هل يمكن أن تضر السعادة بصحتك؟!
قد ينتظر المرء لسنوات طويلة لحظة الترقية الوظيفية التي طالما حلم بها، أو خطاب القبول في الجامعة التي يطمح إليها، يفترض الجميع أن هذه اللحظات ستكون متنفسًا للفرح والاستبشار، غير أن حقيقة المشاعر الإنسانية قد تتخذ مسارًا مغايرًا تمامًا؛ إذ يستيقظ لدى البعض شعور هادئ بالانزعاج والحزن غير المبرر في غمرة تلك النجاحات.
هذه المفارقة الغريبة تسلط الضوء على جانب غامض من النفس البشرية، حيث لا تُترجم الأحداث الإيجابية دائمًا إلى سعادة، بل قد تتحول إلى مصدر توتر وضغط نفسي يمتد تأثيره ليطال الصحة الجسدية.
المفارقة النفسية للأخبار السارة
ووفقًا لموقع psychologytoday، تكشف الدراسات والبحوث النفسية أن استقبال الأحداث الإيجابية يتأثر بنظرة الإنسان لنفسه وتقديره لذاته. ففي أبحاث أجرها الباحثان جوناثان براون وكاثلين مكغيل من جامعة واشنطن، جرى تتبع تأثير التغييرات الحياتية على الصحة الجسدية للأفراد، وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يتمتعون بتقدير عالٍ لذواتهم تتفاعل أجسادهم ونفوسهم بشكل إيجابي مع الأخبار السارة؛ فتزداد مناعتهم وتقل معدلات إصابتهم بالأمراض عند تحقق النجاحات.
وعلى العكس تمامًا، ظهرت النتيجة المفاجئة لدى أصحاب تقدير الذات المنخفض؛ إذ تبين أن مرورهم بأحداث سارة ومبهجة ارتبط بتراجع صحتهم الجسدية وزيادة زياراتهم للمراكز الطبية.
وقد أكدت دراسات لاحقة أجراها الباحثان موتوكو شيميزو وبريت بيلهام في جامعة بوفالو هذه الظاهرة، ما أثبت أن النجاح والحظ السعيد قد يحملان في طياتهما تكلفة نفسية وجسدية غير متوقعة لبعض الأفراد.
حاجة الإنسان الصارمة إلى "التحقق من الذات"
لتفسير هذه المفارقة الشائكة، يبرز مفهوم علم النفس المعروف بـ "التحقق من الذات"، والذي يشير إلى أن الإنسان لا يسعى فقط للحصول على المديح أو الشعور بالرضا، بل يمتلك رغبة في أن يتطابق العالم الخارجي مع تصوراته الداخلية عن نفسه، حتى وإن كانت تلك التصورات سلبية. وتؤكد أبحاث العالم ويليام سوان في جامعة تكساس أن الأفراد يبحثون عادة عن التجارب والردود التي تؤكد نظرتهم المستقرة عن ذواتهم.
وعندما يحقق شخص يعاني ضعف تقدير الذات نجاحًا كبيرًا، فإن هذا الخبر السار يُحدث فجوة صريحة واضطرابًا داخل بنيته النفسية؛ فالإخفاق أو الرفض -رغم قسوته- يعزز قناعته القديمة بأنه غير جدير بالنجاح، في حين أن الفوز المفاجئ يربك روايته التي يفسر بها العالم من حوله. هذه الفجوة تشكل تهديدًا لاستقرار هويته، ما يحول لحظة الانجاز إلى تجربة مربكة على المستوى النفسي.
إعادة بناء الهوية لتقبل التجارب الإيجابية
تؤكد هذه الطروحات أن النصائح المباشرة والدعوات الشائعة مثل "استمتع باللحظة" غالبًا ما تذهب سدىً؛ لأن المشكلة لا تكمن في رفض الفرح، بل في عجز الهوية الداخلية عن استيعاب هذا الفرح دون صدام. فالتعامل مع هذه الحالة يستوجب التعمق في تفكيك الافتراضات القديمة التي يحملها الفرد عن نفسه، والتساؤل الداخلي حول طبيعة القناعات الشائعة التي تشكل نظرته لذاته.
الهدف الأساسي لا يتمثل في إرغام النفس على الشعور بالسعادة، بل يرتكز على إعادة تشكيل وتوسيع مفهوم الذات ليصبح أكثر مرونة وقدرة على احتواء التجارب الإيجابية. ومع التدرج في إدراك هذه الحيل الدفاعية، تتحول المسرات من مواقف غريبة ومهددة للهوية إلى تجارب مألوفة وطبيعية يستطيع الفرد عيشها دون خوف أو اعتلال.
