القاتل الأبيض في طعامك.. كيف يسرّع الملح الإصابة بتليف وسرطان الكبد؟
كشفت أبحاث حديثة أن علاقة الملح بصحة الجسم لا تقتصر على ضغط الدم، بل تمتد لتطال الكبد مباشرة؛ فالنظام الغذائي المرتفع الصوديوم قد يُشعل الالتهاب داخل الكبد ويُعجّل بتليّفه، وهو مسار يقود إلى أمراض أشد خطورة إن لم يُؤخذ في الحسبان مبكرًا.
كيف يصل الملح إلى كبدك؟
الكلى هي المسؤولة الأولى عن ضبط مستويات الصوديوم في الجسم، لكن ذلك لا يعني أن الكبد بمنأى عن تأثيراته.
ويقول برايان بي. لي، اختصاصي أمراض الكبد وزراعته في مستشفى كيك ميديسن التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا: "الصوديوم يؤثر في ضغط الدم، وتوازن السوائل، ومقاومة الإنسولين، وبكتيريا الأمعاء، وكل ذلك يُولّد ضغطًا على الكبد بطرق مختلفة".
وأظهرت دراسة حديثة المنشورة في مجلة الأيض الجزيئي أن النظام الغذائي المرتفع في الدهون والصوديوم معًا قد يزيد التهاب الكبد وتليفه.
ورغم أن الدراسة أُجريت على الفئران، فإنها لفتت انتباه الباحثين لأنها تُشبه ما يُلاحظ على بعض المرضى النحيلين الذين يعانون المرض الكبدي الدهني المرتبط بالاضطراب الأيضي، المعروف اختصارًا بـ MASLD.
المعلومة اللافتة هنا أن الدهون في الكبد وحدها ليست الخطر الأكبر؛ فالالتهاب المحيط بها هو ما يُحرّك تليّف الكبد وفشله وربما يؤدي إلى السرطان، ما يعني أن الملح قد يُفاقم مسار المرض حتى دون أن يتراكم الكبد دهونًا إضافية.
ما هو مرض MASLD؟
مرض MASLD هو المصطلح المعتمد حديثًا بديلاً عن الكبد الدهني غير الكحولي المرتبط بالأيض، ويُصيب نحو 30% من البالغين حول العالم وفق تقديرات البحث العلمي، ما يجعله أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشارًا.
وفي مراحله الأولى، يرى لي أن الخطر الرئيس للملح يكمن في رفع ضغط الدم وإشعال الالتهاب، ما قد يُسرّع تقدم المرض.
أما حين ينتقل المرض إلى مراحل أشد، كالتليف الكبدي، فيزداد الأمر خطورة، ويبيّن لي أن التليف يرفع الضغط داخل الأوعية الدموية المغذية للكبد، في ما يُعرف بارتفاع ضغط الدم، ما يجعل الصوديوم عاملاً مُضاعفًا لتراكم السوائل في البطن والجسم كله.
لمواجهة هذه الحالة، يوصي الأطباء المرضى المصابين بالتليف الكبدي مع احتباس السوائل بألا يتجاوز تناولهم اليومي 2,000 ملليجرام من الصوديوم.
وللمقارنة، يستهلك معظم البالغين في الولايات المتحدة نحو 3,400 ملليجرام يوميًا، وهو رقم يتجاوز بكثير الحد الأمثل البالغ 1,500 ملليجرام.
مصادر الصوديوم في النظام الغذائي
يُدهش كثيرين أن الخبز يحتل المرتبة الأولى بين مصادر الصوديوم في النظام الغذائي الأمريكي، كما يلفت لي، وتليه اللحوم الباردة، والجبن، والحساء المعلّب، وصلصة المعكرونة، ودبس الصويا، والأطعمة المخللة، ومعظم وجبات المطاعم التي نادرًا ما يُدرك مرتادوها كمية الملح الكامنة فيها.
وما يزيد المسألة تعقيدًا أن أطعمة تُعد في الغالب صحية تنطوي بدورها على نسب صوديوم مرتفعة؛ من بينها جبن الكوخ، وعصير الخضروات، والبقوليات المعلّبة.
ولا يعني ذلك تجنّبها كليًا، بل الانتباه لكمياتها ضمن الوجبة اليومية، إذ تتراكم هذه الكميات الصغيرة لتُشكّل عبئًا فعليًا على الكبد بمرور الوقت.
خطوات عملية لحماية الكبد من الصوديوم
يعد الطهي في المنزل بمكونات طازجة من أكثر الخطوات أثرًا في تقليص الصوديوم، إذ تكشف الدراسات أن نسبة كبيرة منه مصدرها الأطعمة المُصنّعة لا ملح المائدة.
وتحتوي الخضروات الطازجة، والفواكه، والبيض، واللحوم والأسماك غير المعالجة، والمكسرات غير المملّحة على كميات طبيعية صغيرة من الصوديوم تكفي لحاجة الجسم اليومية.
إلى جانب ضبط الملح، يحتاج الكبد دعمًا من جوانب أخرى؛ فممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن حساسية الإنسولين وتُقلّص الالتهاب، وهو ما يُخفّف الضغط على الكبد بصورة مباشرة.
ويوصي الأطباء كذلك بالفحص الدوري لتليف الكبد لدى من يعانون السمنة أو السكري، نظرًا لإمكانية عكس المرض حين يُكتشف في مراحله الأولى.
ويُحدث الفحص المبكر فارقًا جوهريًا، إذ يمكن التراجع عن التليف الأولي بتغييرات في نمط الحياة وحدها؛ فما تأكله اليوم، بما فيه كمية الملح، يرسم مآل صحة كبدك على المدى البعيد.
