التوتر والإنتاجية: 5 حلول تحفظ التوازن
يتغيّب نحو مليون أمريكي يوميًا عن العمل لا لشيءٍ إلّا بسبب ضغوط العمل، فالتوتر الذي يصِيب الإنسان في مكان العمل أشبَه بلهيبٍ صامت ينتشر تدريجيًا بين زملاء العمل.
فلا ينعكس التوتر الزائد على إنتاجية المرء، ولا على صحته النفسية والجسدية فحسب، بل يمتدّ للتأثير في إنتاجية الشركات وربّما يسبّب لها خسائر مالية أيضًا.
لذا فإنّ تحقيق التوازن بين التوتر والإنتاجية ليس من قبيل الترف، بل هو أولوية قصوى للموظف والشركات على حدٍ سواء، وهذا ما نتناوله في السطور الآتية.
هل التوتر عدو الإنتاجية حقًا؟
بدايةً ينبغي أن تدرِك أنّ التوتر ليس على مستوى واحد، وأنّه ليس بالضرورة ضار بالإنتاجية.
فقد أشارت دراسة عام 2024 في مجلة "PLOS ONE" إلى أنّ مستويات التوتر المعتدلة ترتبط بزيادة الإنتاجية والمزاج الإيجابي بين الموظفين.
وهذا يدعم "قانون يركس-دودسون"، الذي يصف كيف يتحسّن الأداء مع الإثارة الفسيولوجية أو النفسية حتى نقطة مثالية قبل أن ينخفض مع التوتر الزائد.
ومع ذلك، فإنّ التوتر المزمن له تأثير عكسي؛ إذ قد يُضعِف الإنتاجية والأداء الوظيفي، ويقلّل التوازن بين العمل والحياة الشخصية.
متى يتحول التوتر إلى عائق أمام الإنتاجية؟
ليس من السهل معرفة متى أثّر التوتر في إنتاجيتك، وقد أشار استطلاع عام 2023 نشرته جمعية علم النفس الأمريكية إلى أنّ الموظّفين الذين يعانون التوتر المفرط وضعف التوازن بين العمل والحياة الشخصية، غالبًا ما يبلّغون عن إرهاق دائم رغم حصولهم على ما يكفي من الراحة.
كذلك أفادوا بمعاناتهم من الإرهاق من المهام الممتعة سابقًا، وانخفاض التركيز، وسُرعة الانفعال مع زملاء العمل أو العائلة، بالإضافة إلى التسويف المتكرّر لأنّ المهام تبدو شاقة.
كذلك ثمّة بعض العلامات التي توضّح متى يكون التوتر قاتلًا لإنتاجيتك، ومن أهم تلك العلامات وفقًا لموقع "Business":
1. نقص طاقتك
التوتر المعتدل يمنحك دفعة من الأدرينالين، تدفعك إلى تحقيق أفضل أداءٍ لك، ولكن مع استمرار التوتر، فإنّ طاقتك تُستنزَف على هذا المنوال، فتجد نفسك مرهقًا جسديًا ونفسيًا، ومِنْ ثمّ لا تمتلك ما يكفي من الطاقة البدنية والعقلية لأداء عملك بالصورة التي كُنت تؤدّيها سابقًا.
2. قلّة التركيز
يتطلّب الإنتاج الجيد تركيزًا عاليًا، ولكن إذا أخذ التوتر زمام عقلك، فمن الصعب أن تركّز على المهمة التي أمامك، لأنّ تركيزك مقتصِر على ما يُسبِّب التوتر لك.
3. القلق المستمر
ربّما تنشغل بالقلق من شيء يمكن أن يحدث، فالتوتر هو ما يشعِل هذا النمط من التفكير؛ إذ يجعلك تقلق بشأن شيء قد يحدث أو لا يحدث، وهذا الوقت الضائع المُستنزِف لطاقتك، كان من الممكن أن تقضيه في مهام أكثر إنتاجية.
4. تراجُع الإبداع
التوتر يُشتِّت العقل، فلا تقدر على التركيز في طرق جديدة للتفكير.
يقول الدكتور "ماكس دوشاي" الرئيس التنفيذي والمؤسّس المشارِك لمركز "مونيما الصحي": "قد يعاني بعض الموظفين حملًا معرفيًا (ذهنيًا) زائدًا، ما يضعِف تمامًا قدرتهم على الإبداع واتخاذ قرارات مستنيرة".
5. تغيّر شخصيتك
لا يؤثّر التوتر في إنتاجية العمل فحسب، بل يمتدّ أثره إلى شخصيتك، فمثلًا قد تهاجِم أقرانك دون أن تدرك ما تفعله، أو قد تغضب وتصرخ على الآخرين بينما لم تكُن كذلك في السابق.
وعندما تكون غاضبًا أو متقلّب المزاج، فإنّ ذلك يؤثّر في قدرتك على الإنتاج، كما يؤثّر أيضًا في قدرة الزملاء على الإنتاج في العمل.
هل يلتهم التوتر إنتاجية الشركات؟
أحد الآثار الشائعة للتوتر هو التغيّب عن العمل بما يؤثّر في الإنتاج الإجمالي للشركة، فمثلًا ذكر المعهد الأمريكي للتوتر أنّ نحو مليون أمريكي يأخذون إجازة كل يوم بسبب ضغوط العمل.
فالأعراض المرتبطة بالتوتر، مثل صعوبة النوم وارتفاع ضغط الدم والصداع، قد تدفع الموظّفين الأكفاء إلى استغلال أيامهم المرضية.
ويوضّح "ستيف كارلتون" كبير المسؤولين السريريين في "Porch Light Health" أنّ: "التوتر في مكان العمل يمكن أن يؤثّر في أداء الفريق والنمو التنظيمي، لأنّه ليس مجرد مشكلة فردية".
ويضِيف أيضًا: "يشهد الموظفون الذين يعملون تحت الضغط انخفاضًا في معنوياتهم وجهودهم التعاونية، ما يقلّل من فرص نجاح الفريق".
متى يكون التوتر السبب في تراجُع إنتاجية الشركات؟
ليس كثرة التغيّب وحدها بين الموظفين العلامة الوحيدة لتأثير التوتر في الموظفين وإنتاجية الشركات على حدٍ سواء، بل ثمّة علامات أخرى، مثل:
1. دوران العمالة
قد يؤدي التوتر في الشركة إلى قلق الموظفين الذين يرغبون في الحصول على وظيفة أقل إرهاقًا، وبنهاية المطاف يؤدي ذلك إلى زيادة عدد الموظّفين الذين يستقيلون، وهذا بدوره يجبِر الشركات على تخصيص مزيدٍ من التمويل والوقت لتوظيف وتدريب موظّفين جدد.
2. التأخير
يُوجَد في كل شركة تقريبًا عدد من الأشخاص لا يلتزمون بالمواعيد، ولكن عندما يبدأ الموظفون الذين يلتزمون بالمواعيد عادةً في التأخير أيضًا، فقد يكون ذلك مؤشرًا على التوتر.
وربّما يرجع ذلك إلى أنّ التوتر والقلق غالبًا ما يؤثِّران في جودة النوم، ما قد يزيد صعوبة الاستيقاظ في الصباح.
3. ضعف العلاقات بين الأقران
يمنع التوتر أيضًا الأشخاص المتصفين بالنشاط في المحادثات من التفاعل مع أقرانهم، ويرجع ذلك غالبًا إلى ميلهم إلى عزْل أنفسهم وفقدانهم للطاقة اللازمة لإجراء المحادثات الودّية العابرة. وهذا النقص في التواصل والعلاقات قد يؤثّر بلا شك في إنتاجية الشركة ككل.
4. انخفاض جودة العمل
كذلك قد يتسبّب التوتر في الإرهاق وانخفاض الحماس والانسحاب من الآخرين، وهذا كلّه يمكِن أن يؤثّر بدرجة كبيرة في الإنتاجية وجودة العمل.
يقول "إيه كيه إيكواكور" الرئيس التنفيذي لشركة "The Next Right Move" و"LeadLyft": "إنّ عواقب التوتر غير المنضبط تخلق تحديًا صامتًا داخل المؤسسات". واستشهد بالأبحاث المرتقبة لشركته، مشيرًا إلى أنّ تدهور أداء العمل والعلاقات المتضررة وتدهور الرفاهية الصحية غالبًا ما يمر دون أن يلاحظه أحد حتى تظهر مشكلات خطيرة.
كيف تحقق التوازن بين التوتر والإنتاجية؟
إيجاد التوازن لا يعني تقسيم الحياة إلى نصفين بين العمل والحياة الشخصية، ولكن يتعلّق باتخاذ خيارات تحافظ على طاقتك ورفاهيتك الصحية، وفيما يلي بعض الاستراتيجيات لإعادة شحن طاقتك وتحقيق التوازن المأمول:
1. جدولة وقت للتوقف عن العمل
يؤكّد بحث نُشِر عام 2012 في مجلة السلوك التنظيمي أنّ جدولة وقت التوقف عن العمل عمدًا، مثل أخذ فترات راحة مناسبة والانفصال عن العمل خارج ساعات العمل، يجدد الطاقة ويعزّز الإنتاجية من خلال السماح بالانفصال النفسي عن متطلّبات العمل بعض الوقت.
2. وضع حدود واضحة
الحدود ضرورية، سواء على المستوى التنظيمي أو الفردي؛ إذ تساعد ساعات العمل الواضحة واحترام الوقت الشخصي في التقليل من الآثار السلبية للتوتر المزمن على الإنتاجية، ولذلك لا ينبغي الاستجابة لطلبات العمل خارج الساعات المشروعة له، بل ينبغي الحزْم في وضع الحدود.
3. التركيز على المهام عالية التأثير
لا تحاول معالجة كل شيء مرة واحدة، وإنّما يُفضّل التركيز على المهام ذات التأثير العالي، فهذا يرتبط بزيادة الرضا الوظيفي وتحسين الأداء.
4. الدعم الاجتماعي
إنّ بناء الدعم الاجتماعي، مثل التواصل مع الزملاء أو وجود مدِير يقدر أهمية الوقت الشخصي، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنتاجية العالية والتوازن بين العمل والحياة الشخصية، خصوصًا في بيئات العمل عن بُعد أو بيئات العمل الهجينة.
5. قيّم ذاتك بانتظام
قد يساعد التقييم الذاتي المنتظِم -بينما تفكّر في مستويات التوتر لديك وأعباء العمل- في تحديد متى يجب إجراء تغييرات قبل أن يسحق التوتر إنتاجيتك تمامًا، ما يسمح بإجراء تغيير استباقي للحفاظ على صحتك النفسية وإنتاجيتك.
ختامًا، ينبغي للمرء أن يهتم بمعرفة متى يكون التوتر مؤثّرًا سلبيًا في إنتاجيته، فقليل من التوتر قد يدفع الإنتاجية للقمة، ولكن الكثير منه قد يهوي بها.
ولذلك ينبغي أن يكون هناك أوقات استراحة خلال العمل، مع وضع حدود واضحة تفصل العمل عن الحياة الشخصية. كما ينبغي للشركات أن توفّر بيئات عمل تعطِي الأولوية للسلامة النفسية للموظفين.
