الغموض الوظيفي.. القاتل الصامت للإنتاجية في بيئة العمل
لا مواربة: ثمة شيء يستنزف طاقتك في العمل يوميًّا دون أن تراه؛ فليس المدير الصعب، وليس حجم المهام المتراكمة، بل شيء أكثر خفاءً وأعمق أثَرًا، عدم معرفتك بالضبط ماذا يُفترض بك أن تفعل، وكيف يُقاس نجاحك، وأي القرارات من حقك أن تتخذها.
يحمل هذا الشعور اسْمًا علميًّا: "الغموض الوظيفي"، وقد أثبت تحليل ضخم نشرته دورية "Journal of Vocational Behavior" أنه أكثر ضرَرًا على الموظف والمؤسسة من أي ضاغط آخر في بيئة العمل.
الدراسة التي قادتها الباحثة غارجي سوهني من جامعة أوبورن الأمريكية، استندت إلى 515 دراسة مُحكَّمة وأطروحة بحثية امتدت ستة عقود، وشملت ما يقارب 800 ألف موظف حول العالم.
ودرست ثلاثة ضغوط وظيفية كلاسيكية: الإفراط في التحميل الوظيفي، وتضارب المطالب، والغموض في الأدوار، وخرجت بنتيجة حاسمة: الغموض يتصدر القائمة في كل مقياس تم فحصه، من التوتر والإنتاجية إلى الاحتراق الوظيفي والرغبة في الاستقالة.
كيف يتعامل الدماغ مع الغموض الوظيفي؟
الحقيقة أن الدماغ البشري لا يتعامل مع الغموض بهدوء، بل يعتبره خطَرًا يستدعي المقاومة؛ فحين لا يعرف الموظف ما الذي يعدّ إنجازًا ناجحًا، أو أي الأولويات تسبق غيرها، فإنه لا ينتظر توضيحًا، بل يبحث باستمرار، وهذا البحث الدائم يستهلك الطاقة الذهنية ذاتها التي يحتاجها للتفكير الإبداعي وحل المشكلات والتعاون مع الآخرين.
ومع الوقت، يبدأ الموظف بالانفصال التدريجي عن عمله، ويتوقف عن طرح أفكار جديدة، يبدو منشغلاً لكنه ليس منتجًا، ويشعر بانعدام المعنى لأنه لا يستطيع ربط ما يفعله بهدف واضح؛ والأسوأ أن المؤسسات تستجيب عادةً بمزيد من الرقابة بدلاً من مزيد من الوضوح، فيتعمق الجرح.
ثلاثة عوامل تُضاعف أزمة الغموض الوظيفي
ما يزيد الأمر تعقيدًا أن العالم يمر بـ3 تحولات متزامنة تُضاعف من حجم الغموض الوظيفي:
العودة إلى المكاتب بعد سنوات من العمل عن بُعد أعادت رسم بيئة العمل، لكن التوقعات غير المكتوبة لم تتضح بعد، من يجب أن يحضر؟ متى؟ وما القرارات التي تستوجب اللقاء الشخصي؟
موجة الذكاء الاصطناعي تُعيد تشكيل المهام بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات على تحديث الأدوار الوظيفية، فيجد الموظف نفسه في منطقة رمادية بين ما كان يفعله وما صار متوقعًا منه.
تقليصات القوى العاملة تُلقي على كاهل من بقي في المؤسسة مسؤوليات من غادروا، دون تعديل رسمي في المسمى أو النطاق أو التعويض، وهو عبء مزدوج من العمل والغموض معًا.
آلية حل الغموض الوظيفي
الخروج من هذه الدوامة لا يحتاج إلى حلول معقدة، بل إلى ثلاثة أسئلة يطرحها القائد على فريقه، ويجيب عنها بوضوح:
كيف يبدو النجاح؟ ما الذي يمكن الإشارة إليه بعد ستة أشهر ويُعدّ تحقيقًا للهدف؟ إن لم تكن الإجابة واضحة، فثمة غموض دفين لم يُعالَج.
ما القرارات التي أملك صلاحية اتخاذها؟ كثير من الموظفين يعرفون مهامهم لكنهم لا يعرفون حدود صلاحياتهم، وهذا الفراغ بالذات هو ما يُشلّ المبادرة.
كيف تُدار الأولويات حين تتغير؟ الغموض يتصاعد في أوقات التحولات، وأكثر الفرق فاعلية هي التي تمتلك إطارًا واضحًا للتعامل مع المتغيرات بدلاً من انتظار توجيهات من الأعلى.
تقارير مؤسسة "غالوب" تُشير إلى أن نصف الموظفين الأمريكيين أفادوا بتوتر ملحوظ خلال معظم ساعات يومهم، وقد يكون جزء كبير من هذا الرقم نتيجة مباشرة لغياب الوضوح الوظيفي، لا لضغوط خارجية؛ فحين يعرف الناس ما المطلوب منهم تحديدًا، يتوقفون عن إنفاق طاقتهم في التنقل بين الفراغات، ويبدأون في العمل الحقيقي.
