التأتأة في بيئة العمل.. عوائق التواصل وسبل تجاوزها
قد تنقطع أفكارك فجأة بينما تتحدّث مع زميلك في العمل، ولا تجد الكلمات المناسبة، ثُمّ سُرعان ما تعثر عليها لاحقًا. ولكن الأمر مختلف مع التأتأة؛ إذ قد يتوقّف المرء لفترة طويلة في وسط الكلام، أو ربّما يكرّر مقطعًا من الكلمة قبل أن ينطقها كاملة، وهذا بالطبع له تأثيره في بيئة العمل، والتواصل مع الزملاء، وفرص النموّ المهني، حتى القبول في التوظيف.
في اليوم العالمي للتوعية بالتأتأة، نُعِيد التذكير بتأثير التلعثم في بيئة العمل، وكيف يمكن استعادة التواصل الفعال.
اليوم العالمي للتوعية بالتأتأة
منذ ثمانية وعشرين عامًا (في عام 1998)؛ حُدِّد يوم 22 أكتوبر ليكون اليوم العالمي للتوعية بالتأتأة، بهدف رفع مستوى الوعي العام بشأن التأتأة، التي تؤثِّر في 1% من سُكّان العالم.
ما هي التأتأة وما أبرز علاماتها؟
التأتأة هي اضطراب في الكلام يؤثِّر في إيقاع وسلاسة الحديث، ما قد يؤدي إلى صدور أصوات غير مقصودة، أو انقطاعات وسط الكلام، أو مشكلات أخرى في التحدّث.
ومن الأعراض الرئيسة لها، حسب «Cleveland Clinic»:
- تكرار الأصوات أو المقاطع: يحدث هذا عادةً في المقطع الأول من الكلمة؛ إذ يتكرّر الصوت أو المقطع حتى التمكُّن من نُطق الكلمة كاملة، قبل استئناف الحديث.
- الإمساك بمقاطع أو أصوات مُعيّنة وإخراجها: وهذا يحدث حين يتعثّر المرء في صوت أو مقطع لفظي، ويطيل الصوت لفترة أطول من المقصود.
- توقّفات وسط الكلام: قد يتوقّف المرء لفترة طويلة بشكل ملحوظ عند نقطة في كلمة، بينما لا يكون ذلك ضروريًا.
- الحجب: وهو توقف متكرر؛ إمّا بصمت أو بصوت (مثل «إم») في أثناء التحدّث، وهو الشعور وكأنّ شيئًا يعيق تدفق الكلام.
- تبديل الكلمات: يحدث هذا عندما يتلعثم المرء في كلمة أو عبارة، فينتقل إلى كلمة أو عبارة مختلفة لتجاوزها.
- الإجهاد المفرط: وهذا يعني وضع كثير من الضغط أو التوتر في جزء أو في كلّ الكلمة.
- تكرار الكلمات المكونة من مقطع لفظي واحد: مثل تكرار «أنا» أو «الـ».
لماذا يعاني بعض الناس التأتأة؟
لا أحد يتحدث بطلاقة تامة طوال الوقت، وبين الحين والآخر يقول الجميع أحيانًا «إممم»، أو يُكرِّرون كلمة، أو يتوقفون للعثور على الكلمة الصحيحة، وهذا مختلف عن التأتأة؛ إذ تكون انقطاعات الكلام متكررة، ومؤثِّرة في التواصل والثقة الذاتية.
ويتفق الباحثون على أنّ التأتأة نتيجة مجموعة من العوامل، تضمّ حسب مؤسسة «We Stutter»:
- التطوّر اللغوي: فالتأتأة تبدأ في أغلب الأحيان بين سن الثانية والخامسة، بينما تتطوّر مهارات الكلام واللغة بسُرعة، وبالنسبة لبعض الأطفال تختفي التأتأة طبيعيًا، بينما قد تستمر مع غيرهم، سواء مؤقتًا أو دائمًا.
- العوامل الوراثية: التأتأة تنتقل في العائلات، فالأطفال الذين يتلعثمون في كثير من الأحيان، لديهم أقارب يتلعثمون أيضًا.
- نشاط الدماغ: تكشف دراسات تصوير الدماغ عن اختلافات في كيفية تخطيط الأشخاص الذين يتلعثمون للكلام وتوقيته وتنفيذه. وتشمل هذه الاختلافات زيادة النشاط في النصف الأيمن من الدماغ، بالتزامن مع انخفاض النشاط في مراكز الكلام التقليدية في النصف الأيسر، فضلًا عن اختلافات في اتصالات المادة البيضاء التي تربط المناطق المسؤولة عن الحركة والسمع.
- التأتأة المكتسبة: البالغون أيضًا قد يُصابون بالتأتأة بعد أحداث عصيبة أو نفسية، مثل السكتة الدماغية، أو إصابة الرأس، أو الصدمة العاطفية، أو التوتر.
تأثير التأتأة في فرص التوظيف
لكن التأتأة لا يقتصر ظهورها على الحديث اليومي مع الأقارب، بل تظهر أيضًا في بيئة العمل، وعند إجراء مقابلات العمل للتقديم على وظيفة ما.
وقد وجدت دراسة أجرتها ميلاني هيرست ويوجين كوبر في عام 1983 أنّ 85% من أصحاب العمل، شعروا أنّ التأتأة تقلّل من قابلية توظيف الشخص وفُرص ترقيته.
كما خلصت دراسة أخرى عام 2025 في مجلة اضطرابات الطلاقة «Journal of Fluency Disorders» إلى أنّ سوء فهم أصحاب العمل للتأتأة قد يؤدي إلى إدامة التمييز ضد ذوي الإعاقة، ويُسهِم في التفاوت في التوظيف.
فمقابلات العمل تعتمد بدرجةٍ كبيرة على التفاعل اللفظي، وغالبًا ما يُتوقّع من المتقدمين الرد بسُرعة وثقة على الأسئلة، ومِنْ ثمّ فقد يترك التلعثم انطباعًا غير مثالي لدى أصحاب العمل، كأن يروها علامة على التوتر أو ضعف مهارات التواصل أو ضعف التحضير للمقابلة.
كيف ينعكس أثر التأتأة على الإنتاجية والنموّ الوظيفي؟
لكن لو توظّف المتلعثم في مكان العمل، هل تكون إنتاجيته مثل الآخرين؟ ليس تمامًا، لأنّ تحدّيات التواصل اللفظي قد تخفض المشاركة في الاجتماعات، أو قد تجعل المرء يُحجِم عن الانخراط في المهام التي تتطلّب التحدّث على نطاقٍ واسع، ما قد يؤثِّر في الإنتاجية الإجمالية.
علاوة على ذلك، يعتقد 70% من الأفراد الذين يعانون التلعثم أنّ حالتهم تُقلّل من فرصهم في الحصول على وظيفة أو ترقية، حسب دراسة عام 2004 في مجلة اضطرابات الطلاقة.
وربّما يكون الأمر أكثر وضوحًا لو طُلِب من الموظّف المتلعثم تقديم عرضٍ تقديمي إذا استدعت مهنته ذلك، فالتحدّث أمام الجمهور قد يعزِّز عوائق الكلام، وقد يؤدي الخوف من انتقادات الآخرين إلى تجنّب مثل هذه المسؤوليات، ما قد يحد من النموّ الوظيفي.
عقبات التواصل في بيئة العمل بسبب التأتأة
أيضًا قد يكون التواصل اليومي صعبًا في بيئة العمل؛ إذ غالبًا ما تتطلّب الاجتماعات والمناقشات والمهام التعاونية كلامًا عفويًا، وعند التلعثم، يصعب الإسهام في تلك المحادثات حين يُتوقّع من المرء أن يبادِر بالكلام.
والأمر لا يقتصر على الاجتماعات أو المحادثات الرسمية، بل كذلك في الحوارات الدائرة بين زملاء العمل والمناقشات الجماعية، فقد لا يتمكّن المرء من تكوين علاقات مهنية كما ينبغي، وقد يتجنّب المتلعثم مثل هذه التفاعلات بسبب الخوف من الإحراج وردود الفعل السلبية، ما قد يؤدي إلى العُزلة.
كيف يمكن لأصحاب العمل رصد التأتأة في بيئة العمل؟
قد تكون علامات التأتأة واضحة جدًا في ذهنك، ولكن هناك بعض الطرق التي يمكن للأشخاص إخفاءها بنجاح، لذا قد تتمكّن من كشف حالات التأتأة في مكان العمل من خلال:
- الانتباه إلى الأصوات أو المقاطع أو الكلمات المتكررة في أثناء المحدثة، ورغم إمكانية حدوث ذلك بشكلٍ عارض، فإنّ الأنماط المستمرة قد تشير إلى التأتأة.
- ملاحظة ما إذا كان الموظّف يتردّد أو يتوقف بشكل متكرر في منتصف الجملة.
- الانتباه إلى السلوكات الجسدية المصاحبة، مثل توتر الوجه، أو حركة العين السريعة، أو الانزعاج المرئي خلال الكلام.
- الانتباه إلى الموظف إذا طُلِب منه التحدّث أمام الجمهور، أو في الاجتماعات، أو في العروض التقديمية.
كيف يدعم أصحاب العمل الموظفين المتلعثمين؟
يمكن للمديرين وأصحاب الأعمال دعم الموظفين المتلعثمين من خلال:
- السماح للموظفين باستخدام طرق التواصل التحريرية (مثل البريد الإلكتروني ومنصات الدردشة) عوضًا عن التفاعلات اللفظية، أو إلى جانبها.
- إعطاء وقت إضافي للتحضير قبل التحدّث في الاجتماعات أو العروض التقديمية.
- السماح بطرق بديلة للمساهمة، مثل تقديم الأفكار كتابيًا بدلًا من التحدث على الفور.
- إجراء تدريب في مكان العمل بشأن التأتأة لمساعدة الموظفين على فهم الاضطراب وكيفية التفاعل باحترام مع الزملاء الذين يُعانون التأتأة.
- تعزيز مبادرات التوعية من خلال الاحتفال باليوم العالمي للتوعية بالتأتأة.
كيف يمكن استعادة التواصل الفعال رغم التأتأة؟
أمّا بالنسبة للموظف الذي يعاني التأتأة، فقد يتمكّن من تحسين تواصله مع الآخرين عن طريق:
- التحضير المناسب: فهو الخطوة الأولى قبل الاجتماعات أو العروض التقديمية لتقليل الضغط وزيادة الثقة، وربّما يُنصَح أيضًا بممارسة تقنيات الكلام المُتعلَّمة في جلسات العلاج بالنُطق.
- إبطاء وتيرة التحدّث: يُعدّ إبطاء وتيرة الكلام وسيلة مفيدة أيضًا، لأنّه يسمح بتحكّم أكبر في التنفّس والنطق، ما قد يقلل من تكرار اضطرابات الكلام.
- إعلام الآخرين بالحالة: فالتواصل المفتوح مع الآخرين بشأن التأتاة يسمح للآخرين بفهم المشكلة، ومن المرجّح أن يتحلوا بالصبر، ويُخصِّصوا وقتًا كافيًا للتحدّث.
- بناء الثقة: أيضًا بناء الثقة من خلال الخبرة ضروري، بالمشاركة في الاجتماعات والمناقشات، حتى عندما تكون صعبة، فهذا يساعد على بناء المرونة ومهارات التواصل بمرور الوقت.
ختامًا، لا ينبغي الحُكم سريعًا على من يجد صعوبة في الكلام، بل تفهُّم المشكلة وتقييم المهارات الحقيقية التي يمتلكها المُصاب بالتأتأة، كي تكون الفائدة مزدوجة لبيئة العمل والموظّف كذلك.
