ما الذي يدفعك للعمل بجدية أكبر بعيدًا عن المال؟
يبحث علم النفس باستمرار عن إجابات لسؤال بسيط لكنه معقد ما الذي يجعل الإنسان مستعدًا لبذل جهد أكبر؟ وغالبًا ما ترتبط الإجابة بالحوافز المادية أو المكافآت أو الضغوط الخارجية، لكن دراسة جديدة تشير إلى عامل آخر ربما يكون أكثر بساطة، وهو شعور الإنسان بأن ما يفعله له قيمة ولن يختفي بلا أثر.
وأظهرت الدراسة المنشورة في دورية "Psychological Science"، أن الأشخاص يميلون إلى بذل جهد أكبر عندما يعرفون أن نتائج عملهم ستُحفظ، مقارنة بالمهام التي ينتهي بها الأمر إلى التخلص منها، حتى عندما لا يتغير شيء آخر في طبيعة المهمة نفسها.
تجربة مختلفة حول معنى الجهد
أجرى الباحثان ييلين ليو، من جامعة تكساس في دالاس، وفان يانغ من جامعة شيكاغو، سلسلة من أربع تجارب شملت أطفالًا وبالغين، بهدف معرفة ما إذا كان الشعور بأهمية ما يقدمه الشخص يمكن أن يؤثر في مقدار الجهد الذي يبذله.
وخلال التجارب، عُرضت على المشاركين مهام متشابهة، لكن الاختلاف كان في مصير النتيجة النهائية للعمل، ففي بعض الحالات، كان ما ينجزه المشاركون يُحفظ، بينما كان يتم التخلص منه في حالات أخرى.
وأظهرت النتائج نمطًا متكررًا؛ إذ فضّل المشاركون المهام التي يُحتفظ بنتائجها، كما بذلوا جهدًا أكبر لإنجازها، رغم عدم وجود اختلاف آخر جوهري في طبيعة المهمة.
ما علاقة الشعور بالأهمية بالدافع؟
يطلق علماء النفس على هذا الإحساس مفهوم "Mattering"، ويشير إلى شعور الشخص بأن وجوده وأفعاله لها قيمة، وأن ما يفعله يترك أثرًا يستحق الاحتفاظ به.
ويرتبط هذا المفهوم عادةً لدى البالغين بمشاعر أوسع مثل الغاية من الحياة والإرث والرغبة في ترك أثر يستمر بعد انتهاء الفعل نفسه، لكن الدراسة الجديدة تطرح احتمالًا بأن جذور هذا الشعور قد تظهر في مواقف أبسط بكثير، وربما في مراحل عمرية مبكرة.
ومن هنا جاءت أهمية إشراك الأطفال إلى جانب البالغين في التجارب، إذ حاول الباحثان معرفة ما إذا كان الشعور بقيمة ما يقدمه الشخص يظهر قبل أن يصبح الإنسان قادرًا على التفكير في مفاهيم كبيرة مثل المستقبل أو الإرث.
مفتاح جديد لفهم الدافع
تكشف النتائج أن الدافع لا يرتبط دائمًا بما يحصل عليه الشخص مقابل جهده، وإنما يمكن أن يرتبط أيضًا بما إذا كان يرى أن جهده سيظل ذا قيمة بعد انتهاء المهمة.
ويقدم ذلك زاوية مختلفة لفهم الحافز؛ فبدلًا من افتراض أن الشخص قليل الجهد يحتاج دائمًا إلى مكافأة أو ضغط إضافي، قد يكون من المفيد أحيانًا أن يشعر بأن ما يفعله له معنى وأن نتيجته لن تذهب سدى.
ولا تعني النتائج أن "الشعور بالأهمية" هو العامل الوحيد الذي يحدد مقدار الجهد، لكنها تضيف إلى فهم الدوافع الإنسانية عنصرًا يتعلق بقيمة الأثر الذي يتركه العمل، وليس فقط بالمكافأة التي يحصل عليها صاحبه.
