ليس برودًا أو غرورًا.. ماذا يعني احتياجك المستمر إلى قضاء الوقت بمفردك؟
تعود من أمسية اجتماعية فتقف في الممر بمعطفك في الظلام عشرين دقيقة قبل أن تشعر بنفسك ثانيةً، ولم يلحظ أحد على مائدة العشاء ما بداخلك، إذ ضحكت في المواضع الصحيحة وسألت عن الوظيفة الجديدة، ثم أمضيت بقية الليل تستعيد ما أنفقته. هذا الجانب الخفي هو ما يجعل الآخرين يضعونك في خانة البرود.
حين يُقرأ الوقت الشخصي على أنه لا مبالاة
يصل الحكم بصيغة عابرة: "يصعب الاقتراب منه"، أو "لا تحب الاختلاط"؛ فلا أحد يقصد الإساءة، لكن هذه الصيغة تصبح الإطار الذي تُقرأ من خلاله كل التفاصيل؛ الرسالة غير المُجاب عنها يوم الأحد، والعشاء الذي غادرته باكرًا، والرحلة التي رفضتها لأن جدولها لم يتضمن أي فراغ.
من الخارج يبدو الأمر كأنك تُبقي الآخرين على مسافة، أما من الداخل فأنت شخص كان حاضرًا بالكامل ثلاث ساعات ولم يتبقَّ لديه ما يُعطيهالبرود يعني عدم الاكتراث، أما هذا فاكتراث حقيقي يكلّف شيئًا، مع وعي دقيق بما تبقى في الرصيد.
الصديق الذي يغادر باكرًا غالبًا هو من يتذكر ما قلته قبل شهرين. الانتباه حقيقي، لكنه لا يمتد إلى ما لا نهاية؛ فهذا التمييز هو ما يغيب عن كثيرين حين يُصدرون أحكامهم على من يُقدّر وقته الشخصي.
كيف يفكر الانطوائيين؟
راقب في العشاء من يجيب أولًا؛ بعضهم يفكر بصوت عالٍ، إذ تتشكل الفكرة أثناء الكلام وتتصحح في منتصف الجملة، أما بعضهم الآخر فيصمت دقيقة ثم يقول شيئًا مدروسًا، أو لا يُجيب على الطاولة أصلًا ليُرسل جوابه الحقيقي في صباح اليوم التالي.
أوضحت عالمة النفس الإكلينيكي لوري هيلجو، مؤلفة كتاب Introvert Power، لموقع Psych Central أن الانطوائيين "يبدون خجولين لأنهم يميلون إلى التفكير قبل الكلام"، إذ يعالجون الأمور داخليًا بينما يعالجها المنفتحون خلال الحديث مباشرةً؛ إذ إن المحادثة بالنسبة لهم مادة خام والمعالجة تجري بعدها.
وإن كان عقلك يعمل بهذه الطريقة فالأمسية لا تنتهي حين تغادر، بل تكتمل نصفها فقط، النصف الآخر يُنجز في المشي إلى البيت، أو في ساعة الصمت قبل النوم. الوقت الشخصي ليس هروبًا من الآخرين، بل إتمام لما بدأ معهم.
التعب الاجتماعي فاتورة مؤجلة تصل بعد ساعات
أصعب ما في هذا الشعور أنه يصعب شرحه لمن لا يعانيه؛ لا يظهر التعب على الطاولة بل يصل لاحقًا بعد الوداع. رصد الباحثان سوينتو ليكاس وفيل-يوهاني إيلمارينن في جامعة هلسنكي 48 طالبًا خمس مرات يوميًا لمدة 12 يومًا، وذلك وفقًا لدراسة نشرت في Journal of Personality.
وتوصّل الباحثان إلى أن السلوك الاجتماعي رفع المزاج فورًا، لكنه تنبّأ بتعب أكبر بعد ثلاث ساعات، وكلما تعامل الشخص مع مزيد من الناس كان الانخفاض اللاحق أشد وطأةً.
وكرّست ليكاس هذه النتائج عام 2020 في دراسة منفصلة شملت 74 مشاركًا، وأكدت النمط الزمني ذاته.
هذا النضوب إذن ظاهرة تطال الجميع لا الانطوائيين وحدهم، غير أن من يحتاج مزيدًا من الوقت الشخصي يلمس انخفاض طاقته في وقت أبكر من غيره.
ومغادرته قبل نهاية السهرة ليست حكمًا على الحاضرين، بل هي قراءة واعية لحدود ما يستطيع منحه دون أن يُجهد نفسه.
أهمية الوقت الشخصي بالنسبة للانطوائيين
أجرت عالمة النفس تويفي نجوين في جامعة دورهام أربع تجارب بالتعاون مع ريتشارد رايان وإدوارد ديشي، وخلصت إلى أن الوجود بمفردك يخفض المشاعر عالية الإثارة في الاتجاهين، الحماس والقلق معًا، وأسمت ذلك "أثر التهدئة".
ولفتت إلى أن هذا الأثر لا يحدث حين يكون شخص آخر في الغرفة، ومن ثم لا تستطيع الأمسية الصاخبة تقديمه لأنها تُبقي كل شيء عند منسوب لا يتسع للتفكير الداخلي.
وفي دراسة يومية امتدت 21 يومًا على 178 بالغًا، وجدت عالمة النفس نيتا واينشتاين في جامعة ريدينج أن أيام الوقت الشخصي الأوفر ارتبطت بضغط أقل وشعور أعمق بحرية التعبير عن الذات، وأكدت أن "الوقت وحيدًا يتيح الشعور بضغط أقل وحرية في أن نكون أنفسنا"، وأن الدافع وراء الاختيار يهم أكثر من عدد الساعات.
ورصدت عالمة النفس فيرجينيا توماس في كلية ميدلبري عبر دراستين نشرتهما في Psychology Today أن الانطوائيين الذين يشعرون بالأمان في ذواتهم وعلاقاتهم يختارون مزيدًا من الوقت الشخصي ويستثمرونه في التأمل، بينما يلجأ الأكثر شعورًا بالوحدة إلى وسائل التواصل. الفارق ليس في الكمّ بل فيما إذا كان الشخص يعود بحضور مُستعاد.
