ليست الأموال ولا المتعة.. ما مفتاح السعادة الذي اكتشفه العلماء؟
تستند السعادة الحقيقية على ركيزة قد تغفل عنها الأغلب؛ حيث تُظهر دراسة حديثة لعالم النفس جيسون دبليو باين وشريكه أولريش شيماك من جامعة تورنتو أن "الاستقلالية" هي المحرك الأول والأنشط للرضا عن الحياة، متفوقةً بذلك على عمق العلاقات الاجتماعية ومدى الكفاءة الشخصية.
ووفقًا للدراسة المنشورة في مجلة The Journal of Positive Psychology، فإن التحكم بالذات واتخاذ القرارات بحرية تامة ليسا مجرد خيارين عابرين، بل هما المفتاح الأساسي لتعزيز الشعور بالرضا والسكينة، بقطع النظر عما نمر به من تقلبات ومشاعر إيجابية أو سلبية.
واستندت الدراسة إلى مسح شمل 1,200 بالغ تتراوح أعمارهم بين 18 و80 عامًا في كندا والمملكة المتحدة عام 2022.
وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن الاستقلالية كانت العامل النفسي الوحيد الذي رفع الرضا عن الحياة حتى بعد احتساب المشاعر الإيجابية والسلبية الأخرى، وهو ما لم تستطع العلاقات الاجتماعية ولا الكفاءة الشخصية تحقيقه منفردتين.
منظوران في تقييم الحياة
تطرقت الدراسة إلى الخلاف حول مصدر الحياة الجيدة القائم منذ أكثر من 2,300 سنة، حين ناقشه الفيلسوف اليوناني أبيقور وحدد الصداقة ركيزةً أساسية فيه.
وورث علم النفس الحديث هذا الجدل في شكلين رئيسين: الأول هو "المنظور اللذي" الذي يرى أن الرفاهية تعني تعظيم المتعة وتجنب الألم، والثاني هو "المنظور الأدائي" الذي يقول إن الحياة الجيدة تتضمن تجارب ذات قيمة حتى حين لا توفر سعادة فورية، مثل رعاية مريض التي قد تكون مرهقة ومؤلمة لكن معظم الناس لا ينكرون قيمتها.
ولم تنحز الدراسة الجديدة لأي من الجانبين، بل كشفت أن الناس في الواقع يوظفون المنظورين معًا حين يقيّمون حياتهم.
علاقة الاستقلالية بالرضا عن الحياة
استند الباحثان إلى نظرية تقرير المصير التي تحدد ثلاثة احتياجات نفسية جوهرية: الارتباط الاجتماعي أي امتلاك علاقات ذات معنى، والكفاءة أي الشعور بالقدرة على الإنجاز، والاستقلالية أي اتخاذ قرارات طوعية لا مفروضة.
وأظهرت النتائج أن الارتباط الاجتماعي والكفاءة يرفعان الرضا أساسًا لأنهما يولدان مشاعر إيجابية. الاستقلالية تختلف جوهريًا: أثرها يبقى حاضرًا حتى حين تُستبعد المشاعر من المعادلة.
ويقول باين: "حتى بعد احتساب ما يشعر به الناس من إيجابية أو سلبية، فإن من يشعرون باستقلالية أعلى يُبدون رضا أكبر عن حياتهم".
ويفسر هذا الاكتشاف نمطًا سلوكيًا مألوفًا: قبول وظيفة مجهدة لأنها توفر استقلالية مالية وقرارية، أو الانتقال إلى مدينة جديدة بعيدًا عن الأسرة والتاريخ الشخصي.
هذه الخيارات لا تضمن تدفقًا مستمرًا من المشاعر الإيجابية، لكنها تعزز الإحساس بأن الحياة تسير وفق إرادة صاحبها. النتيجة الجوهرية التي خلص إليها الباحثون: الإنسان لا يسأل فقط "كيف أشعر؟"، بل يسأل أيضًا "هل هذه حياتي فعلاً؟".
كيف تؤثر السياسات وبرامج السعادة على حرية الفرد؟
وجّه عالم النفس باين تنبيهًا صريحًا لصنّاع السياسات والبرامج المخصصة لتعزيز السعادة، مؤكدًا أن المبادرات التي تعمل على تحسين المشاعر ولكنها تقيّد خيارات الأفراد قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ما يدفع الأشخاص إلى تقييم حياتهم بصورة أسوأ في المجمل.
وأظهرت النتائج أن سلب حرية الاختيار يقلل من مستوى الرضا العام عن الحياة، حتى وإن صاحب ذلك ارتفاع في الشعور بالراحة المؤقتة.
وفي هذا السياق، علّقت عالمة الإدراك المتخصصة في دراسة الرفاهية بجامعة ييل، لوري سانتوس، مبينةً أن السعادة الحقيقية تنبع غالبًا من الأنشطة التشاركية مع الآخرين والعمل على بناء حياة أكثر شمولاً.
