لماذا يعيد دماغك شريط ذكريات محرجة قديمة؟ علم النفس يجيب
تخيل المشهد: منتصف الليل، الأجواء هادئة، والوسادة مهيأة لنومٍ عميق. فجأة، ودون أي مقدمات، يقرر عقلك الباطن أن يفتح "صندوق الشرور" الخاص بك.
لن يعرض لك ما تناولته على العشاء قبل أربعة أيام، بل سيعرض لك، بتقنية فائقة وبأدق التفاصيل المزعجة، ذلك الموقف الأخرق الذي تعرضت له في المدرسة الثانوية قبل 20 عامًا!
ستتذكر نبرة صوتك المهتزة، ملامح وجه الشخص الآخر، وحرارة الخجل التي تدفقت في وجهك حينها.
المفارقة الساخرة أن الطرف الآخر غالبًا لا يتذكر هذا الموقف، وربما لم يكترث له أصلاً، لكن عقلك قرر أن يحفظ تلك الذكريات محرجة في "مادة الكهرمان" وكأنها حدثت بالأمس.
أسباب الخوض في الأفكار السلبية
لا يترك علماء النفس هذه الهواجس الليلية تمر دون تفسير؛ إذ يطلقون على هذه الأنماط المتكررة والصعبة السيطرة اسم "التفكير الاجتراري"،
وبحسب مراجعة علمية نُشرت في مجلة "حوارات في علوم الأعصاب السريرية"، فإن هذا السلوك ليس مجرد تعذيب ذاتي عشوائي، بل هو ناتج عن خلل في التفاعل بين أنظمة الدماغ المسؤولة عن التنظيم الذاتي.
ويقضي العقل البشري وقتًا طويلاً منفصلاً عن الواقع؛ ففي أثناء المشي، أو الاستحمام، أو العمل، يسافر المرء إلى الماضي أو يتخيل المستقبل.
يعد هذا الأمر مفيدًا للتخطيط، لكنه يتحول إلى لعنة عندما يبدأ الدماغ في رصد ذكريات محرجة والتعامل معها كـ"تهديدات غير محلولة".
ويمارس الدماغ ما يسمى بـ "مراقبة التناقض"، حيث يقارن باستمرار بين ما حدث وبين ما "كان ينبغي" أن يحدث، فيعيد سحب الموقف إلى الوعي مرارًا وتكرارًا محاولاً "إصلاحه" بأثر رجعي، ما يزيد من ترسيخ الذكرى بدلاً من محوها.
وفي كتابها "الغرابة: نظرية"، تفكك الفيلسوفة ألكسندرا بلاكياس هذا الشعور، مؤكدة أن الارتعاش والضيق اللذين ينتابان المرء عند تذكر السقطات القديمة لا ينبعان من الموقف نفسه، بل من مشاعر الخزي اللاحقة التي ترتبط بالهوية الشخصية.
فالخزي عاطفة اجتماعية تطورية، وهي بمثابة "ألم اجتماعي" تمامًا كالألم الجسدي، يحذر العقل من خطر الرفض الاجتماعي الذي يهدد مكانته.
كيف تتحكم في الأفكار السلبية؟
وتكمن البشارة العلمية في أن علماء النفس، عبر دراسة نشرتها مجلة "نيرون" واستخدمت التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، أثبتوا أن النسيان ليس دائمًا عملية سلبية خارجة عن الإرادة؛ بل يمتلك المرء القدرة على التحكم في ما يستحق البث في عقولهم، ومنع استدعاء أي ذكريات محرجة عبر استراتيجيتين محددتين:
- الأولى هي "القمع المباشر"، وتعني قطع حبل الأفكار المرتبطة بالذكريات محرجة فور بدئها وقبل أن تتحول إلى كرة ثلج ينغمس المرء في تفاصيلها.
فبمجرد أن يبدأ العقل في استرجاع المشهد، يتعين على الشخص رفض المتابعة فورًا، ونقل انتباهه إلى الحواس الخمس الحالية مثل التركيز على عملية التنفس.
- أما الثانية فهي "استبدال الأفكار"؛ فبما أن سعة الانتباه محدودة، يمكن للمرء إحلال فكرة بديلة ومجهزة مسبقًا (مثل إنجاز يفخر به) لتطرد الفكرة المزعجة وتضعف سطوتها تدريجيًا.
وفي النهاية، لن تمسح ملفات الماضي كزر الحذف، لكن الفرد لن يعود الضحية الأعزل أمام ألاعيب الدماغ.
