محو الذكريات المؤلمة: هل يكون حقيقة واقعة في المستقبل؟
تزعِجنا الذكريات المؤلِمة بين الحين والآخر، وربّما ننشغل عنها ببعض الترفيه، ولكنها لا تزال تطاردنا بنهاية اليوم قبل الخلود إلى النوم، أو ربّما في استراحة قصيرة بين ساعات العمل، أو في أي وقت أو مكان.
لذلك من المنطقي أن يرغب بعض الناس في محو الذكريات، خصوصًا ما يتعلّق بأحداث مؤلمة بالنسبة لهم، ولكن هل هناك تقنية فعالة حقًا في محو الذكريات المؤلمة أو تعديلها؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، هل يظلّ الإنسان كما هو أم يفقد هويته وبعض الخبرات التي راكمتها لديه الذكريات المؤلمة؟
كيف يخزّن الدماغ الذكريات؟
لفهم مدى إمكانية محو الذكريات من عدمها، لا بُدّ من معرفة آلية تخزين الدماغ للذكريات؛ إذ إنّ تكوين الذاكرة عملية مُعقّدة، تتضمّن نشاط مناطق مُختلِفة من الدماغ، خصوصًا الحُصين واللوزة الدماغية، والتي تعمل معًا لتشفير المعلومات وتخزينها واسترجاعها، وفقًا لموقع "Scientific origin".
فعندما نمرّ بحدثٍ ما، تُعالَج المعلومات الحسّية في البداية بوساطة القشرة الحسيّة للدماغ.
والحُصين -الموجود في الفصّ الصدغي للدماغ- هو المسؤول عن تعزيز الذكريات قصيرة الأمد وتحويلها إلى ذكريات طويلة الأمد، وهي العملية المعروفة "بترسيخ الذاكرة".
وهذه العملية ضرورية لاستقرار الذكريات، ودمجها بشكل أكثر ديمومة في الشبكات العصبية في الدماغ، وعندما تترسّخ الذكريات، تُشفّر في أجزاء مختلفة من الدماغ؛ اعتمادًا على نوعها، فالذكريات العاطفية مثلًا تكون مرتبطة باللوزة الدماغية.
كذلك تُخزَّن الذكريات عمومًا عبر مناطق مختلفة من الدماغ من خلال الوصلات العصبية، وهي نقاط اتصال بين الخلايا العصبية.
فعندما نتذكّر ذكرى مُعيّنة، تنشط هذه المسارات العصبية، ما يؤدي إلى إعادة تجميع التجربة بناءً على المعلومات المُخزَّنة.
ومن المثير للاهتمام أنّ الدماغ لا يخزّن الذكريات مثل مسجّل الفيديو، بل بدلًا من ذلك، يُعاد بناء وتشكيل كل ذكرى في كل مرة يتم استدعاؤها فيها، وهو ما قد يكون له آثار كبيرة في تعديل الذاكرة واحتمالية محوها.
هل يمكن حذف الذكريات علميًا؟
ليس هناك طريقة مُعيّنة لحذف بعض الذكريات، ولكن ثمّة تقنيات أو أساليب قد تساعد على قمع أو إضعاف الذكريات المؤلمة، والتي منها على سبيل المثال:
1. العلاج بالتعرّض
العلاج بالتعرّض هو علاج نفسي يُستخدم لمساعدة الأفراد على مواجهة وتقليل الضِيق المرتبِط بالذكريات المؤلِمة.
وفي هذا العلاج، يتعرّض المرء تدريجيًا لتذكيرات أو إشارات مرتبطة بالحدث المؤلِم في بيئة خاضعة للرقابة، ومن خلال التعرّض المتكرّر لهذه المحفّزات دون التعرّض للأذى، يتعلّم الدماغ فصْل الذاكرة عن استجابة الخوف الشديد، ما يقلّل من تأثيرها العاطفي.
رغم أنّ العلاج بالتعرّض لا يحذف الذكريات، فإنّه يمكِن أن يقلّل من شدّة وتواتُر الأفكار المتطفلة المرتبطة بالحدث، ما يجعل الذاكرة أقل إزعاجًا في الحياة اليومية.
2. إزالة حساسية حركة العين وإعادة المُعالجة
يجمع هذا النهج العلاجي بين حركات العين المُوجّهة واسترجاع الذاكرة لتقليل التأثير العاطفي للذكريات المؤلمة، وفي جلسات العلاج بإزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة (EMDR) يرشِد المعالِج المريض من خلال تذكّر ذكرى مؤلِمة في أثناء توجيه حركات عينه.
ويُعتقد أنّ هذه العملية تساعد على تعطيل التشفير العاطفي للذاكرة، ما يساعد الدماغ على معالَجة الصدمة بشكلٍ أكثر فعالية.
ورغم أنّ هذا النهج العلاجي لا يمحو الذكريات، فإنّه يمكِن أن يجعلها أقل إزعاجًا، ومِنْ ثمّ يخفّف الثقل العاطفي المرتبِط بها.
3. الأدوية
ربّما تساعِد بعض الأدوية في تقليل التأثير العاطفي للذكريات المؤلِمة، وليس محو الذكريات؛ إذ إنّ دواء مثل بروبرانولول، وهو من فئة حاصرات بيتا المُستخدَمة في علاج ارتفاع ضغط الدم، يقلّل التأثير العاطفي للذكريات عند تناوله مباشرةً بعد التعرّض لحدثٍ صادم، ما قد يساعد على تقليل تأثيرها على المدى الطويل.
ورغم أنّ الدواء ليس وسيلة لمحو الذكريات، فإنّه يمثلّ أحد الطرق الفعالة في تقليل شِدّة الذكريات من الناحية العاطفية.
مستقبل أبحاث الذاكرة
بعيدًا عن التقنيات العلاجية التي تساعد على قمع بعض الذكريات أو إضعافها، فلا يزال البحث جاريًا بشأن بعض الطرق للتدخّل المباشر في المسارات العصبية للدماغ، بما قد يتِيح تعديل أو محو ذكريات مُعيّنة، مثل:
1. علم البصريات الوراثي
علم البصريات الوراثي (Optogenetics) هو طريقة تسمح للعلماء بالتحكّم في خلايا عصبية مُعيّنة في الدماغ باستخدام بروتينات حسّاسة للضوء؛ إذ تُدخَل هذه البروتينات إلى الخلايا العصبية حتى تستجيب للضوء، بما يسمح للباحثين بتنشيط المسارات العصبية أو إلغاء تنشيطها بشكلٍ انتقائي.
وباستهداف الخلايا العصبية المرتبطة بذاكرة مُعيّنة، يمكِن للعلماء إضعاف أو تعطيل اتصال الذاكرة، ما يؤدي إلى تعديلها أو محوها.
2. تقنية كريسبر وتعديل الجينات
تقنية كريسبر (CRISPR) معروفة بقدراتها على تعديل الجينات؛ إذ يمكِن لها تعديل التعبير الجيني للخلايا العصبية المشارِكة في تكوين الذاكرة وتعزيزها.
ومن خلال تغيير جينات مُعيّنة، قد يتمكّن العلماء من استهداف الآليات التي تشفّر ذكريات مُعيّنة، بما يؤدي إلى إضعافها أو تغييرها.
ولكن الأبحاث في هذا المجال لا تزال في مراحلها المبكّرة، كما أنّ هناك اعتبارات خُلقية متعلّقة باستخدام التعديل الجيني للتلاعب بالذاكرة.
3. التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة
التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) هو تقنية غير جراحية تستخدم المجالات المغناطيسية لتحفيز مناطق مُعيّنة من الدماغ، وهو يُستخدَم لعلاج الاكتئاب والقلق.
ولكن يحقّق الباحثون في قدرته على تعديل الذكريات؛ إذ أشارت دراسات مبكّرة إلى أنّ التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، قد يعطّل إعادة ترسيخ الذاكرة عند استخدامه مباشرةً بعد استدعاء الذاكرة.
ومن خلال تثبيط مناطق مُعيّنة من الدماغ، قد يُضعِف التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة الارتباط العاطفي للذاكرة أو يعطّل عملية إعادة ترسيخها.
ولا تزال هناك حاجة إلى مزيدٍ من البحث لفهم كيفية استخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة لإضعاف الذكريات بشكلٍ انتقائي.
نصائح لإضعاف تأثير الذكريات المؤلمة
ربّما ليست هناك طريقة مُعيّنة لمحو الذكريات المؤلِمة، ولكن لا تزال هناك بعض النصائح التي تساعد على تقليل تأثيرها دون تقنيات مُعقّدة، والتي تضمّ حسب موقع "Verywell mind":
1. حدّد الذكرى التي تريد نسيانها
قد يبدو ذلك بديهيًا، ولكن إذا كُنت تريد نسيان شيء ما، فمن المفيد أن تتذكّره أولًا، وسلْ نفسك ما المشاهد والأصوات والمشاعر المرتبطة بتلك الذكرى؟
2. تعامل مع مشاعرك
لا تحاوِل أن تتجنّب أي مشاعر غير مرغوب فيها بسبب ذكرى مُعيّنة، بل اسمح لنفسك بالشعور بها، كما يمكِنك الاستعانة بمعالِج نفسي لتعلّم طرق صحية للتعامل مع المشاعر الصعبة.
3. ارصد ما الذي يحفّز الذكرى غير المرغوبة
بالتأكيد هناك بعض المشاهد التي تراها في حياتك اليومية التي تعِيد شريط الذكريات غير السارّة إليك، لذا حاول أن ترصد ما يحفّز تلك الذكريات لديك بدقة.
4. حاول استبدال الذكرى
إذا مرّ عليك المشهد الذي أعاد إليك ذكرى تودّ نسيانها، فحاول أن تركّز على شيءٍ آخر، فمثلًا عندما ترى نوع السيارة التي كانت تقودها شريكتك السابقة، حاول أن تفكّر في وقت كُنت تقود فيه تلك السيارة إلى الشاطئ بدلًا من التركيز على ذكرى الانفصال.
فأنت تُدرّب عقلك في النهاية على إحلال ذكرى جديدة محل الذكريات غير المرغوب فيها.
5. ممارسة نمط حياة صحي
يمكِن أن يؤدي التوتر وقلّة النوم إلى إثارة ذكريات غير مرغوب فيها، لذا تأكّد من حصولك على قسطٍ كاف من النوم، واحرص على نظام غذائي صحي، وممارسة التمارين الرياضية، فهذا من شأنه أن يعزّز الصحة العقلية والعاطفية.
الجوانب الخُلقية لمحو الذكريات
إنّ إمكانية حذف الذكريات أو تعديلها تثِير مخاوف خلقية عميقة؛ إذ إنّ الذاكرة جزء لا يتجزّأ من هويتنا وتجاربنا ونموّنا الشخصي، كما أنّ القدرة على محو ذكريات بشكلٍ انتقائي قد يكون له عواقب غير مقصودة ابتداءً، مثل تغيير الشخصية، أو محو دروس الحياة القيّمة أو تمكين السلوكيات الضارة.
فالذكريات، حتى لو كانت مؤلمة، تُسهِم في فهم أنفسنا والعالم من حولنا، وربّما يؤدي محوها إلى آثارٍ نفسية غير مُتوقّعة.
صحيح أنّ فكرة محو الذكريات قد تبدو جذّابة لمن يعانون صدمات نفسية، ولكن إذا لاح في الأفق تقنية تحقّق ذلك، فقد يُساء استخدامها. وإذا أصبح التلاعب بالذاكرة حقيقة واقعة، فمن الضروري أن يكون هناك مبادئ خلقية لضمان ألّا يُساء استخدام مثل تلك التقنيات.
