القهوة تحت المجهر: هل ترفع نشاطك أم تهز توازن هرموناتك؟
لا شيء يضاهي متعة فنجان القهوة صباحًا مع بزوغ الشمس، حين يرتفع إفراز الهرمونات المسؤولة عن اليقظة والنشاط، مثل الكورتيزول.
لكن خلف هذه المتعة قد يختبئ تأثير واضح على الكورتيزول، الذي إذا ارتفع عن مستواه الطبيعي، قد يزيد من القلق والتوتر بدل تعزيز اليقظة فقط.
والكورتيزول ليس الوحيد المتأثر بالكافيين، فالعديد من هرمونات الجسم الأخرى تتفاعل مع فنجان القهوة، وعلى رأسها التستوستيرون هرمون الذكورة، والإنسولين المسؤول عن ضبط سكر الدم.
فكيف يؤثر فنجان القهوة على توازن هرموناتك؟ وما الطريقة الأمثل لتناول القهوة دون الإخلال بهذا التوازن الحيوي؟
القهوة وهرمون الكورتيزول
إنّ تناول القهوة، حتى بكميات متواضعة، توفّر نحو 80 - 120 ملليجرام من الكافيين، يمكن أن يزيد من مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول) بنسبة تصل إلى 50% فوق خط الأساس، وهذه الزيادة المؤقتة تكون أكثر وضوحصًا لدى الأشخاص الذين لم يعتادوا تناول القهوة بانتظام، وفقًا لمراجعة للدراسات، نُشرت عام 2025 في دورية "Endocrine Reviews".
ومع ذلك، فإنّ هذه الزيادة المؤقتة في مستوى الكورتيزول لا تستدعي أي قلق، لأنّ مستويات الكورتيزول ترتفع وتنخفض بصورة طبيعية طوال اليوم. أمّا الزيادة الناتجة عن القهوة الصباحية، فهي مؤقتة.
ولكن إن كُنت تشعر بالقلق بشأن مستويات الكورتيزول لديك، فإنّ استهلاك كمية أقل من الكافيين (سواء بتقليل كمية القهوة أو تفضيل القهوة منزوعة الكافيين)، يمكن أن يؤدِّي إلى ارتفاعٍ أقل في مستويات هرمون الكورتيزول.
تأثير القهوة في هرمون الإنسولين
كذلك يمكن للقهوة أن تزيد مستويات الإنسولين موقتًا، وهو الهرمون الذي يقلّل مستويات السكر في الدم ويسمح بدخوله إلى الخلايا، وهذا التأثير يكون أكثر وضوحًا بعد تناول القهوة مباشرةً.
وحسب دراسة عام 2018 في دورية "Nutrition, Metabolism & Cardiovascular Diseases"، فإنّ تناول كميات معتدلة من القهوة على المدى الطويل يدعم الصحة الأيضية العامة للعديد من الأشخاص.
وإنّ استجابة الجسم للإنسولين تعتمد على الأيض الفريد لكل جسم، ومستويات التوتر، وطريقة تحضير القهوة (القهوة السوداء أم التي تحتوي على سكر وكريمة).
كذلك قد يكون للعوامل الوراثية دور في كيفية تعامُل الجسم مع الكافيين عند دخوله إليه، مما يؤثِّر فيما إذا كانت القهوة تساعد أو تعيق التحكّم في نسبة السكر في الدم.
القهوة وحساسية الإنسولين
صحيح أنّ القهوة قد تزيد مستويات هرمون الإنسولين موقتًا، ولكنّها أيضًا قد تزيد نسبة السكر في الدم لدى المصابين بمرض السكري من النوع الثاني.
فالكالفيين قد يقلّل حساسية الإنسولين، وهذا يعني أنّ الخلايا لم تعُد تتفاعل مع هرمون الإنسولين بنفس القدر الذي كانت تتفاعل به في السابق، فلا تمتصّ كمية كبيرة من السكر من الدم بعد تناول الطعام والشراب، فيُنتِج الجسم مزيدًا من الإنسولين لمحاولة التعامل مع السكر المتراكم في الدم.
اقرأ أيضًا:بين القهوة والماتشا: أيهما يُمهّد طريقك إلى الرشاقة؟
رغم ذلك فإنّ القهوة غنية بمضادات الأكسدة، التي تقلّل احتمالات الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.
ولكن في حالة الإصابة بالفعل بمرض السكري من النوع الثاني، فإنّ كافيين القهوة قد يجعل التحكّم في السكر في الدم أصعب، لذلك قد يُنصَح مرضى السكري بتناول القهوة منزوعة الكافيين، فغالبًا لن تحمل نفس التأثير في نسبة السكر في الدم أو الإنسولين، حسب "Webmd".
القهوة والتستوستيرون عند الرجال
ربطت بعض الدراسات بين الكافيين والتستوستيرون، إذ تختلف العلاقة بينهما اعتمادًا على الجرعة وتوقيت تناول القهوة، والطبيعة الفسيولوجية لكل شخص.
وقد دلّت دراسات قصيرة الأمد على أنّ الكافيين قد يعزّز مستويات هرمون التستوستيرون موقتًا، خاصةً في أثناء التمرين أو بعده.
فمثلا في دراسةٍ نُشِرت عام 2008 في دورية "International Journal of Sport Nutrition & Exercise Metabolism"، تبيّن أنّ لاعبي الرجبي الذين تناولوا الكافيين قبل تدريب المقاومة، شهدوا زيادة في مستويات هرمون التستوستيرون بنسبة 15% على الأقل.
ومع ذلك، تشير دراسات أخرى إلى أنّ الاستهلاك المُزمِن أو المُفرِط للكافيين قد يكون له تأثير معاكس، إذ يمكن للجرعات العالية المستمرة أن ترفع مستوى الكورتيزول، وتزيد القلق، وتتداخل مع النوم، وكلّها عوامل معروفة بأنّها تقلّل إنتاج هرمون التستوستيرون على المدى الطويل.
لذلك فإنّ تناول كمية معتدلة من القهوة يوميًا لا يؤثّر بدرجةٍ كبيرة في مستويات هرمون التستوستيرون عند الرجال، ولكن قد يُسهِم الإفراط في تناول القهوة بصورة غير مباشرة في انخفاض هرمون التستوستيرون.
القهوة وهرمون الاستروجين عند السيدات
كذلك يمكن للقهوة أن تؤثّر في التمثيل الغذائي لهرمون الاستروجين في الجسم، فالسيدات اللاتي يهيمن لديهنّ هرمون الإستروجين، مقارنةً بالبروجستيرون، قد يستفدِن من تأثير القهوة بصورةٍ أكبر.
اقرأ أيضًا:كيف تؤثر القهوة على فعالية علاج الاكتئاب؟
فقد أشارت دراسة عام 2015 في دورية "Cancer Epidemiology, Biomarkers & Prevention" إلى أنّ القهوة يمكن أن تغيّر طريقة تكسير هرمون الاستروجين، كما قد تقلّل تأثير الأعراض أو الحالات الصحيّة الحسّاسة للاستروجين.
ويُعدّ دعم توازن الهرمونات بدلاً من خفض هرمون الاستروجين تمامًا، أمرًا ضروريًا للسيدات اللاتي يهيمن لديهنّ هرمون الإستروجين، وقد توفّر القهوة عند تناولها باعتدال فائدة فريدة بالنسبة للتمثيل الغذائي لهرمون الإستروجين والتوازن الهرموني.
كيف تستفيد من القهوة في الحفاظ على تناغم هرمونات الجسم؟
رغم التأثيرات المتباينة للقهوة في مختلف هرمونات الجسم، فإنّه يمكِن تناول القهوة مع الحفاظ على التوازن الهرموني، وفيما يلي بعض النصائح التي تساعدك على تحقيق ذلك:
1. تأخير موعد القهوة الصباحية
يفرِز جسمك بشكل طبيعي معظم هرمون الكورتيزول بعد وقتٍ قصير من الاستيقاظ من النوم، لذلك فقد يؤدي شرب القهوة على الفور إلى تراكُم الكافيين فوق ذروة الكورتيزول الطبيعية، مما يزيد التوتر أو القلق أو انهيار طاقة الجسم المفاجئ بعد الظهر.
لذا فكّر في الانتظار لمدة ساعة قبل احتساء فنجان قهوتك في الصباح، ولا تتناول القهوة فور الاستيقاظ مباشرةً.
2. كمية القهوة والتوقيت المثالي
لا يجب تناول أكثر من 400 مجم يوميًا من الكافيين (4 أكواب من القهوة تقريبًا)، لأنّ الزيادة عن ذلك والإسراف في تناوله قد يخلّ بتوازن الهرمونات في الجسم.
كذلك يجب تجنّب شرب القهوة في وقت متأخر من اليوم، لأنّها قد تقلّل الميلاتونين، بما يُسهِم في اضطرابات النوم وأيضًا اختلال التوازن الهرموني.
3. بدائل القهوة
أيضًا يمكنك التفكير في بدائل أقل في محتوى الكافيين من القهوة إذا كان الحفاظ على توازن الهرمونات وتناغمها أولوية بالنسبة لك، فهناك بدائل توفّر الكافيين وتدعم التوازن الهرموني، مثل شاي الماتشا، والشاي الأسود، وقهوة جذور الهندباء، قهوة المشروم، أو ربّما أي مشروب آخر يحتوي على الكافيين مُفضّل بالنسبة لك.
