هاتفك وصحتك النفسية.. ماذا يحدث لدماغك مع الاستخدام المفرط؟
هل تستطيع الابتعاد عن هاتفك لدقيقة؟ ربما، لكن ماذا عن خمس دقائق، أو عشر، أو حتى ساعة؟ قد لا يكون الأمر سهلًا، فكل دقيقة تقضيها أمام شاشة هاتفك قد تكون لها كلفة على صحتك النفسية، خصوصًا عندما لا يكون لاستخدامه هدف واضح.
فالإشعارات التي لا تتوقّف تستنزف انتباهك، والتمرير المستمرّ لمطاردة الأخبار يجعلك في حالة توتر مزمن، بينما قد يحدث ما يُعرَف "بتعفّن الدماغ" مع الاستمرار في مشاهدة مقاطع الفيديو دون توقّف.
ويُعدّ اليوم العالمي للصحة النفسية فرصة لفهم تأثير الهواتف على راحتنا النفسية، وكيف يمكن استخدامها دون إضرار النفْس.
اليوم العالمي للصحة النفسية
يُخصّص العاشر من أكتوبر كل عام للاحتفال باليوم العالمي للصحة النفسية، لرفع مستوى الوعي بقضايا الصحة النفسية في جميع أنحاء العالم، وتعبئة الجهود لدعم الصحة النفسية، والتذكير بمدى أهميتها.
كيف تستنزفك الإشعارات المستمرة نفسيًا؟
حسب تقرير صادر عن "Statista"، فقد تم تنزيل ما مجموعه 255 مليار تطبيق جوّال في عام 2022، وهو ما يمثّل زيادة بنسبة 80% عن عام 2016.
وهذا يعني دون شكّ أنّ إشعارات تلك التطبيقات قد حاصرتنا أيضًا، إلى جانب إشعارات المكالمات أو الرسائل النصية. ورغم أنّ التطبيقات توفّر خاصية إيقاف تشغيل الإشعارات تلقائيًا، فإنّ عديدًا من المستخدمين ليسوا على دراية بهذه الإعدادات.
وهذا التدفق المستمر من الإشعارات قد يؤدي إلى تشتيت الانتباه، ورفع مستويات القلق، والمساهمة في الإرهاق الرقمي.
كما أشارت دراسة نُشرت عام 2023 في دورية «Media, Culture & Society» إلى أن الإرهاق الناجم عن استخدام الإنترنت قد يكون أحد أبرز أسباب شعور كثير منا بالإحباط واللامبالاة تجاه أجهزتنا، خصوصًا في عالم ما بعد كوفيد-19.
ما العواقب النفسية لتصفّح الأخبار والمنشورات عبر هاتفك؟
قد تجد نفسك تمرّر في هاتفك في بلا نهاية، وربّما فقدت تركيزك منذ مُدّة، لكنّك لا تزال مستمرًا في التمرير.
وقد صِيغ مصطلح التمرير السلبي في عام 2018، لوصف استهلاك المحتوى القصير السلبي أو الأخبار؛ خصوصًا على منصّات التواصل الاجتماعي، التي تحتوي على عددٍ لا نهائي من المنشورات الجديدة.
وأصبح المصطلح منتشرًا في كل مكان خلال جائحة كوفيد-19، كما أنّ الظاهرة لا تزال منتشرة إلى اليوم؛ خصوصًا أنّ الهواتف الذكية تتيح لك الاطلاع على الأخبار في كل مكان وبأي وقت، كما أنّ منصات التواصل الاجتماعي مناسبةً تمامًا لتعزيز هذا النمط من التصفّح.
ماذا يحدث للدماغ أثناء تمرير الأخبار؟
حسب مؤسسة الدماغ الأمريكية "American Brain Foundation"، فإنّه عندما يتعرّض الشخص لمُحفِّز يُسبِّب التوتر، فإنّ الجهاز الحوفي ينشط في الدماغ، والذي تهيمن عليه اللوزة الدماغية، التي من بين وظائفها حماية الفرد من الخطر، فيستجيب الجسم بما يتناسب مع ذلك.
ومع ذلك، فإنّ التنشيط المتكرر لاستجابة التوتر يؤثر سلبًا في الجسم، ليس فقط في الصحة النفسية، بل كذلك قد يزيد خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، كما قد تضعف القدرات الإدراكية، مثل التركيز واتخاذ القرار والتنظيم العاطفي.
فمثلًا، عندما ترى منشورًا مثيرًا للقلق على وسائل التواصل الاجتماعي، يهدد شعورك بالأمان أو رفاهيتك، فإن هذا الاهتمام بسلامتك قد يضعك على الفور في حالة من التأهب المفرط، ويحفّز اللوزة الدماغية. وقد تشعر حينها بالحاجة إلى مواصلة التمرير لمعرفة المزيد، فتواجه أخبارًا أخرى تثير التوتر، ويستمر الاستنزاف النفسي.
تعفّن الدماغ.. كيف يتسبّب فيه هاتفك دون أن تشعر؟
كان تعفّن الدماغ (Brain rot) كلمة أكسفورد لعام 2024، والتي تشير إلى التدهور المعرفي والإرهاق العقلي الذي يعانيه الناس؛ خصوصًا المراهقين والشباب، بسبب التعرّض المفرط لمواد منخفضة الجودة عبر الإنترنت؛ خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يعرف الباحثون كيف يحدث تعفّن الدماغ، لكن يعتقد بعض الخبراء، حسب "WebMD"، أنّ الدوبامين هو المسؤول عن ذلك.
فتصفُّح وسائل التواصل الاجتماعي يرفع مستويات الدوبامين، وقد تشعر بالارتياح في البداية، ولكن عقلك قد يُصبِح منهكًا للغاية، ولو كُنت تستخدم هاتفك كل يوم، فقد تُصاب بتوترٍ مزمن.
والأمر ليس مقتصرًا على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل قد يحدث تعفّن الدماغ مع أداء الأنشطة الآتية:
- مشاهدة مقاطع فيديو يوتيوب بكثرة.
- تصفّح الإنترنت في أثناء إرسال الرسائل النصية والتحقق من البريد الإلكتروني.
- التمرير السلبي.
بين الوحدة والاكتئاب.. أضرار نفسية خفية لاستخدام الهاتف
ربطت بعض الدراسات بين قضاء وقت طويل أمام الشاشات، وزيادة احتمالية الإصابة بالوحدة؛ إذ ارتبط الشعور بالوحدة بشكلٍ كبير وإيجابي بإدمان الهاتف المحمول، حسب دراسة عام 2023 في دورية "PLOS One".
وقد يُفسِّر مفهوم "تأثير الإزاحة" جانبًا من ذلك؛ إذ لاحظ عالِم النفس الاجتماعي "روبرت كراوت" وفريقه البحثي في جامعة كارنيجي ميلون هذا التأثير لأول مرة في أواخر التسعينيات عندما قدّموا أجهزة حاسب مجانية، وإمكانية الوصول للإنترنت، وخط هاتف لثلاث وتسعين عائلة في بيتسبرغ.
وبعد ذلك، تتبّعوا الأنشطة والحالات العاطفية لكل فرد من أفراد الأسرة الذين تزيد أعمارهم على عشر سنوات، والذين كانوا مهتمين بالانضمام إلى الدراسة لمُدّة عامين.
ووجد الباحثون أنّه كُلّما زاد الوقت الذي يقضيه هؤلاء الأفراد على الإنترنت، قلّ الوقت الذي يقضونه شخصيًا مع أفراد الأُسرة والأصدقاء، كما أصبحوا أكثر وحدةً واكتئابًا.
هذا ولم يكُن في حينها انتشار الهاتف المحمول كما هو اليوم، ولا قدرة على الوصول إلى الإنترنت في أي لحظة وبأي مكان كما هو الحال الآن.
هل وصلنا إلى إدمان الجوّال؟
إدمان الهاتف المحمول (Phone addiction) ربّما يكون نتيجة منطقية، ولكن للدقّة، فإنّ مفهوم الإدمان السلوكي يتضمّن القلق والانفعال والارتباك حين لا يتمكّن المرء من استخدام هاتفه الذكي، بما قد يصل أحيانًا إلى رهاب فقدان الهاتف الذكي (Nomophobia).
والهواتف مُصمّمة بعناية بحيث يصعب أن تضعها بعيدة عنك، بألوانها وأصواتها واهتزازاتها، والتطبيقات التي تتنافس على لفت انتباهك، فكلّ جانب مُطوَّر بدقّة لتبقى مشدودًا إلى هاتفك.
ولكن الأخطر أنّ إدمان الهاتف، قد يؤدي إلى قلة النوم، وصعوبة التركيز، وضعف القدرات الإبداعية، والقلق، وتفاقم اضطراب نقص الانتباه، وكذلك اضطراب العلاقات.
كيف تستخدم هاتفك مع الحفاظ على صحتك النفسية؟
إذًا ينبغي أن تكون حذرًا عندما تستخدم هاتفك، لما له من تأثير بالغٍ على صحتك النفسية، وفيما يأتي بعض النصائح التي تساعدك على الحفاظ على صحتك النفسية دون أن تتخلّى عن هاتفك:
1. البحث عن الفرح بطرق أخرى
بالتأكيد يحمل هاتفك ما يُفرِحك -وأيضًا ما يُحزِنك- لذا حاول أن تجِد هوايات خاصة بك أو أنشطة أو جوانب حياتية أخرى تجلب لك أكبر قدرٍ من الفرح، ثُمّ فكِّر في الأدوات التقنية التي تساعد على استكمال أو دعم تلك الأنشطة التي تجلب لك السعادة، فهذا يضمن استخدامك لهاتفك بأكبر قدرٍ ممكن من الإيجابية، كاستخدامه في التعلّم أو التواصل أو غير ذلك.
2. ديتوكس الهاتف
يهدف ديتوكس الهاتف إلى تقليل الوقت الذي تقضيه مُستخدِمًا لهاتفك فيما لا ينفع، وفيما يأتي بعض الاستراتيجيات الناجحة في تحقيق ذلك:
- استخدامه كأداة: يمكنك التركيز على التطبيقات التي تخدم أغراضًا عملية، مثل تطبيقات الملاحة والتقويم والرسائل النصية، ونقلها إلى أماكن أكثر وضوحًا على شاشتك الرئيسة، ليكون لها الأولوية.
- إيقاف الإشعارات: لا بأس بإيقاف الإشعارات غير الضرورية لتقليل استخدامك له، كما يمكنك استخدام خاصية الحدود الزمنية اليومية لبعض التطبيقات من قائمة إعدادات الهاتف، لضبط التطبيقات المُشتِّتة للانتباه.
- أعطِ الأولوية للمحتوى المفيد: حين تتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، أعطِ الأولوية للمحتوى المفيد أو المُتعلِّق بحياتك أكثر، بدلًا من استنزاف نفسك وراء "التريندات".
- جرّب أنشطة أخرى قبل النوم: توصّلت دراسة نرويجية عام 2025 في دورية "Frontiers in Psychiatry" إلى أنّ ساعة واحدة فقط من استخدام الهاتف قبل النوم تقلّل من النوم بمقدار 24 دقيقة. لذا خلال الستين دقيقة السابقة للنوم، ضع هاتفك جانبًا، وجرِّب أنشطة أخرى، مثل القراءة أو كتابة اليوميات.
ختامًا، ليس من الصعب العناية بصحتنا النفسية والاستمتاع بهواتفنا الذكية في آنٍ واحد، لكن لا ينبغي الاستهانة أيضًا بحجم ضرر الهواتف الذكية من تعفّن الدماغ مرورًا بالوحدة، وصولًا إلى إدمان الهاتف الجوّال. فقط قيِّد أوقات الاستخدام، وأعطِ الأولوية لما هو مفيد، وجرِّب أنشطة حياتية أخرى تملأ ذاتك، واستعِن بهاتفك ليكون وسيلة مُعِينة في تلك الأنشطة.
