متلازمة المحتال في العمل.. لماذا يشكّ الناجحون في كفاءتهم؟
لم تكد تنتهي من مهمتك الأخيرة التي كُلِّفت بها في العمل، إلّا وتسابقت الأفكار السلبية تنهمر عليك واحدة تلو الأخرى، تُرى أيقبل المُدِير ما أنجزته؟ ماذا لو لم يكُن ما فعلته كافيًا؟ ماذا لو قُوبِلت بالرفض؟
نعم أسئلة تبدو منطقية في ظاهرها لأي موظّف مجتهِد في عمله، ولكن هل هي منطقية حتى لو كان هذا الموظّف هو الأبرع بشهادة الآخرين في تلك المهمات ولكنّه الوحيد الذي لا يرى ذلك؟
تلك هي متلازمة المحتال، التي تسلب المرء ثقته بنفسه وبكفاءته في العمل، حتى لو تلقّى ثناءً على ما يُقدِّمه، وبمرور الوقت تتحوّل رغبته في إتقان كلّ مهمة إلى استنزافٍ لإنتاجيته وتراجُعٍ لأدائه، فعلى من تقع المسؤولية في ذلك الموظفين أم الشركات؟ وكيف يتعاون كل منهما لتجاوز تلك المتلازمة؟
ما هي متلازمة المحتال في العمل؟
متلازمة المحتال هي نوع من التشوّه المعرفي، يتسّم بالشكّ في الذات، وغياب الثقة في النفس، والظنّ بأنّ المرء غير كفء في عمله، وربّما الشك في قدراته الخاصّة، رغم الإنجازات التي يحقّقها بالفعل.
ولكن مهما كان حجم الإنجازات، لا يزال المرء يرى نفسه غير كافٍ أو لم يرقَ بعد إلى مستوى التوقعات، وحتى لو أخبره زملاؤه أنّه ناجِح بالفعل، فإنّه قد يعزو ذلك إلى أنّه محظوظ، وليس لأنّه أدّى ما عليه حقًا.
أكثر مما تعتقد.. إلى أي مدى تنتشر متلازمة المحتال في بيئات العمل؟
أشارت دراسة عام 2019 في مجلة "Journal of General Internal Medicine" إلى أنّ متلازمة المحتال تؤثّر في نحو 70% من الأشخاص في مرحلةٍ ما من حياتهم المهنية.
وهي ليست حكرًا على الموظفين وحدهم، إذ تؤثِّر المتلازمة في نحو 71% من الرؤساء التنفيذيين، و65% من كبار المديرين التنفيذيين، حسب بحثٍ أجرته شركة الاستشارات "كورن فيري" عام 2025.
وحسب بحثٍ آخر منشور عام 2024 في مجلة "Current Research in Behavioral Sciences"، فإنّ متلازمة المحتال أكثر انتشارًا إلى حد ما بين النساء، مقارنةً بالرجال، ومع ذلك فإنّ الرجال ليسوا في مأمن من تلك المتلازمة.
دورة المُحتال.. كيف يسقط الموظّف في دوامة تستنزف جهده؟
غالبًا ما تتبع متلازمة المحتال نمطًا يمكِن توقّعه، وعادةً ما يمرّ بتلك الدورة:
- يُكلّف الموظّف بمشروعٍ أو تحدٍ جديد، قد يُثِير قلقًا وشكًّا ذاتيًا لديه.
- قد يُبالِغ الموظّف في التحضير للمشروع أو ربّما يُؤجِّله، فهو قلِق، ومِنْ ثمّ يعمل بجهدٍ أكبر من اللازم أو يؤجّل المهمة المطلوبة إلى اللحظات الأخيرة.
- بعد إكمال المهمة، يُسلِّم الموظف عمله، وينعم بلحظات قليلة من الراحة.
- بدلًا من أن يشعر الموظّف بإنجازه، فإنّه يُقلّل من نجاحه، ويبحث له عن أسباب خارجية.
ولأنّ الموظّف لم يربط نجاحه بقدراته الفعلية، فإنّ ثقته بنفسه تظلّ منخفضة، ومِنْ ثمّ إذا أُسنِدت إليه مهمة أخرى، تبدأ دورة المحتال مجددًا، ما يجعله يشعر دومًا بأنّه مُحتال وعلى وشك أن يُكشَف أمره!
أنواع من يرون أنفسهم مُحتالين في العمل
المُصابون بمتلازمة المحتال ليسوا على درجةٍ واحدة، بل يمكِن تقسيمهم إلى خمسة أنواع حدّدتها الدكتورة "فاليري يونج" الخبيرة المعروفة دوليًا في هذه المتلازمة:
- الكماليّ أو المثالي (Perfectionist): هو شخص يسعى إلى الكمال، ويصبُّ تركيزه الكامل على كيفية القِيام بالشيء بدلًا من التركيز على النتيجة النهائية، ورغم أنّه يتلقّى ثناءً مُستحقًا على عمله، فإنّه لا يرى كفاية ما فعله، ويعتقد أنّه كان يقدر على القيام بما هو أفضل.
- الخبير (Expert): حين يصبِح المرء أكثر اهتمامًا بـ"ماذا" و"كم" يعرف أو يمكنه فعله، وعندما يُوضَع في موقف يكتشف فيه أنّ لديه نقصًا طفيفًا في المعرفة، فإنّ شعور الفشل يجتاحه، رغم الخبرة التي يتمتّع بها.
- العبقري بطبيعته (Natural Genius): يقيس الفرد من هذا النوع كفاءته بمدى سُرعة وسهولة إنجاز المهمة، ومِنْ ثمّ فإنّه يساوِي بين عدم فهمه لموضوعٍ ما أو أداء مهارةٍ ما بنجاح في المرة الأولى بالفشل.
- العازِف المنفرِد (Soloist): يعتقد أنّه يجب أن يكون هو من يقوم بكلّ شيءٍ بمفرده، لذا قد يظنّ أنّ طلب المساعدة أو الحاجة إليها علامة ضعف.
- الفوق بشري أو الخارِق (Superhuman): امرءٌ يقِيس نجاحه من خلال عدد الأدوار التي يمكِنه التوفيق بينها، بل إتقانها، فقد يشعر بالذنب والخجل حين يُخفِق في أي دورٍ يُسنَد إليه، حتى لو كان متفوقًا في أدواره الأخرى.
كيف تبتلع المثالية إنتاجيتك؟
قد تختلس متلازمة المحتال من إنتاجيتك؛ إذ إنّها تُضِيف أوقاتًا إضافية إلى أوقات العمل، فالعديد من الأشخاص الذين يعانون تلك المتلازمة يقضون عدّة ساعات أسبوعيًا في الإفراط في التحضير للاجتماعات، أو تحرير رسائل البريد الإلكتروني بهوس، أو محاورة أنفسهم بين الحين والآخر للتأكّد من أنّهم لم يرتكبوا شيئًا خاطئًا.
وحسب منصّة "People Management"، فإنّ هذا قد يؤدي إلى فقدان الإنتاجية لمدة تصل إلى 10 أيام كاملة لكل موظف سنويًا، ما قد يؤثّر في الأداء العام للشركات.
التغيّب عن العمل والتكلفة الصحية
كذلك ثمّة تكلفة صحية نادرًا ما تُحتسب، وهي نتيجة المتلازمة، مثل زيادة أيام المرض الناجمة عن الأمراض المرتبطة بالتوتر، والتكاليف المرتبطة بالتوتر المزمن ذاته.
كما قد يُسهِم التوتر والقلق المرتبطان بالمتلازمة في التغيّب عن العمل؛ إذ يأخذ الموظفون في المتوسط يومًا مرضيًا إضافيًا سنويًا بسبب آثارها، والتأثير الأكبر في الموظفين الأصغر سنًا؛ إذ يحصل الموظفون من الجيل Z على نحو 2.6 يوم مرضي إضافي سنويًا.
العزلة الاجتماعية وفقدان الفرص
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ المُصاب بمتلازمة المحتال قد يضع نفسه في عُزلة عن مُجتمعه؛ إذ هو لا يقبل ثناءً من أحد، كما لا يُخبِر أحدًا بالجهد الذي يبذله، وبين هذا وذاك، قد تضيع فرص الإرشاد من الزملاء الأكثر خبرة أو حتى التعاون في تعزيز كفاءته.
كيف ترسّخ بعض الشركات متلازمة المحتال في العمل؟
أحيانًا تنبع متلازمة المحتال من الظروف التنظيمية لمكان العمل، فهناك أنماط مُحدّدة قد تعزّز المتلازمة، منها على سبيل المثال:
1. ردود الفعل السامّة
إذا لم يكُن هناك رد فعل واضح لما تصنعه في العمل، فإنّك ستُخمِّن تلقائيًا ما إذا كان ما فعلته ناجحًا أم لا، وتلك الحالة من عدم اليقين هي المُحرِّك الرئيس للنقد الداخلي لديك، وافتراض أسوأ الاحتمالات.
2. ثقافة المقارنة والأنظمة التنافسية
قد يؤدي التصنيف الهرمي للموظفين أو لوحات المتصدرين المرئية إلى خلق بيئة مواتية لمتلازمة المحتال، ويقظة مفرطة لدى كلّ عامل بشأن كيفية قياسه من منظور الشركات.
فلا تكتفي مثل هذه الأنظمة بإثارة مشاعر المحتال لدى من يعانون المتلازمة بالفعل، بل يمكِن أن تُعزّز الشكّ الذاتي لدى أصحاب الأداء العالي؛ إذ يخشون أن يُوحِي أي تراجُع في المؤشّرات بأنّهم أقل قدرة مما هُم عليه.
3. الغموض الهيكلي والتوقعات غير الواضحة
إذا لم تكُن هناك مؤشّرات واضحة للنجاح في بيئة العمل، فسوف تفترض تلقائيًا أنّك مُقصِّر، وهذا الغموض يخلق قلقًا مستمرًا في النفْس، وقد يصل إلى الشكّ في الذات. فعندما لا تكون قواعد العمل واضحة، يفترض المصابون بمتلازمة المحتال أنّ الآخرين قد تلقّوا دليل العمل الذي فاتهم بطريقةٍ أو بأخرى.
4. فجوة الانتماء
إذا كُنت تنفرد بشيء في مكان عملك، سواء من ناحية العُمر أو الخلفية أو أي تصنيف آخر، فقد يتعزّز الشعور لديك بأنّك لا تنتمي إلى هذا المكان، فربّما تندر رؤيتك لأشخاصٍ مثلك في القيادة أو الأدوار المشهورة، ومِنْ ثمّ يبدو الأسهل أن تُصدِّق أنّك تسلّلت إلى مقعدك الوظيفي الحالي، بدلًا من أن تعتقد أنّك استحققت مكانك.
وهذا مرتبِط مباشرةً بتدنّي احترام الذات؛ إذ إنّ المرور بتجارب مستمرّة تكون فيها غريبًا عمن حولك، قد يُفضِي إلى تآكل إحساسك بقِيمتك بمرور الوقت، ومِنْ ثمّ تجِد المتلازمة طريقها إليك.
كيف تستعيد إنتاجيتك وتتغلّب على المتلازمة؟
سواء رسّخت بعض أنظمة العمل تلك المتلازمة أم لا، قد تساعدك النصائح الآتية على تجاوز المتلازمة واستعادة إنتاجيتك وتوازنك النفسي:
- تحدَّى الأفكار السلبية: أولًا ينبغي أن تعترف بالأفكار السلبية التي تجول بخاطرك، ثُمّ أن تُدرِك أنّها لا تستند إلى الواقع، وأنّك بالفعل تُحقّق ما تستحقّ الثناء عليه.
- سجّل أي ثناء أو تعليقٍ إيجابي: قد تتركك متلازمة المحتال حائرًا، ولا ترى أي مدحٍ تتلقاه إلّا نوعًا من المجاملة أو المصادفة، ولكن للتغلب على ذلك، تذكّر ردود الأفعال الإيجابية السابقة التي تلقّيتها في الماضي، وبالأحرى استخدِم الحقائق لتجاوز ما تشعر به.
- كُن واقعيًا: قد تدفعك متلازمة المحتال إلى القيام بكلّ شيء، حتى ما لا يمكِنك القيام به، وما ذلك إلّا لإثبات قِيمتك، لكن حدّد دائمًا أهدافًا واقعية قابلة للتحقيق، ولا تنجرف نحو المثالية.
كيف يخلق المديرون بيئة تقلّل حدة المتلازمة؟
بقي دور المديرين في إنقاذ موظّفيهم من تلك المتلازمة، ولعلّ في النصائح الآتية ما يساعد على ذلك:
1. الاستفادة من التقييمات التي تُظهِر نقاط القوة
أحيانًا تصبِح متلازمة المحتال مؤشرًا على أنّ الموظف يشعر بالإرهاق بسبب مسؤولياته أو يحتاج فقط إلى من يُذكِّره بنقاط قوّته، لذا استخدِم التقييمات المُستنِدة إلى نقاط قوّة الموظف، وتحاور معه بين الحين والآخر بشأن تلك النقاط وبالاستناد إلى أدلّة ملموسة تدعم مديحك له.
وفي خضم هذه المحادثات، يمكنك تحديد أهداف أسبوعية وشهرية ليتسنّى للموظف تحقيقها ويمكنك مراجعتها معه حين يُنجِزها.
2. خلق بيئة آمنة لطلب المساعدة عند الحاجة
إذا شعر الموظّف بأنّه مُحتال، فغالبًا لا يعترف بحاجته إلى المساعدة أو التوجيه في المهام المتعلقة بالعمل، وبدلًا من ذلك، قد يبذل جهدًا كبيرًا لإخفاء أي عيوب يراها في نفسه.
لذا ينبغي أن تكون هناك مساحة آمنة للموظفين لطلب المساعدة إذا احتاجوا إليها، كما ينبغي أن يكون المديرون على علاقة موثوقة بالموظفين لمناقشة مثل هذه الأمور النفسية، وحالة الشكّ الذاتي التي لا يجد الموظف من يبوح له بها.
3. إعطاء الأولوية للصحة النفسية للموظفين
ليس فقط لأنّ المتلازمة قد تؤثّر في الإنتاجية، ولكن للوقاية على الأمد الطويل؛ إذ إنّ متلازمة المحتال تجعل الفرد أكثر عرضة للإصابة بمشكلات نفسية؛ كالقلق والاكتئاب، ما قد ينعكس على الإنتاجية والمسيرة المهنية، لذا ينبغي للشركات إنشاء برامج تعزّز الرفاهية النفسية للموظفين وتعطِيها الأولوية قدر الإمكان.
ختامًا، تظلّ متلازمة المحتال حبيسة أذهان الموظفين، تنعكس على أدائهم وربّما تتسبّب في تراجُع إنتاجيتهم، وقد يُرسّخ ذلك بعض الأُطر التنظيمية في العمل، ولكن ينبغي للمرء دائمًا أن يُذكِّر نفسه بما حقّقه وأن يكون واقعيًا في أهدافه، وأن تخلق الشركات بيئة لا تعزّز تلك المتلازمة.
