روّاد أعمال ومبتكرون تحدّوا شلل الأطفال وتركوا بصمتهم في العالم
يُصادف الرابع والعشرون من أكتوبر من كل عام اليوم العالمي لشلل الأطفال، الذي يهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية التطعيم بوصفه وسيلة أساسية للوقاية من المرض.
ورغم التراجع الكبير في حالات شلل الأطفال خلال العقود الأخيرة، فإنّ المرض لم يختفِ تمامًا، وقد أصاب شخصيات بارزة استطاعت أن تتجاوز تحدياته وتترك بصمة مؤثرة في العالم، من روّاد الأعمال إلى المبتكرين. وفي السطور التالية، نستعرض قصصًا ملهمة تثبت أنّ التحديات الصحية لا تحول بالضرورة دون تحقيق الإنجازات.
ما هو شلل الأطفال وكيف يؤثِّر في الجسم؟
شلل الأطفال هو مرض يُصِيب الحلق والأمعاء، وقد يُسبّب أعراضًا تشبه أعراض الإنفلونزا، بالإضافة إلى الشلل، بما في ذلك شلل العضلات التي تستخدمها للتنفّس والتحدّث والبلع وتحريك أطرافك، حسب «Cleveland Clinic».
صحيح أنّه لم يتم القضاء على شلل الأطفال بشكلٍ كامل، لكن لقاحات الأطفال قضت عليه في معظم الأماكن حول العالم. ففي أوائل القرن العشرين، أدَّى شلل الأطفال إلى شلل ووفاة الآلاف من الأشخاص، ولكن بفضل اللقاحات، انخفضت الحالات كثيرًا خلال السنوات السبعين الماضية.
كيف ينتقل فيروس شلل الأطفال؟
ينتقل فيروس شلل الأطفال بسهولة عبر التلوث بالبراز، وقد ينتقل أيضًا عبر رذاذ الجهاز التنفسي الناتج عن السعال أو العطس، كما يمكن أن تنتقل العدوى عن طريق المياه أو الأغذية الملوثة. وتزداد احتمالات الإصابة لدى الأشخاص الذين لم يستكملوا جرعات التطعيم ضد شلل الأطفال.
روّاد أعمال ومبتكرون لم يمنعهم شلل الأطفال من الريادة
لكن رغم الوضع الذي يُسبّبه مرض شلل الأطفال، فإنّ هناك من تمكّن من تجاوز إعاقته وتحقيق إنجازاتٍ لم يسبق لها مثيل، ومن بين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر:
1. ريتشارد ن. كابيلا (1936 - 2014)
وُلِد ريتشارد ن. كابيلا في 8 أكتوبر عام 1936، وبعد إصابته الخطيرة بشلل الأطفال عندما كان طفلًا، سعي جاهدًا ليعيش حياة مليئة بالمغامرة وذات مغزى أيضًا، لذا كان يتنزّه في تلال البراري لمطاردة الأرانب الصغيرة والغزال البغليّ.
كما ألهمه شغفه بالمغامرات الخارجية بالبدء في بيع الذباب المربوط يدويًا في عام 1961، وبعد فشله في بيع ذبابة واحدة في متجر أدوات والده في تشابيل نبراسكا، وضع إعلانًا في الإعلانات المبوبة لصحيفة «كاسبر تريبيون»، وتلقّى هذا الإعلان ردًا واحدًا فقط.
لذا عدّل ريتشارد الإعلان ووضعه في الإعلانات المبوبة لـ«Sports Afield»، وخلال سنوات من النمو البطيء، أنشأ هو وزوجته ماري وشقيقه جيم واحدة من أشهر الشركات وأكثرها شعبية في أمريكا.
واليوم بلغت قيمة شركة «كابيلا Cabela's» نحو 3.6 مليار دولار، ويعمل بها أكثر من 17 ألف موظف.
كما تُعدّ شركة معدات الهواء الطلق كابيلا، أكبر مُسوِّق مباشر في العالم، وبائع تجزئة متخصص رائد في الصيد وصيد الأسماك والتخييم والبضائع الخارجية ذات الصلة.
وقد كُرِّم ريتشارد وجيم في عام 2007 من قِبل مجلة «Outdoor Life» باعتبارهما من بين «أكثر 25 شخصًا تأثيرًا في الصيد وصيد الأسماك»، قبل أن يتوفّى ريتشارد لاحقًا في عام 2014.
2. فرانكلين كلارنس مارس (1884 - 1936)
لم تمنع إصابة فرانكلين مارس بشلل الأطفال من تأسيسه لمصنع الحلوى «Mars Candy Factory»، وقد وُلِد فرانك عام 1882 في ولاية مينيسوتا، وتعلّم كيفية غمس حلوى الشوكولاتة يدويًا عندما كان طفلًا من والدته «ألفا»؛ إذ قضى طفولته في تعلّم وصفات الحلوى في مطبخ والدته.
وفي عام 1902، تولّى فرانك إدارة شركة لبيع الحلوى بالجملة في «مينيابوليس»، وباع لأصحاب المتاجر الصغيرة في «توين سيتيز» وما حولها، وفي العام نفسه تزوّج من «إثيل كيساك»، وأنجبا ابنًا اسمه فورست.
وانتقل فرانك إلى سياتل في عام 1911 وقرّر تجربة صناعة الحلوى، لكن واجه المشروع الفشل ثلاث مرات قبل أن يعود فرانك وزوجته إثيل إلى مينيابوليس، ويحقّقان النجاح في بيع حلوى كريمة الزبدة لركّاب الترام.
فأسس فرانك شركة «Mar-O-Bar» عام 1920، وبدأ في تصنيع ألواح حلوى الشوكولاتة، ثُمّ تأسّست الشركة لاحقًا باسم «Mars, Incorporated».
كما كان للابن نصيب أيضًا في رفع أسهم أبيه؛ إذ في عام 1923 قدّم فرانك فكرة ابنه فورست «Milky Way»، التي أصبحت قطعة الحلوى الأكثر مبيعًا؛ إذ بلغت مبيعاتها بحلول عام 1924 أكثر من 800 ألف دولار أمريكي.
ولاحقًا توفّي مارس بسبب مشكلات في القلب عام 1934 عن عُمر يناهز 51 عامًا، وانتقلت ملكية الشركة إلى ابنه فورست.
3. ألين ب. دومونت (1901 - 1965)
بعيدًا عن الشركات وريادة الأعمال، يسطع اسم ألين دومونت المولود في نيويورك عام 1901 من بين مبتكري القرن الماضي؛ إذ في أثناء تعافيه من شلل الأطفال، بنى جهاز إرسال واستقبال لاسلكي من صندوق دقيق الشوفان!
وفي عام 1924، حصل على شهادة في الهندسة الكهربائية من معهد رينسيلار للفنون التطبيقية. وبعد تخرجه انضم دومونت إلى شركة وستنجهاوس للمصابيح في نيوجيرسي عام 1924 كمهندس في مختبر التطوير، وطوّر معدات تصنيع واختبار عالية السرعة سمحت للشركة بزيادة إنتاجها إلى 50 ألف أنبوب تفريغ يوميًا.
وترقّى دومونت ليكون كبير المهندسين في شركة دي فورست راديو في نيوجيرسي عام 1928؛ إذ أصبح مهتمًا ببراءات الاختراع، كما أنشأ محطة تليفزيونية تجريبية في أوائل عشرينيات القرن العشرين.
وانطلاقًا من براءات اختراع جينكينز، أنشأ دومونت بثًا متزامنًا للصورة والصوت في عام 1930، وخلص إلى أنّ الأنظمة الكهروميكانيكية غير كافية للتلفزيون العملي، وأنّ هناك حاجة إلى نظام إلكتروني بحت.
لاحقًا، أسّس دومونت شركة عام 1931، عُرفت فيما بعد باسم «Allen B. DuMont Laboratories, Inc.»، ونجح في تطوير أنابيب أشعة الكاثود وإنتاج أحد أوائل الأنابيب العملية القابلة للتسويق تجاريًا. ولم تقتصر أهمية هذا الإنجاز على الأجهزة العلمية والتقنية، بل امتدت إلى أجهزة التلفزيون الحديثة.
4. ميلتون هـ. إريكسون (1901 - 1980)
يُعدّ الدكتور ميلتون إريكسون المؤسّس للتنويم المغناطيسي السريري الحديث، الذي بات جزءًا من العلاج النفسي اليوم. وقد واجه إريكسون تحديات جسدية كبيرة طوال حياته؛ إذ أُصيب بشلل الأطفال في سن السابعة عشرة، وأدّى المرض إلى إصابته بشلل شديد، حتى إنّ الأطباء اعتقدوا أنّه لن ينجو.
وبينما كان يتعافى في السرير، وكان أعرج تقريبًا، وغير قادر على الكلام، أصبح واعيًا تمامًا لأهمية التواصل غير اللفظي (لغة الجسد، ونبرة الصوت، والطريقة التي غالبًا ما تتناقض بها هذه التعبيرات غير اللفظية بشكل مباشر مع التعبيرات اللفظية)، كما بدأ يمتلك «ذكريات جسدية» عن النشاط العضلي لجسده.
ومن خلال التركيز على هذه الذكريات، بدأ يستعيد السيطرة على أجزاء من جسده ببطء إلى الحد الذي جعله قادرًا في النهاية على التحدّث واستخدام ذراعيه مرة أخرى.
وامتدّت مسيرة إريكسون المهنية لأكثر من 50 عامًا، كما أجرى أبحاثًا مكثفة بشأن الإيحاء والتنويم المغناطيسي، عندما كان طالبًا جامعيًا في جامعة ويسكونسن، ثُمّ لاحقًا طوال تدريبه الطبي، وخلال تعييناته المهنية الأولى.
وبحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح الدكتور إريكسون مشهورًا بعمله في مجال التنويم المغناطيسي.
وفي عام 1957، أسّس إريكسون وعدد من زملائه الجمعية الأمريكية للتنويم المغناطيسي السريري، كما أسّس المجلة الأمريكية للتنويم المغناطيسي السريري، وشغل منصب المحرر لمدة 10 سنوات، كما نشر كثيرًا من الأبحاث خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وكان الطلب عليه مرتفعًا كطبيب نفسي ممارس.
وتوفّي إريكسون في 25 مارس عام 1980 عن عمر يناهز 78 عامًا، بعد أن ترك إرثًا مكتوبًا يضمّ أكثر من 140 مقالة علمية، وخمسة كتب عن التنويم المغناطيسي، شارك في تأليفها.
ختامًا، هناك نماذج كثيرة لعُظماء تجاوزوا شلل الأطفال الذي أصابهم، وتمكّنوا من تحقيق إنجازات غيّرت حياة البشر، وهؤلاء الأربعة ليسوا سوى أمثلة لهؤلاء العُظماء.
