هل يؤثر الخوف من التراجع المالي في سعادتك؟
لا تتعلق الراحة النفسية بما يملكه الإنسان اليوم فحسب، بل تمتد إلى ما يتوقع أن يحدث لمكانته الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل، فبينما يمنح الأمل في تحسين الدخل أو التقدم الاجتماعي شعورًا بالتفاؤل، قد يترك احتمال التراجع الاقتصادي أثرًا نفسيًا أعمق، مع ما يصاحبه من قلق بشأن فقدان المكانة أو التخلف عن الآخرين.
وكشفت دراسة نُشرت في مجلة Personality and Social Psychology Bulletin، أن توقع تراجع المكانة الاجتماعية والاقتصادية يرتبط بارتفاع القلق بشأن المكانة، وانخفاض الرضا عن الحياة.
وفي المقابل، جاءت النتائج المتعلقة بتوقع التحسن أقل اتساقًا، ما يشير إلى أن الخوف من فقدان المكانة قد يكون أشد تأثيرًا في الرفاه النفسي من الأمل في الارتقاء بها.
القلق على المكانة الاجتماعية
وركز الباحثون على مفهوم «القلق بشأن المكانة»، الذي يشمل المخاوف المرتبطة بفقدان الموقع الاجتماعي أو عدم تحقيق تقدم، والشعور بالتأخر عن الآخرين في السلم الاقتصادي والاجتماعي، وافترضوا أن توقع التراجع لا يقتصر تأثيره على الموارد المالية، بل قد يمتد إلى الشعور بالأمان والرضا عن الحياة.
وأجرى الفريق، بقيادة دافيد ميليتا من جامعة جرناطة في إسبانيا، 4 دراسات شملت 2819 شخصًا في إسبانيا والولايات المتحدة، واعتمدت الدراستان الأوليان على استطلاعات، بينما استخدمت الدراستان الأخيرتان تجارب لاختبار ما إذا كان تغيير توقعات المشاركين بشأن مستقبلهم الاقتصادي يؤثر في قلقهم على مكانتهم.
علاقة توقعات المستقبل الاقتصادي بالقلق والسعادة
في الدراسة الأولى، شملت العينة 216 موظفًا أمريكيًا يعملون بدوام كامل، بمتوسط عمر بلغ 39 عامًا، وأظهرت النتائج أن الاعتقاد بأن التراجع الاقتصادي أصبح أكثر شيوعًا في المجتمع ارتبط بارتفاع القلق بشأن المكانة، الذي ارتبط بدوره بانخفاض الرضا عن الحياة، وتقييم أسوأ للصحة، وزيادة أعراض الاكتئاب، ولم يظهر ارتباط مماثل بين الاعتقاد بانتشار الحراك الاجتماعي الصاعد والقلق بشأن المكانة.
أما الدراسة الثانية، فشملت 1536 شخصًا في إسبانيا، واستطلعت توقعاتهم بشأن تحسن مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية أو تراجعها، وارتبط توقع التراجع بزيادة القلق وانخفاض الرضا عن الحياة، لكن توقع التحسن ارتبط أيضًا بارتفاع القلق، رغم ارتباطه المباشر بزيادة الرضا عن الحياة، وهو ما أرجعه الباحثون إلى حالة عدم اليقين التي قد تصاحب توقع حدوث تغييرات مستقبلية.
وفي الدراسة الثالثة، تخيل 472 طالبًا جامعيًا إسبانيًا بدء حياة جديدة في مجتمع افتراضي يُسمى «بيمبولا»، مع توزيع المشاركين عشوائيًا على سيناريوهات تتعلق باحتمالات الصعود الاقتصادي أو الاستقرار أو التراجع، وأظهر من توقعوا الهبوط مستوى أعلى قليلًا من القلق بشأن المكانة مقارنة بمن توقعوا الاستقرار، بينما لم يؤثر توقع الصعود في القلق.
وكررت الدراسة الرابعة التجربة على 595 موظفًا أمريكيًا، وجاءت النتائج أكثر وضوحًا؛ إذ رفع توقع التراجع القلق بشأن المكانة، بينما خفضه توقع الصعود، وانعكست هذه التغيرات على الرضا عن الحياة المتخيلة داخل المجتمع الافتراضي. وكان الأثر السلبي للتراجع أكبر من الأثر الإيجابي للصعود.
هل يكفي الأمل في التقدم لتحسين الحياة؟
خلص الباحثون إلى أن نتائج الدراسات الأربع كانت أكثر اتساقًا بشأن الأثر السلبي المتوقع للتراجع الاقتصادي، مقارنة بالنتائج المتباينة المتعلقة بالصعود. وقال ميليتا وزملاؤه إن الاعتقاد بإمكانية الهبوط يؤثر في الرفاه من خلال القلق بشأن المكانة بصورة أقوى وأكثر ثباتًا.
وتدعم هذه النتائج أهمية ألا تقتصر السياسات الرامية إلى تحسين الرفاه على توسيع فرص التقدم الاجتماعي، بل أن تشمل أيضًا حماية الفئات الأكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، من خلال تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.
ومع ذلك، أوضح الباحثون أن الدراستين الأوليين تكشفان ارتباطات لا تثبت السببية، كما أن التجارب اعتمدت على مجتمع افتراضي، وقاست الرضا عن الحياة المتخيلة بدلًا من الحياة الفعلية للمشاركين.
وقد تتأثر النتائج أيضًا بالاختلافات الثقافية؛ فالشباب الإسبانيون المشاركون يعيشون في بلد ترتفع فيه بطالة الشباب، بينما يميل الأمريكيون إلى المبالغة في تقدير فرص الحراك الاجتماعي.
