هل الأزمات تصنع رجالًا أقوى أم أكثر قلقًا؟
ثمة لحظات في حياة الرجل تجعل الأرض تبدو غير ثابتة تحت قدميه؛ لحظات يتشابك فيها الغموض السياسي مع الضغوط الاقتصادية، وتتلاطم فيها أخبار المنطقة مع هواجس الأسرة ومسؤوليات العمل. في هذه اللحظات خصوصًا، يتردد سؤال بإلحاح: هل تجعلنا الأزمات أقوى حقًا، أم أنها تُثقل كاهل العقل بما يفوق طاقته الاحتمالية؟
الإجابة ليست بسيطة، ولن تكون كذلك، لكنها موجودة وتستند إلى العلم. وكما يقول د. ريتشارد تيدسكي، عالم النفس وأحد مطوِّري مفهوم النمو ما بعد الصدمة: "الشدة لا تبني الشخصية بالضرورة بل تكشف عنها، وتُتيح لها فرصة إعادة التشكّل".
الأزمة بوصفها محطة فارقة
يُصنِّف علم النفس الأزمات ضمن ما يُعرف بـ"الأحداث الضاغطة الحادة"، وهي مواقف تستنفر الجهاز العصبي اللاإرادي وتُفرز الكورتيزول "هرمون التوتر" بصورة مكثفة. لكن ما يحدد مصير الإنسان بعد الأزمة ليس الأزمة ذاتها، بل طريقة تعامله معها.
تُشير دراسة نُشرت في مجلة Psychological Science إلى أن نحو 35% من الأفراد الذين مروا بأحداث بالغة الصعوبة أفادوا بما يُسمى "نمو ما بعد الصدمة" (Post-Traumatic Growth)، أي حدوث تطور ملحوظ في القدرة على مواجهة الحياة، وعمق العلاقات الإنسانية، والوضوح في الأولويات. في المقابل، يعاني نحو 20% من هؤلاء أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، في حين يقع الباقون في منطقة رمادية بين الاثنين.
الرجل والقلق: الأرقام التي لا تكذب
تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية أن اضطرابات القلق تُصيب نحو 284 مليون شخص حول العالم، وأن الرجال يُشكّلون ما يزيد على 40% من هذا الرقم رغم أنهم يطلبون المساعدة بمعدلات أقل بكثير مقارنةً بالنساء. ويرى الباحثون أن هذا الفارق مرده إلى ما يُسمى "قناع الصلابة" الذي يرتديه كثير من الرجال دفاعًا عن صورتهم الاجتماعية.
أما على مستوى المنطقة، فتُظهر دراسة أجرتها جامعة الملك سعود عام 2022 أن مستويات القلق لدى الرجال في منطقة الخليج ترتفع بشكل لافت في أوقات الاضطرابات الإقليمية، مع ميل واضح نحو تجاهل الأعراض أو ترجمتها إلى سلوكيات بديلة كالعمل المفرط أو العزلة الاجتماعية.
حين يتحول الضغط إلى وقود
لا تُعاد كتابة الحياة كلها في الأزمات، لكن تُكتَب فيها فصول مفصلية. وما تُثبته الأبحاث أن العامل الحاسم في استثمار الضغط هو ما يُسميه علماء النفس "الإحساس بالإمكانية" أي اعتقاد الشخص بأن لديه قدرة على التأثير في مجريات حياته، ولو بشكل جزئي.
كشفت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا على مدى 10 سنوات أن الرجال الذين طوّروا ما يُعرف بـ"الصمود النفسي المرن" (Resilience) في مرحلة الأزمة، أظهروا مستويات أعلى من الرضا الوظيفي والاجتماعي في السنوات التالية، فضلًا عن انخفاض ملحوظ في معدلات الإصابة بالاكتئاب. والأهم: هؤلاء لم يكونوا الأكثر قوةً في بداية الأزمة، بل الأكثر وعيًا بحالتهم النفسية.
ما الفرق بين الرجل الذي يخرج أقوى والرجل الذي يخرج أكثر قلقًا؟
رصد الباحثون في مجال علم النفس الإيجابي جملةً من السمات التي تميز بين استجابتين متباينتين للأزمة نفسها:
أولًا: الذين يخرجون أقوى يميلون إلى تفسير الأحداث تفسيرًا سياقيًا لا شخصيًا، يحافظون على روتين يومي ولو بسيطًا، ويتقبّلون المساعدة دون أن يرَوا فيها ضعفًا، ويمنحون أنفسهم إذنًا صريحًا بالشعور بالقلق دون الانجراف خلفه.
ثانيًا: الذين يخرجون أكثر قلقًا غالبًا ما يتبنّون تفسيرًا كارثيًا للأحداث، يعزلون أنفسهم، يستغرقون في التحليل المفرط للمواقف الخارجة عن سيطرتهم، ويستبدلون الفعل بالمراقبة القلقة المستمرة.
أدوات الرجل العملية في مواجهة الضغط
بعيدًا عن الشعارات، تُرسي الدراسات العلمية أدوات حقيقية يمكن للرجل تبنّيها لمواجهة الضغوط:
1- تحديد دائرة التأثير: تقنية مأخوذة من فلسفة الرواقيين "مدرسة فلسفية يونانية" وطوّرها الكاتب والمؤلف الأمريكي ستيفن كوفي لاحقًا في كتابه "العادات السبع". الفكرة: ركّز طاقتك حصرًا على ما تملك فيه خيارًا. الأخبار والتعليقات والتوقعات خارج هذه الدائرة، حدِّد وقتًا محددًا لمتابعتها ولا تتركها تملأ يومك.
2- بروتوكول النوم: وفقًا للدكتور ماثيو ووكر "أستاذ علوم الأعصاب وعلم النفس" في كتابه "لماذا ننام"، يرتبط الحرمان من النوم ارتباطًا مباشرًا بارتفاع مستويات القلق بنسبة تصل إلى 30%. سبع إلى ثماني ساعات ليست رفاهية بل هي البنية التحتية للصحة النفسية.
3- التواصل الانتقائي: الحديث مع شخص موثوق لا لأجل الحل، بل لأجل الإفراج عن الضغط، يُقلّص النشاط المفرط في اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهو ما يُسميه علماء الأعصاب "وضع الإنذار". الصمت في وجه الضغط يُطيل مدة الأزمة النفسية.
4- الحركة البدنية: تُثبت الأبحاث المنشورة في مجلة The Lancet Psychiatry أن ممارسة الرياضة بانتظام تُخفّض أعراض القلق بفاعلية مماثلة للعلاج الدوائي في الحالات الخفيفة إلى المتوسطة، مع آثار جانبية صفرية.
الخلاصة أن الأزمات لا تصنع الرجال القادة ولا تدمر المتوازنين تلقائيًا، هي ببساطة تضخيم لما كان موجودًا أصلًا. الرجل الذي يدخل الأزمة بأدوات وعي ذاتي ومرونة نفسية يخرج منها أكثر عمقًا. أما من يدخلها مستنزفًا ومعزولًا، فهو يُضاعف استنزافه. ولهذا، الاستثمار في صحتك النفسية قبل الأزمة وخلالها وبعدها ليس ترفًا، بل هو الاستراتيجية الوحيدة العاقلة.
في نهاية المطاف، القوة الحقيقية لا تعني غياب القلق بل تعني امتلاك الأدوات للتعامل معه بحكمة.
