الذكاء الاصطناعي على مكتب القيادة: كيف يستخدمه أهم رؤساء الشركات يوميًا؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية ناشئة تبحث عن مكان لها في المستقبل، بل أصبح مكوّنًا محوريًا يعاد عبره تشكيل أساليب القيادة داخل كبرى الشركات التكنولوجية.
ومع اتساع دوره في بيئات العمل الحديثة، اتجه الرؤساء التنفيذيون إلى استخدامه بصورة شخصية، مستعينين به في إدارة أعمالهم اليومية، ودعم عملية اتخاذ القرار، وتنظيم الوقت، والتعامل مع الكم المتزايد من المعلومات الذي يفرضه الإيقاع المتسارع للصناعة.
كيف يستخدم رواد الأعمال الذكاء الاصطناعي؟
في هذا التقرير، نقترب من التجارب الشخصية لعدد من القادة الذين أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من أدواتهم اليومية، ليتحوّل من ابتكار تقني إلى عنصر يعيد تشكيل منهج القيادة داخل مؤسساتهم.
رايان رولانسكي - لينكد إن
دفعت الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي منصة LinkedIn إلى إعادة النظر في الطريقة التي تقدّم بها خدماتها المهنية، خاصة مع تزايد اعتماد الشركات على التقنيات الذكية في اكتشاف المواهب وتحسين عمليات التوظيف.
ومع هذا التحول، بدأت المنصة في بناء منظومة أكثر تطورًا تعتمد على الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصرًا أساسيًا في تجربة المستخدم.
من بين أبرز الخطوات التي اتخذتها LinkedIn تطوير أنظمة التدريب المهني، لتصبح قادرة على تحليل المهارات والاحتياجات المهنية لكل مستخدم وتقديم إرشادات مخصّصة بدقة أكبر.
التحديث لم يكن مجرد إضافة تقنية، بل جزءًا من تحوّل استراتيجي أوسع تتبناه الشركة لدمج الذكاء الاصطناعي في خدماتها الأساسية.
هذه الرؤية كانت محور حديث الرئيس التنفيذي للمنصة، رايان رولانسكي، خلال جلسة حوارية عُقدت في سان فرانسيسكو في أكتوبر 2025، حيث ناقش كيف غيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة المهام الإدارية التي يقوم بها يوميًا.
وصف رولانسكي هذه التقنيات بأنها عقل إضافي يساعده على التعامل مع الملفات الحساسة التي تتطلب تركيزًا عاليًا ودقة كبيرة.
ومع انتقال الحديث إلى التجربة الشخصية، أوضح رولانسكي أنه يعتمد على الذكاء الاصطناعي بصورة يومية في صياغة الرسائل المرسلة لكبار التنفيذيين، ومن بينهم قيادات مايكروسوفت.
لم يكتفِ رولانسكي بالإشارة إلى أهمية الأداة، بل أوضح آلية استخدامها، إذ لا يترك للذكاء الاصطناعي مهمة كتابة الرسالة كاملة، بل يعتمد عليه كأداة توجيهية تُسهم في بناء النص خطوة بخطوة.
هذا الأسلوب برأيه يتفوق على الأشكال القديمة التي كانت تتيح كتابة رد كامل بضغطة زر، لأنها كانت تمنح الأداة مجالا لاتخاذ قرارات حساسة قد لا تعبّر عن صاحب الرسالة بالشكل الأمثل.
ساتيا ناديلا - مايكروسوفت
يشكّل الذكاء الاصطناعي جزءًا محوريًا من الروتين اليومي للرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، ساتيا ناديلا، الذي يرى في هذه التقنيات وسيلة لتعزيز قدرته على إدارة العمل واتخاذ القرارات بكفاءة أعلى.
بمرور الوقت، تحوّل الذكاء الاصطناعي بالنسبة لناديلا من أداة مساعدة إلى عنصر أساسي يرافقه في معظم مهامه المهنية والشخصية.
تتجاوز علاقة ساتيا ناديلا مع تقنيات الذكاء الاصطناعي حدود الاستخدام التقليدي، حتى المحتوى الذي يستهلكه يوميًا، مثل حلقات البودكاست، يتعامل معه بطريقة مختلفة.
عوضًا عن الاكتفاء بالاستماع أثناء التنقل، يفضّل ناديلا رفع نصوص الحلقات إلى هاتفه ليخوض حوارًا تفاعليًا مع المساعد الذكي حول الأفكار المطروحة. بهذه الطريقة يتحول المحتوى من مجرد استهلاك سلبي إلى نقاش معرفي يعمّق فهمه ويوفّر عليه وقتًا كبيرًا.
عند وصوله إلى مقر الشركة، ينتقل استخدامه للذكاء الاصطناعي إلى نطاق أكثر ارتباطًا بإدارة العمل. إذ يعتمد على الأدوات الذكية لتوليد ملخصات مركّزة لبريده في Outlook ورسائل Teams، ما يمنحه صورة واضحة عن أولويات يومه من دون الحاجة للغوص في التفاصيل المتراكمة.
ولا يتوقف الأمر عند الرسائل والمهام اليومية؛ فاعتماد ناديلا على الذكاء الاصطناعي يتعمّق أكثر عندما يتعلق الأمر بالتحضير للاجتماعات والملفات الاستراتيجية. لذا، يستعين بمجموعة من الوكلاء المخصّصين الذين يتولّون جمع البيانات وتحليلها وصياغة النقاط الجوهرية للنقاش.
هذا الأسلوب يمنحه القدرة على التركيز على جوهر القرارات بدلاً من استهلاك الوقت في إعداد المعلومات التفصيلية، ليصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا فعليًا في صنع القرار لا مجرد أداة مساعدة.
تيم كوك - أبل
تُعرف أبل بوصفها شركة تتعامل بحذر مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أنّ استخدام رئيسها التنفيذي، تيم كوك، لهذه التقنيات بشكل يومي يكشف عن تغيّر جوهري في فلسفة الشركة يبدأ من أعلى مستويات الإدارة.
فقد أصبح الذكاء الاصطناعي ممثلا بمنظومة Apple Intelligence جزءًا أساسيًا من روتين كوك، خصوصًا في إنجاز المهام المرهِقة مثل تلخيص الرسائل البريدية الطويلة، ما يتيح له توجيه تركيزه نحو القرارات الأكثر استراتيجية.
ويشير كوك في تصريحاته إلى أن اعتماده على الذكاء الاصطناعي لا يأتي كتجربة تقنية عابرة، بل كأداة حقيقية تعزز إنتاجيته وتساعده على تجاوز الأعمال الروتينية.
ذلك الاستخدام العملي من قِبل القيادة شكّل، على ما يبدو، نقطة تحول داخل أبل نفسها. فقبل إطلاق Apple Intelligence بعام، أعرب كوك صراحةً عن حماسه للتطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي وإيمانه بأن لدى أبل فرصًا فريدة للاستفادة من هذه التقنيات.
بذلك، يعكس كوك من خلال تجربته اليومية مسارًا جديدًا داخل الشركة، حيث تنتقل أبل تدريجيًا من نهجها المحافظ إلى تبنٍّ أكثر جرأة وواقعية للذكاء الاصطناعي تبنٍّ يبدأ من مكتب الرئيس التنفيذي قبل أن يصل إلى منتجات ملايين المستخدمين.
اقرأ أيضًا: عصر جديد للفخامة: كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي صياغة تجربة العملاء
جينسن هوانغ - إنفيديا
على الرغم من أن جينسن هوانغ يقود واحدة من أكبر الشركات المساهمة في تطوير الذكاء الاصطناعي عالميًا، فإن أكثر ما يميّز تجربته مع هذه التقنيات هو اعتماده عليها في تطوير معرفته الشخصية بشكل يومي.
هوانغ، الذي تقف خلفه إنفيديا بوصفها قوة محركة لثورة الحوسبة الحديثة، يرى في الذكاء الاصطناعي أداة تعليمية قبل أن يكون مجرد منتج أو قطاع أعمال.
في ظهوره الأخير بمؤتمر معهد ميلكن العالمي، لم يتحدث هوانغ عن أداء الشركة أو خطط السوق كما يفعل المديرون عادة. بدلا من ذلك، روى قصة بسيطة: كيف يلجأ للذكاء الاصطناعي كلما واجه مفهومًا جديدًا، ليطلب منه شرحه كما لو كان طفلًا في الثانية عشرة.
هذه البداية المتواضعة تتحول تدريجيًا إلى نقاشات أعمق، وصولا إلى مستويات تقترب من الدراسات العليا. الهدف هنا ليس مجرد الفهم بل بناء معرفة ممنهجة خطوة بخطوة.
السؤال الذي يطرحه هوانغ ضمنيًا هو: لماذا تحتاج إلى سنوات لإتقان لغة برمجة مثل ++C بينما تستطيع الآن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي بلغتك العادية؟ بالنسبة له، هذه ليست مقارنة تقنية بقدر ما هي مثال على قوة الوصول إلى المعرفة في لحظتها. الذكاء الاصطناعي يختصر المسافة بين الخبير والمبتدئ، ويعيد تعريف الطريقة التي نتعلم بها.
ولأن التكنولوجيا لا تُقاس بالكلام النظري، ينتقل هوانغ إلى مثال أكثر حساسية، وهو اكتشاف الأدوية. إذ يوضح كيف يمنحه الذكاء الاصطناعي إطارًا أوليًا لفهم أي موضوع معقّد عن الدواء، قبل أن يفتح أمامه سلسلة من الأسئلة والطبقات المعرفية التي تدفعه للغوص أعمق.
التجربة بالنسبة له ليست مجرد أسئلة وأجوبة، بل حوار حقيقي يقوده نحو معرفة لم يكن ليصل إليها بنفس السرعة.
سام آلتمان - Open Ai
نأتي الآن إلى أحد أبرز الوجوه التي غيّرت شكل علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي، الرجل الذي يقف خلف النقلة الأوسع في استخدام البشر لهذه التقنية: سام ألتمان.
رغم انشغاله بقيادة شركة تُعد في قلب الثورة التكنولوجية الحالية، يعتمد ألتمان على أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة شديدة البساطة، مستخدمًا إياها كوسيلة يومية لتنظيم أفكاره والتعامل مع سيل المهام المتراكمة.
تحدّث ألتمان بصراحة عن أسلوبه المباشر في استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أنه يلجأ إليه لمعالجة البريد الإلكتروني وتلخيص المستندات الطويلة، وهي مهام تبدو عادية لكنها تمنحه وقتًا ثمينًا يمكن توجيهه إلى القرارات الاستراتيجية داخل OpenAI.
يصف ألتمان هذه المساعدة بأنها عنصر فعّال في تخفيف العبء المعرفي اليومي، لا سيما مع تدفق كمّ كبير من المعلومات التي تتطلب فرزًا مستمرًا.
ويمتد اعتماده على الذكاء الاصطناعي خارج إطار العمل ليصل إلى حياته الشخصية، خصوصًا بعد استقباله مولوده الأول. ففي مقابلة عبر بودكاست OpenAI، أوضح ألتمان أن ChatGPT كان جزءًا أساسيًا من تجربته الأولى في الأبوة، إذ استخدمه لفهم مراحل نمو الأطفال والتعامل مع الأسئلة المتكررة التي ترافق هذه المرحلة.
من خلال هذا التفاعل اليومي بين المهنة والحياة الخاصة يقدم ألتمان نموذجًا مختلفًا للرئيس التنفيذي الذي لا يكتفي بتطوير التقنية، بل يعيش معها كأداة ملازمة تساعده على التفكير واتخاذ القرار وإدارة مسؤولياته على نحو أكثر مرونة.
