسه.
وعندما لا يرى الأولاد أمثلة لرجال يوازِنون بين القوة والانفتاح العاطفي، فإنّهم يفتقرون إلى التوجيه اللازم لتطوير هذه المهارات بأنفسهم، ويُعزِّز ذلك فكرة أنّ الرجال يجب أن يخفوا عواطفهم بما يتفق مع توقّعات المجتمع من حولهم.
3. الخوف من إظهار الضعف
كذلك الخوف من أن يظهر الرجل ضعيفًا قد يجعله يميل إلى إخفاء مشاعره؛ إذ يخشى العديد من الرجال التعبير عن مشاعرهم، لئلّا يظهروا بمظهر الضعف أو انعدام الكفاءة أو قلّة الرجولة.
وهذا مرتبِط أيضًا بالخوف من إطلاق الأحكام عليه من قِبل الآخرين، فقد يخشى التعرّض للسخرية أو النبذ أو النظر إليه أنّه أقل رجولة، وهذا التخوّف قد يكون واضحًا جدًا في مكان العمل؛ إذ غالبًا ما يُعدّ الحفاظ على قناع الثقة والهدوء أمرًا ضروريًا للنجاح.
اقرأ أيضًا:حبّ مستمر: تطوّر طرق الرجل في إظهار مشاعره لزوجته عبر السنوات
كيف تؤثّر صعوبة إدارة المشاعر في العلاقة الزوجية؟
بالتأكيد تضطرب العلاقة الزوجية مع صعوبة إدارة الرجل لمشاعره، وقد يتمثّل ذلك في العديد من الصور، مثل:
1. ردود الأفعال المُبالَغ فيها
قد يبالِغ الرجل في ردّ فعله على أمور بسيطة، فمثلًا قد ينزعج بشدّة بسبب وضع مفاتيحه في غير مكانها، ما يؤدي إلى غضب عارم لا يتناسب مع الموقف البسيط.
وردّ الفعل ذلك يمكن أن يربِك الزوجة، فلا تستطيع التواصل أو التفاهم مع الزوج كما يجب؛ خشية رد فعله غير المتوقَّع والمُبالَغ فيه في كثيرٍ من الأحيان.
2. صعوبة العودة إلى حالة الاستقرار العاطفي
كذلك من علامات عدم إدارة المشاعر كما يجب صعوبة العودة إلى حالة الاستقرار العاطفي بعد الخلافات أو الأحداث المزعِجة، فقد يبدو الرجل كأنّه غير قادر على ترك الأمور تسير أو أن يهدأ، حتى بعد حدوث خلافٍ بسيط.
بل قد يتمسّك بإحباطه أو حُزنه أو غضبه لفترةٍ أطول بكثيرٍ من المتوقّع، ما يجعل من الصعب المضيّ قدمًا في يومه.
وهذا ليس سلوك الباحث عن الاهتمام، بل غالبًا ما يكون علامة على الافتقار إلى إدارة المشاعر، بما ينعكس سلبًا على علاقته بزوجته وبمن حوله.
3. التفكير بطريقة الكلّ أو لا شيء
التفكير بهذه الطريقة من علامات صعوبة إدارة المشاعر، خصوصًا في العلاقات، وهو يتضمّن رؤية الأشخاص أو المواقف على أنّها كلّها جيّدة أو سيئة، دون وجود حلٍ وسط.
مثلًا قد يُضفِي الرجل على غيره المثالية؛ معتقدًا أنّه مثالي ومُذهِل، ثُمّ يتحوّل بسُرعة إلى التقليل من قِيمته؛ مُعتقدًا أنّه لا قيمة له أو غير جدير بالثقة، غالبًا بسبب خلاف بسيط.
وإذا كان هذا يحدث مع الزوجة مثلًا، فقد تضطرب العلاقة ويشعر كلا الطرفين بالارتباك والأذى، ما يخلق توترًا عاطفيًا وسوء فهم مستمرّ.
4. المشاعر المُزمنة بالفراغ أو الوحدة
يمكن أن تستمرّ هذه المشاعر لفترة طويلة، غالبًا دون سبب واضح، ما يدفع الرجل إلى الشعور بالانفصال عن نفسه وعن الآخرين، كما يمكِن أن يؤدِّي هذا الفراغ العاطفي إلى سلوكات اندفاعية أو تمسّك مفرِط بالآخرين، في محاولة لملء هذا الفراغ من خلال البحث عن التقدير الخارجي أو الاهتمام. فمثلًا قد يتّخذ الرجل قرارات مفاجئة أو يضغط على الآخرين للحصول على طمأنة مستمرّة له.
اقرأ أيضًا: الحب في الأفعال والكلمات: أسرار تعبير الرّجل عن مشاعره لزوجته بذكاء
الفرق بين كبت المشاعر وإدارتها
إدارة المشاعر لا تعني بالضرورة كبتها، بل إنّ كبْت المشاعر يعني عدم الاعتراف بها أو قبولها أو معالجتها، وذلك بصورة متعمّدة وبوعيٍ تام.
وقد يحدث كبْت المشاعر عندما لا يكون لدى الشخص آليات تكيّف صحية كافية لمشاعره؛ إذ يعتاد إنكار ما يشعر به ويعتقد أنّ تلك المشاعر ستختفي ببساطة إذا استمرّ في كبْتها.
أمّا إدارة المشاعر فيعني التعامل معها بشكلٍ صحي من خلال التعرّف عليها وفهمها واستخدامها لصالحك والاستجابة لمحِيطك بوعيٍ وتوازن.
كيفية إدارة المشاعر بطريقةٍ صحية
لم يفُت الأوان بعد، بل لا يزال من الممكن التحكّم في مشاعرك وتجنّب ردود الأفعال السلبية أو المبالَغ فيها، وفيما يلي بعض النصائح والتوصيات من قِبل "Mental Health Foundation" للمساعدة على إدارة المشاعر بطريقةٍ صحية:
1. تعرّف على مشاعرك
إنّ ملاحظة مشاعرك وما يجول بخاطرك في أثناء شعورك بشيءٍ ما، هي الخطوة الأولى لفهم مشاعرك، ومن ثمّ تستطيع اختيار الطريقة التي ترِيد أن تتفاعل بها.
ومن الأمور التي تساعدك على ذلك كتابة ما تشعر به في ورقة أو في ملاحظة على هاتفك مثلًا.
2. سمِّ مشاعرك
بعد ذلك يجب أن تُسمِّي ما تشعر به بدقة، الأمر الذي يساعدك على إدارة مشاعرك بطريقتَين:
- التحدّث عن مشاعرك بصوتٍ عال يدفع عقلك تلقائيًا إلى إعادة تقييم الموقف الذي أثار تلك المشاعر، وهي عملية تُعرَف "بإعادة التقييم المعرفي"، والتي يمكن أن تجعل الموقف يبدو أقل إزعاجًا لك.
- التعبير عن مشاعرك هو بمثابة اعتراف بوجودها، ما يساعد على قبولها، وتذكيرك بأنّ المشاعر ليست دائمة، وإنّما هي حالة مؤقّتة يمكن ملاحظتها ثُمّ تركها ترحل.
وقد تكون تسمية المشاعر أمرًا بسيطًا، مثل قول: "أشعر بالتعب اليوم، ولكنّني متحمس قليلًا لهذه الأمسية". كما يمكنك أن تحدِّد هدفًا يتمثّل في التعبير عن مشاعرك لزوجتك أو أصدقائك أو أفراد عائلتك مرة واحدة يوميًا.
3. حدِّد مُحفِّزات المشاعر
عندما تكون في موقفٍ يثِير مشاعر قوية، يتفاعل جسمك تلقائيًا، ويشِير رد الفعل الجسدي ذلك إلى أنّ شخصًا ما قد تجاوز حدودك أو أنّ فِعله يُذكِّرك بتجربة سابقة مُؤلِمة.
إحدى طرق تحديد المُحفِّزات الخاصة بك هي التركيز على جسمك، وفيما يلي بعض العلامات التي تدلّ على الانفعال العاطفي:
- التعرق.
- معدّل ضربات القلب السريع.
- نوبات القلق.
- صعوبة في التنفّس.
- توتر في العضلات أو الفكّ أو القبضتين.
وعندما تلاحظ رد الفعل الجسدي هذا، قد يكون من المفيد أن تسأل نفسك:
- ما الذي حدث لتحفيز كلّ ذلك؟
- هل أثار الحدث المُحفِّز أي أفكار أو ذكريات؟
- هل يُذكِّرني هذا الشعور بشيءٍ من الماضي؟
اقرأ أيضًا: الإهمال العاطفي.. استراتيجيات التغلب على تجاهل زوجتك لمشاعرك
4. تعاطَف مع نفسك
التعاطُف مع نفسك يُعِينك على فهم مشاعرك وإدارتها، وزيادة رضاك عن حياتك، كما يُحسِّن تواصلك مع الآخرين. ويمكنك أن تمنح نفسك التعاطف من خلال:
- معاملة نفسك كما لو كُنت صديقًا، والعناية بجسمك من خلال ممارسة الرياضة أو تناول الأطعمة الصحية أو الراحة.
- التعامل مع الخطأ بشكلٍ صحي، فجميعنا نرتكب الأخطاء ونعاني الألم ونواجه العقبات وهذا جزء طبيعي من كونك إنسانًا، وقد يساعدك ذلك على الشعور بقدرٍ أقل من الوحدة والخجل من صراعاتك.
5. تقبّل مشاعرك
إذا لم تشعُر بالأمان مع إظهار مشاعر الغضب أو الحُزن عندما كُنت طفلًا، فقد تتبع هذه المشاعر بسرعة أفكار سلبية مثل:
- "أنا بحاجة إلى أن أكون أقوى".
- "أنا ضعيف لأنني أشعر بهذا".
- "إنّها ليست مشكلة كبيرة".
عند محاولة فهم مشاعرك والاستجابة لها، من الضروري القيام بذلك دون انتقادٍ أو إطلاق أحكامٍ على نفسك، ودون محاولة تجنّب هذه المشاعر أو رفضها.
وعندما تقبل مشاعرك وتعترف بها، قد تُصبِح المشاعر أقل إزعاجًا، ما يسهّل إدارتها.
ويمكنك التدرّب على قبول مشاعرك من خلال تخيّل أنّها أوراق تجري على مجرى مائي. فلا يمكنك منع الأوراق من السقوط، ولكن يمكنك مشاهدتها وهي تتدفق باتجاه مجرى النهر، حتى لا تتمكّن في النهاية من رؤيتها على الإطلاق. فالمشاعر مؤقّتة مهما كانت صعبة عليك.
