اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في العمل.. كيف يؤثر في الإنتاجية وأفضل طرق التعامل معه؟
تشتُّت وإلهاء مستمر، وعدم التزام بتسليم مهام العمل في موعدها المُفترَض، ثُمّ إنتاجية آخِذة في التراجُع، ليس لأنّ الموظّف كسول أو لا يرغب في العمل، وإنّما ببساطة لأنّه مُصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. نعم هو ذلك الاضطراب الذي يجعل المرء مشتتًا لا يقدر على توجيه تركيزه على مهمة بعينها يحاوِل إنجازها، بالإضافة إلى سرعة الشعور بالملل.
يُقدَّر انتشار هذا الاضطراب بين 3.1% من البالغين على مستوى العالم، ما قد يترك آثارًا خفية على الموظفين والشركات على حدٍ سواء.
فكيف يتمكّن المصاب بهذا الاضطراب من تعزيز إنتاجيته؟ وكيف يتسنّى للمُديرين استخراج أفضل ما لدى موظّفيهم في تلك الحالة؟
ما هو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)؟
لا يعني اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أنّك تفتقر إلى الانتباه بالضرورة، ولكن يعني أنّه من الصعب عليك أن تتحكّم في انتباهك أو أن تُركِّز على مهمة مُعيّنة، كما قد يكون من الصعب على المُصاب بهذا الاضطراب أن يجلس ساكنًا، بالإضافة إلى سلوكات اندفاعية تظهر عليه بين الحين والآخر.
تأثير اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في العمل
يمكِن لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أن يؤثِّر في العمل بصورٍ مُختلفة، منها على سبيل المثال:
- صعوبة الالتزام في الاجتماعات: فإذا لم يكُن المرء قادرًا على الجلوس ساكنًا خلال الاجتماعات، فقد تكون مُزعِجة للغاية بالنسبة له.
- تسويف المهام وصعوبة التركيز: كذلك لو كان المصاب يعمل في مكتب، فإنّ الضوضاء المحيطة به والحركة الإضافية من وقت لآخر قد تجعل مسألة التركيز شاقّة، ولو كان عمله متعلقًا بالأعمال الورقية والمهام الروتينية، فإنّ الملل يسري إليه سريعًا، وربّما يؤجِّل مهام ينبغي إنجازها في أقرب وقت.
- نسيان المواعيد النهائية: كذلك من الطبيعي أن يواجِه المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبة في تذكّر المواعيد النهائية لتسليم المهام المطلوبة منهم.
- نوبات الغضب: قد لا يُحكِم المصاب بهذا الاضطراب السيطرة على انفعالاته، ومِنْ ثمّ فقد ينفجر غاضبًا خلال أوقات العمل.
- التأثير في بيئة العمل: أيضًا من سمات هذا الاضطراب أنّه يمكِن أن يجعل المرء صريحًا جدًا، أو يتحدّث كثيرًا، أو يُقاطِع شخصًا يتحدّث، ما قد يؤثِّر في علاقته بزملائه في العمل، وينعكس أيضًا على بيئة العمل عمومًا.
خطورة ترك الموظفين المصابين باضطراب ADHD دون علاج
حسب جمعية اضطراب نقص الانتباه (ADDA)، فإنّ أبرز الأخطار التي تواجِه العاملين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه:
1. ضعف الإنتاجية
توصّلت دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية -نُشرت عام 2009 في مجلة الطب المهني والبيئي "Journal of Occupational and Environmental Medicine"- إلى أنّ البالغين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، يفقدون في المتوسّط 22 يومًا من الإنتاجية سنويًا عند تركهم دون علاج.
وربّما يعود ذلك إلى التشتّت الذي يعانيه المصاب بهذا الاضطراب؛ إذ لا يكون من السهل التركيز على المهام المطلوبة، وغالبًا ما يتشتّت الانتباه بين أفكارٍ متعدّدة غير مرتبطة بالمهمة المطلوبة، ما ينعكس على الإنتاجية بنهاية المطاف.
2. فقدان الوظيفة
يُعدّ الموظفون المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أكثر عرضةً بنسبة 30% للإصابة بمشكلات التوظيف المزمنة، بل وأكثر عرضةً بنسبة 60% للفصل من الوظيفة، بل أكثر عرضة بثلاث مرات لترك الوظيفة تهورًا، حسب البحث المنشور عام 2008 في مجلة اضطرابات الانتباه "Journal of Attention Disorders".
3. الوصمة اللاحقة بالمصابين
قد يتعرّض المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلى التنمّر من قِبل الآخرين، وفقدان الترقيات، وربّما إنهاء مشوارهم الوظيفي، حسب ما كشفه استطلاع لجنة مكان العمل التابعة لـ"ADDA" للفترة 2014 - 2015، ومِنْ ثمّ فقد يعاني المصابون بهذا الاضطراب ضغوطًا شديدة، كما قد يعملون بجهدٍ أكبر لتجاوز تحدّيات الإنتاجية التي تقف حجر عثرة أمام إتمام مهامهم.
الخسائر الاقتصادية الناجمة عن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه
لا يترك هذا الاضطراب بصمته في بيئة العمل وحدها، بل يمتدّ ليؤثِّر في الاقتصادات الدولية أيضًا، فمثلًا وجدت مراجعة للبيانات التجريبية من الدراسات الأمريكية بشأن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بين يناير 1990 و30 يونيو 2011، أنّ هذا الاضطراب ترك أثرًا كبيرًا على الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا في حالة البالغين المصابين، وخصوصًا في مكان العمل.
وقد راوحت التكاليف السنوية الإجمالية لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من 143 إلى 266 مليار دولار، وتكبّد البالغون 105 إلى 194 مليار دولار، مقارنةً بالأطفال والمراهقين (38 إلى 72 مليار دولار).
وبالنسبة للبالغين، كانت فئة التكلفة الأكبر هي خسائر الإنتاجية والدخل؛ إذ راوحت بين 87 إلى 138 مليار دولار.
هل يحمل اضطراب ADHD أي تأثير إيجابي في العمل؟
رغم كلّ ما سبق، فإنّ المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قد ينجذبون أكثر نحو الوظائف التي تتضمّن عنصرًا إبداعيًا، أو التي تتضمّن قدرًا كبيرًا من الحركة، أو تلك التي ليس فيها كثير من أعباء العمل المتكدّسة أو المهام المتكرّرة المملة.
وحسب منصّة "Psychology today"، أفاد عديد من المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أنّ المهن في الفنون أو التعليم أو الرعاية الصحية أو صناعة الأغذية، تسمح لهم باستغلال نقاط قوّتهم وتقليل التحدّيات المرتبطة بالاضطراب.
ولكن في النهاية، يمكِن للمصابين بهذا الاضطراب أن ينجحوا أو يخفِقوا في أي وظيفة؛ فالمهنة المثالية لأي شخص تعتمد على مزيجٍ فريد من السمات الشخصية ونقاط القوة والضعف واهتماماته قبل أي شيء.
طرق تحسين الإنتاجية والاستقرار الوظيفي رغم اضطراب ADHD
التركيز صعب وإتمام المهام شاقٌ، والإنتاجية في أدنى مستوياتها، والأمان الوظيفي في خطر داهِم، ومِنْ ثمّ يحتاج المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلى طرق مُحدّدة تعِينه على الحفاظ على إنتاجيته وإنجاز مهامه بأفضل شكلٍ ممكن.
وإلى جانب العلاج المُختصّ، قد تساعد النصائح الآتية المُقدَّمة من "Webmd":
- الروتين: نعم الروتين ممل لأي شخص، ولكن يمكِن للمصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أن يُنشِئ جدولًا زمنيًا، وقوائم المهام الكُبرى مُقسَّمة إلى مهام أصغر يمكِن إكمالها كل 30 دقيقة، كي يظلّ متحفّزًا لإنهاء مهامه.
- تجربة شيء جديد: دماغ المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه تملّ سريعًا، ومِنْ ثمّ فالتغيير وتجربة أمور جديدة مطلوب دائمًا، مثل تغيير مكان العمل، أو الاستماع إلى كُتب صوتية أو بودكاست في أثناء إكمال مهمة روتينية.
- المكافآت: مكافأة صغيرة بين الحين والآخر لن تضرّ، بل على العكس سيُحفِّز المُصاب بهذا الاضطراب على إنجاز مهامه، وليس شرطًا أن تكون المكافأة الذاتية شيئًا كبيرًا، بل حتى فنجان من القهوة يُمتِع المرء أو الخروج في نزهة قصيرة قد يفي بالغرض.
- المساحة الشخصية: ما دام المرء يتشتّت انتباهه كثيرًا في مكان العمل، فربّما ينبغي أن يخلق مساحة شخصية بعيدة عن الأشخاص والأشياء التي تُشتّت انتباهه، حتى لو اضطر إلى أخذ حجرة صغيرة له إن أمكن ذلك.
- التدرّب على تحسين التواصل: يمكِن أن يستفيد المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من رأي المدير أو الزملاء بشأن طريقة تواصله، وكيف يمكِن أن يحسّنها، كما يُنصَح بالتدرّب على الإشارات الاجتماعية، مثل لغة الجسد أو نبرة الصوت، لفهم أفضل طرق الاستجابة.
كيف يستخرج المُديرون أفضل ما لدى الموظف المصاب باضطراب ADHD؟
حسب جمعية اضطراب نقص الانتباه "ADDA"، فإنّ أنسب طرق التعامُل مع الموظف المصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه تتضمّن:
1. فهم الأعراض الفريدة للموظف
تختلف الأعراض من شخصٍ لآخر، فبينما يميل موظّف إلى المثالية في العمل ولا يلتزم مواعيد التسليم النهائية، فقد يواجِه موظف آخر مشكلات في التخطيط وكثرة التشتّت في العمل.
لذا ينبغي للمدير بمرور الوقت أن يلاحظ أنماط الموظف المصاب بهذا الاضطراب وكيف يؤثّر ذلك في أدائه اليومي، فربّما يكفي تعيين مهام مُعيّنة لإكمالها في وقت محدد من اليوم عندما تكون الأعراض في أدنى مستوياتها، أو تبعًا لما يرصده المديرون على موظفيهم.
2. تعيين المهام بناءً على نقاط القوّة الشخصية
كُلّ مصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه له نقاط قوّته الخاصّة، لذا ينبغي تعيين المهام للموظّف بناءً على نقاط القوة التي أظهرها، فهذا أفضل للموظّف وكذلك للشركات على حدٍ سواء.
3. الجدولة المرنة
التأخير في تسليم مهام العمل مشكلة متكرّرة بين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، كما أنّ غالبًا ما يعانون مشكلات النوم، بل وربّما يلاحظ بعضهم أنّهم أكثر إنتاجية في وقت متأخر من الليل.
وإن كان ذلك ممكنًا، ربّما ينبغي أن تكون جداول العمل مرنة بما يتوافق مع أوقات الإنتاجية العالية للموظف، فالجميع يمرّون بأوقات من اليوم يشعرون فيها بالخمول قليلًا، ولكن في حالة المصاب بهذا الاضطراب فإنّه يعجز عن السيطرة على انتباهه وتركيزه وليس مجرّد خمول عابِر.
ختامًا، قد يكون المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أعلى كفاءةً في المهام الإبداعية، ورغم أنّ الإنتاجية قد تتراجع بسبب التشتّت وضعف التركيز، فإنّه يمكِن للشركات أن تستفيد من الموظفين من هذا النوع لكن بعد فهم حالتهم جيدًا وإسناد المهام إليهم بناءً على نقاط قوّتهم الموجودة بالفعل.
