كيف غير الذكاء الاصطناعي عالم الاندماج والاستحواذ؟
في عالم الأعمال سريع التحول، بات الذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في صفقات الاندماج والإستحواذ، ليس كأداة تحليلية فحسب، بل كشريك إستراتيجي في كل مراحل الصفقة.
تقليدياً، كانت كل صفقة تتطلب أسابيع من التحليل ومراجعة آلاف المستندات، وكان الاعتماد الأكبر على الجهود البشرية.
أما اليوم فتغير المشهد بشكل كلي، فأدوات الذكاء حولت عمليات الاندماج والاستحواذ من مسار مكثف وتفاعلي إلى آخر استباقي مدفوع بالبيانات من خلال أتمتة المهام الروتينية وتقديم تحليلات عميقة تساعد الفرق على تحديد الأهداف بدقة أعلى، وإجراء العناية الواجبة لاتخاذ قرارات إستراتيجية بهدف تعزيز نجاح الاندماج بعد الصفقة.
وفقاً للدراسات، يستخدم حالياً نحو 16٪ الى 21٪ من المهنيين الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال الاندماج والاستحواذ، إلا أن هذه النسبة من المتوقع أن ترتفع لتصل الى 50٪ الى 80٪ بحلول 2027- 2030، ما يجعله أداة أساسية وليس خياراً إضافياً .
دور الذكاء الاصطناعي في تحليل الصفقات المعقدة
تتطلب الصفقات المعقدة فهم مقادير هائلة من البيانات المالية والقانونية والسوقية، وهذا الأمر يجعل الذكاء أداة حاسمة في هذا المجال.
يمكن للأنظمة الذكية معالجة تيرابيايتات من المعلومات في ساعات بدلاً من أسابيع واكتشاف الأنماط والفرص وتحديد المخاطر التي يصعب على البشر ملاحظتها. حتى البيانات غير المنظمة، مثل العقود الطويلة، الرسائل القانونية، وتقارير الأعمال، يمكن للذكاء استخراج المعلومات الأساسية منها مع الإشارة إلى المخاطر المحتملة.
على سبيل المثال، تستخدم منصة “غراتا” خوارزميات التعلم الآلي للاطلاع على أوضاع ملايين الشركات يومياً، وذلك لتحديد الفرص التي تتوافق مع أهداف الشركة بدقة تصل أحياناً الى 90٪. ولا يقتصر دور النظام على اكتشاف الفرص فحسب، بل يساعد أيضاً على تحليل سيناريوهات مختلفة مثل الأحداث الجيوسياسية أو التغييرات التنظيمية، ما يقلل الوقت الذي تحتاج إليه القوى العاملة البشرية، والذي عادة ما يكون شهورًا.
في صفقة حديثة، اعتمدت شركة “مايكروسوفت” على الذكاء الاصطناعي في استحواذها على “ أكتيفيجن بليزارد” عام 2023، لتحديد كيف يمكن للدمج أن يوفر التكاليف ويزيد الإيرادات ويحسن عمليات الإنتاج والتوزيع للألعاب الإلكترونية وسلاسل التوريد، وما هي الفوائد الممكنة بعد الاستحواذ. هذا التحليل ساعد الشركة على تجاوز العقبات التنظيمية، وسرّع عملية اتخاذ القرار.
كما أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي دمج بيانات غير تقليدية، مثل الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الفعلي، لاكتشاف اتجاهات السوق المبكرة وفهم سلوك المستهلكين، ما يعزز قدرة الشركات على التنبؤ بالمخاطر والفرص المستقبلية قبل اتخاذ أي قرار إستراتيجي.
ولكن حتى في ظل هذه الأدوات المتقدمة، يظل الحكم البشري ضرروياً لتفسير النتائج ووضعها في سياقها الاستراتيجي وضمان أن القرارات النهائية تأخذ في الحسبان العوامل التي لا يمكن للذكاء قياسها بشكل كامل.
كيف غير الذكاء الاصطناعي عمليات التقييم واتخاذ القرار؟
التقييم الدقيق للصفقة هو أساس نجاح أي اندماج أو استحواذ. أصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسة في هذا المجال فهو يجمع البيانات المالية، مؤشرات السوق، التاريخ التشغيلي للشركة وسلوك المنافسين لتقديم صورة شاملة عن قيمة الصفقة وفرص نجاحها.
لقد غير الذكاء عمليات التقييم بشكل جذري من خلال التنبؤ التحليلي واستخدام نماذج مالية ذكية تتكيف تلقائيًا مع كل بيانات جديدة أو تغير في السوق. هذه النماذج تعطي توقعات أدق بنسبة ٢٥٪ عن النماذج التقليدية للقيمة بعد الاندماج.
كما يدمج الذكاء الاصطناعي بيانات السوق الحية مع السجلات التاريخية لمحاكاة آلاف السيناريوهات مثل تأثير الركود الاقتصاد أو الابتكارات التنافسية، ما يزيل التحيزات البشرية في التفاؤل المفرط.
على سبيل المثال، استخدمت شركة “أمازون“ الذكاء الاصطناعي في استحواذها على”ون ماديكال” عام 2023، لتقييم التآزرات الصحية، من خلال دراسة تأثير العلامة التجارية على الإيرادات المستقبلية ودمج بيانات المبيعات العالمية.
حتى في قطاعات متقلبة مثل الرفاهية الفاخرة بما في ذلك الفنادق واليخوت، يساعد الذكاء الاصطناعي في تقييم الصفقات، ما يجعل القرارات أكثر استنارة ويقلل المخاطر المرتبطة بالتقديرات المبالغ فيها أو القرارات غير المبنية على بيانات دقيقة ويزيد من فرص نجاح الصفقة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في العناية الواجبة
العناية الواجبة Due Diligence هي المرحلة التي يتحقق فيها المشتري من كل التفاصيل عن الشركة المستهدفة قبل إتمام الصفقة، وهذه المرحلة لطالما كانت من أكثر مراحل الاندماج والاستحواذ أهمية لأنها تحدد نجاح الصفقة أو فشلها.
مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال أصبح بالإمكان مراجعة كميات هائلة من المعلومات بسرعة ودقة. يمكن للذكاء مراقبة آلاف الوثائق بسرعة، وتحليل العقود والوثائق القانونية، ما يقل نسبة التكاليف 40٪، وذلك وفق دراسات “ديلويت”.
كما يستخدم لتتبع المخاطر المحتملة المتعلقة بالامتثال للاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة كما هو الحال في شركة “جي بي مورغان” التي استخدمت أدوات الذكاء لمراجعة صفقاتها في عام 2024 لكشف مخاطر الامتثال.
ومع ذلك، تؤكد الخبرة العملية أن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي من دون إشراف بشري قد يكون محفوفاً بالمخاطر. ففي بعض الحالات لم تتمكن الأنظمة الذكية من التقاط تغييرات حديثة في اللوائح أو الفروق الدقيقة في شروط العقود، ما استلزم تدخل المحللين لإعادة التحقق وإجراء تحليلات إضافية قبل اتخاذ القرار النهائي.
اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي في إدارة المشاريع: أهم الأدوات وكيفية تطبيقها بفعالية
هل يقلل الذكاء الاصطناعي من مخاطر الصفقات؟
نعم، يقلل الذكاء الاصطناعي من المخاطر بشكل كبير ولكنه لا يلغيها بالكامل. فهو قادر على اكتشاف الأنماط المخفية وتحليل سيناريوهات متعددة، من العوامل الاقتصادية إلى المخاطر المالية والتنظيمية والثقافية قبل إتمام الصفقة. كما يساعد على تحديد علامات التحذير المبكرة، مثل تقلبات السوق، ما يتيح تفاوضاً أفضل ويقلل من احتمال فشل الصفقة بنسبة 20 الى 30 ٪.
على سبيل المثال استخدمت “بلاك روك“ الذكاء في صفقاتها للكشف عن المخاطر السيبرانية، ما ساعد على تحسين الأداء المالي طويل الأمد وزيادة العائد بنسبة 15 ٪ في الصفقات المدعومة بهذه التكنولوجيا.
وفي الوضع الحالي، يمكن للذكاء مراقبة مخاطر التضخم أو التوترات التجارية في ظل القرارات الأميركية المتعلقة بفرض الضرائب وغيرها، لحماية الاستثمارات.
مستقبل الاندماج والاستحواذ في عصر الخوارزميات
المستقبل يشير إلى عصر جديد للاندماج والاستحواذ، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً إستراتيجياً في كل مرحلة من الصفقة. لن يقتصر دوره على تحليل البيانات فقط، بل سيساعد في صياغة الاستراتيجيات والتنبؤ بالنتائج وتقديم رؤى دقيقة لدعم اتخاذ القرار.
كل صفقة تنجز اليوم تغذي نظم التعلم الآلي، ما يجعل هذه الأنظمة أكثر قدرة على التنبؤ وتحليل الصفقات المستقبلية بسرعة ودقة أكبر.
دمج أدوات الذكاء في منصات الاندماج والاستحواذ سيجعل العمليات أسرع وأكثر دقة، مع تقليل المخاطر وزيادة فرص النجاح.
بطبيعة الحال، ستظل هناك تحديات تنظيمية وخلقية مثل حمايات البيانات وضمان الشفافية في التقييمات وتجنب التحيزات في النماذج.
ومن المتوقع أيضاً أن تزداد الاستحواذات على شركات الذكاء الاصطناعي نفسها لتعزيز قدرات الشركات في مجال الاندماج والاستحواذ وتحسين الصفقات المستقبلية. ولكن رغم كل هذه التطورات، يظل البشر جزءا أساسياً في اتخاذ القرارات النهائية لضمان نجاح الصفقات.
