لماذا يضغط أبناء المليارديرات على آبائهم للتبرع بثرواتهم؟
لم يعد أحفاد المليارديرات وأبناؤهم يكتفون بانتظار أدوارهم؛ بل يقودون اليوم حراكًا متصاعدًا لدفع الجيل الأكبر نحو مضاعفة التبرعات الخيرية دون تأجيل، محولين الثروات العائلية إلى أثر ملموس وفق ما يتتبعه تقرير حديث لمعهد "ميلكن".
وصرحت كاثرين لورنز، قائدة مجموعة "الجيل القادم" ضمن مبادرة تعهد العطاء، لمجلة فورتشن بأنها ترى بصورة متكررة أفرادًا من الجيل الشاب يحثّون آباءهم على التخلي عن المزيد من ثرواتهم وبوتيرة أعلى، قائلين: "لقد جمعتم ما يكفي، حان وقت العطاء وبسرعة أكبر".
و"تعهد العطاء" هي مبادرة أطلقها وارن بافيت وبيل جيتس وميلندا فرنش جيتس عام 2010، وتجمع مليارديرات تعهدوا بالتبرع بغالبية ثرواتهم. لكن الضغوط الداخلية من الجيل الوارث باتت تُعيد تشكيل ديناميكيات العمل بها.
أرقام الثروة وتصاعد التوترات
سجلت ثروة أغنى 1% من سكان العالم رقمًا قياسيًا بلغ 18.3 تريليون دولار عام 2025، بحسب منظمة أوكسفام، مع ارتفاع بنسبة تجاوزت 16% خلال ذلك العام وحده.
وفي السياق ذاته، يُتوقع أن تنتقل ثروات بقيمة 124 تريليون دولار بين الأجيال بحلول عام 2048، في أكبر عملية انتقال للثروات في التاريخ المعاصر.
وكشف مسح أجرته مؤسسة بيو عام 2026 أن قرابة ثلث البالغين بين 18 و29 عامًا يرون أن الثراء المفرط أمر غير أخلاقي، مقارنة بـ 10% فقط ممن تجاوزوا الـ 65 عامًا.
ويعكس هذا التباين ضائقة اقتصادية تعيشها الفئات الشابة، من أعباء الإسكان إلى ديون التعليم، ما يُغذّي شعورًا بالإلحاح تجاه توظيف الثروات لصالح المجتمع.
نموذج ماكنزي سكوت والعطاء غير المقيّد
وزعت ماكنزي سكوت، الزوجة السابقة لمؤسس أمازون جيف بيزوس، نحو 26 مليار دولار خلال ست سنوات، معظمها عبر منح غير مقيّدة تتيح للجهات المستفيدة تحديد أوجه الصرف بنفسها.
واستفادت جامعات أمريكية ذات غالبية سوداء، ومجموعات تدعم التنوع والمساواة، إلى جانب منظمات لإغاثة الكوارث، من حزمة منح جديدة.
ووصفت ميليسا ستيفنز، نائبة الرئيس التنفيذي للعمل الخيري الاستراتيجي في معهد ميلكن والمشاركة في تأليف التقرير، سكوت بأنها "نموذج مثالي للعطاء القائم على الثقة"، إذ تعمل بشراكة حقيقية مع المجتمعات بدلاً من فرض حلول مسبقة الصياغة.
قصة كاثرين لورنز
تفهم لورنز هذا التوتر من منطلق شخصي. جدّها جورج ميتشل كان من كبار رجال النفط والعقارات، وشركته Mitchell Energy & Development احتلت المركز 811 في قائمة فورتشن 1000 عام 2001 قبل أن تستحوذ عليها شركة ديفون للطاقة بـ 3.1 مليار دولار في العام ذاته.
وبعد تخرّجها من كلية دايفيدسون عام 2001، عملت لورنز في نيكاراغوا ثم في أوكساكا بالمكسيك قرابة ست سنوات، حيث قادت منظمة غير ربحية تخدم مجتمعات السكان الأصليين.
وأدركت هناك مفارقة جوهرية: امتلاك الثروة لا يعني امتلاك الحلول، وأن المجتمعات المحلية تملك إجابات أعمق مما يتصوره القادمون من الخارج.
في سن الخامسة والعشرين، التحقت بمؤسسة عائلتها الخيرية Cynthia and George Mitchell Foundation، وتولّت قيادتها عام 2011 إثر توقيع جدّها على تعهد العطاء.
وبعد وفاته عام 2013، ترك خلفه 10 أبناء و27 حفيدًا وميراثًا خيريًا بالغ التعقيد، ووزعت المؤسسة قرابة مليار دولار خلال نحو خمسة عقود، تركّزت في قضايا الاستدامة والتعليم.
دور المرأة في المجتمع
النساء مُرشّحات لأن يرثن نحو 47 تريليون دولار بحلول 2048، أي ما يعادل 56% من إجمالي الثروات الموروثة عالميًا.
وتتوقع ستيفنز أن يُحدث هؤلاء النساء نقلة نوعية في مفهوم العطاء، على غرار نموذج سكوت، عبر التركيز على الشراكة المجتمعية بدلاً من تبرعات بلا أثر هيكلي.
