لماذا نشعر بتسارع الوقت مع التقدم في العمر؟ تفسير نفسي وعلمي
تصوّر أنك تحدّق في الساعة الثانية وربع ظهرًا، وتعود إليها بعد دقائق لتجدها لم تتحرك؛ ثم تلتفت فجأة لتدرك أن عامًا كاملاً قد انقضى.
هاتان التجربتان لا تتناقضان، بل تصدران من مصدر نفسي واحد يستحق الفهم.
ما الذي تفعله الذاكرة بالوقت؟
الذاكرة لا تقيس الوقت بالدقائق، بل بعدد اللحظات الجديدة التي تستحق التسجيل؛ فحين تقضي أسبوعًا في مدينة لم تزرها من قبل، يجد دماغك نفسه مشغولاً باستمرار بشوارع غريبة وأصوات مختلفة وقوائم طعام لا تقرأها بسهولة.
ويترجم كل هذا لاحقًا إلى إحساس بأن الأسبوع كله امتدّ شهرًا كاملاً، وفقًا لموقع bolde.
وكشفت أبحاث ماركوس فيتمان، عالم النفس في معهد أبحاث علم النفس وصحة العقل في فرايبورج، أن الذاكرة تُطوّل الحقب الزمنية حين تكون غنية بتجارب ذات أثر عاطفي، وتُقلّصها حين تفتقر إلى ذلك؛ ما يعني أن حقبة فقيرة بالتجارب الجديدة تنكمش في الذهن حتى تكاد تختفي.
ستة أسابيع متشابهة عاشها الإنسان بوعي كامل، بكل تفاصيل الصباح والمساء، يمكن أن تنضغط في الذاكرة إلى مجرد إحساس عابر بأن "العمل كان مزدحمًا". لم تكن الأيام أقصر حقًا، بل كان ما يفصل بعضها عن بعض أقل مما يكفي لتمييزها.
أسباب الشعور بسرعة مرور السنوات مع العمر
ليس الأمر مرتبطًا بعتبة الأربعين تحديدًا، بل بما تحمله كل مرحلة من زخم تجريبي؛ فسنوات الشباب كانت مثقلة بالأوليات؛ الوظيفة الأولى، والانتقال إلى مدينة جديدة، وعلاقات أعادت رسم الأولويات، وزحمة المسؤوليات الوليدة.
كان الدماغ يجد دومًا ما يتمسك به لأن معظم ما يواجهه لم يمر عليه من قبل.
ثمة بُعد نسبي يُعمّق هذا الإحساس، فالسنة الواحدة في العاشرة من العمر تمثّل جزءًا كبيرًا من كل ما عاشه الإنسان حتى تلك اللحظة، بينما تغدو في الـ50 شريحة رفيعة من تاريخ متراكم وطويل، ولا تُفسّر هذه النسبة وحدها ما يشعر به الإنسان، لكنها تُرسي الأرضية التي ينمو عليها الشعور.
وتوصّل وليام فريدمان، عالم النفس في جامعة أوبرلين، في أبحاثه إلى أن الإحساس بتسارع إدراك الوقت يزداد مع التقدم في السن ويبلغ ذروته عند الخمسين تقريبًا.
أمّا الفترات القصيرة كالساعات والأسابيع لا يطرأ عليها تغيير، فيوم الثلاثاء يظل يوم ثلاثاء، لكن العشرات من يوم الثلاثاء تنضغط معًا في لحظة واحدة.
هل المشكلة في الاستقرار نفسه؟
بحلول الأربعينيات تصبح الحياة أكثر انضباطًا في هيكلها؛ الطريق إلى العمل محفوظ دون تفكير، وطقوس المناسبات معروفة سلفًا، والعشاء طُهي آلاف المرات.
وحتى حين تكون الحياة مزدحمة بالمهام، تنعدم التجارب الجديدة حقًا أو تكاد، وهذا الاستقرار رغم ما فيه من نعمة يجعل السنوات تمرّ دون خطوط فاصلة في الذاكرة.
ولا تكمن المشكلة في أن شيئًا لم يحدث، بل في أن ما حدث يُشبه ما سبقه بشهر. الانتباه اليومي لا يغيب، بل هو حاضر لكل دقيقة تمرّ، غير أن الانتباه دون تنوع لا يترك سوى أثر باهت لا يُستعاد بسهولة.
الإنسان لم يكن غائبًا عن حياته، وكان حاضرًا لكل ساعة منها. الخلل لم يكن في الوعي، بل في أن الوعي دون مفاجأة لا يُودع في الذاكرة بما يكفي لتمييزه عما حوله.
آلية الشعور بمرور السنين
سمّت كلوديا هاموند، الكاتبة والمحاضرة في علم النفس، هذه الظاهرة "مفارقة الإجازة" في كتابها Time Warped؛ إذ تُمدّد التجارب الجديدة الزمن استرجاعيًا لأنها تمنح الذاكرة مداخل منفصلة تحتفظ بها، والمبدأ نفسه ينطبق على أي أسبوع اعتيادي لا على الإجازات وحدها.
ولا يستلزم الأمر ترك العمل أو السفر إلى بلد بعيد. مطعم مجهول يوم أربعاء، أو المشي في حيّ مررت بمحاذاته مئات المرات، أو تعلّم مهارة لا تُتقنها بعد؛ هذه كافية؛ فحجم الكسر لا يهم بقدر ما يهم أنه كسر النمط فعلاً وأفزع الدماغ من سباته.
حتى تأطير موسم بعشاء بلا مناسبة، أو رحلة قصيرة لمكان كنت ستتخطاه، يمنح الدماغ شيئًا مميزًا يُودعه في ملف خاص بعيدًا عن ركام الأيام المتشابهة.
والهدف هنا ليس أن تكون كل الأيام مثيرة، بل أن يحمل بعضها من الملمس ما يجعله صامدًا في الذاكرة دون أن يذوب في جيرانه.
