هل تؤثر الفيتامينات على صحة الكلى؟
تخضع دماء الإنسان لعملية تنقية مستمرة داخل الكلى بفضل منظومة دقيقة من وحدات التصفية المجهرية المعروفة بالنيفرونات والكبيبات.
وعند تناوله للفيتامينات المتعددة صباحًا، تشهد المستويات الغذائية في مجرى دمه ارتفاعًا مؤقتًا، لتبدأ الكلى فورًا في التعامل مع هذا التدفق عبر آليات تتكيف مع طبيعة كل فيتامين.
ولا تتبع هذه العملية مسارًا موحدًا مع كافة المنتجات المطروحة في الأسواق، بل تتشكل الاستجابة الكلوية وتتفاوت كليًا بناءً على أربعة محددات رئيسة تكمن في مكونات المستحضر، ونوعه، ومقدار جرعته، بالإضافة إلى صيغته الكيميائية.
آلية تعامل الكلى مع الفيتامينات
وتشير دراسة نشرتها مجلة Sage Journals إلى أن الفيتامينات الذائبة في الماء، مثل فيتامين C ومجموعة فيتامينات B، تنتقل مباشرة عبر مجرى الدم لتصل إلى النيفرونات الكلوية، حيث تخضع لعملية فرز وتنقية دقيقة.
ونظرًا لعدم قدرة الجسم على تخزين الفائض من هذه العناصر، تكتفي الكلى بإعادة امتصاص الاحتياج الفعلي، بينما تُحيل الكميات الزائدة إلى المثانة للتخلص منها عن طريق البول.
وتتجلى دقة هذا النظام الحيوي في معالجة فيتامين B12 وحمض الفوليك (B9)، حيث يُستعان بناقلات بروتينية متخصصة لضمان استرداد النسبة المطلوبة للجسم بكفاءة.
وتساهم آلية التصريف المستمرة هذه في الحد من المخاطر المحتملة للجرعات العالية لدى الأفراد الذين يمتلكون وظائف كلوية سليمة.
دور الكلى بامتصاص الفيتامينات الدهنية
على العكس من ذلك، لا تُطرح الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون -وهي A وD وE وK- عبر البول، بل تُمتص في الأمعاء وتُستودَع في الكبد والأنسجة الدهنية، ليتم إفرازها عبر العصارة الصفراوية في البراز.
ورغم هذا المسار، تؤدي الكلى دوًا غير مباشر ولكنه محوري في استقلاب بعضها؛ إذ يمر فيتامين D بمرحلتين تحويليتين تبدآن في الكبد بتحويله إلى شكله الأولي، ثم تستكمل الكلى تحويله إلى الشكل النشط الذي ينظم الكالسيوم والفوسفور ويدعم صحة العظام.
أما فيتامين A فتمتلك الكلى مستقبلات خاصة تعمل على إعادة امتصاصه وإرجاعه إلى الدم بدلاً من إفرازه حفظًا لمخزون الجسم، بينما يُفكك الكبد فيتامين K إلى مستقلبات تنتقل إلى الدم لتتولى الكلى تصفيتها وإخراجها عبر البول.
مسار الفيتامينات داخل الجسم
أفادت دراسة نشرتها مجلة Cell، أن معظم المستحضرات الفيتامينية تتضمن معادن أساسية تشمل الكالسيوم والمغنيسيوم والزنك والحديد.
وأوضحت الدراسة أن هذه المعادن تتنافس على المسارات الامتصاصية ذاتها داخل الجسم بدلاً من العمل بشكل مستقل، وهو ما يظهر جليًا عند تناول الحديد والكالسيوم معًا، حيث ينخفض معدل امتصاص كل منهما.
وأشارت إلى أن الكلى تعمل على تصريف الفائض من هذه المعادن عبر البول، إلا أن هذه القدرة الإخراجية تكون محدودة لدى المصابين بأمراض الكلى.
فوائد الفيتامينات على مرضى الكلى
المرضى الذين يعانون من أمراض الكلى المزمنة أو يخضعون للغسيل الكلوي يحتاجون إلى تقييم دقيق قبل تناول أي مكمّل غذائي؛ فالكلى المتضررة لا تُخرج الفائض بالكفاءة ذاتها، ما يُفضي إلى تراكم بعض العناصر وأضرار مزمنة.
في المقابل، أظهرت أبحاث حديثة أن بعض الفيتامينات مفيدة لهذه الفئة تحديدًا؛ ففيتامين D بشكله النشط (كالسيتريول) يُستخدم علاجيًا لمعالجة انخفاض الكالسيوم وفرط نشاط الغدة جار الدرقية لدى مرضى الغسيل الكلوي.
وتدعم حمض الفوليك ومجموعة فيتامينات B إنتاج خلايا الدم الحمراء الصحية في مرضى الكلى المزمنة الذين يعانون من فقر الدم نتيجة نقص هرمون الإريثروبويتين.
وأظهر مزيج فيتامين E وB12 وحمض الفوليك مع عقار برافاستاتين في بعض الدراسات، تحسنًا في وظائف الكلى لدى مرضى غير مصابين بالسكري مع مرض كلوي مزمن خفيف إلى متوسط.
وأثبت حمض الريتينويك المشتق من فيتامين A فعالية أولية في دعم بعض حالات الكلى بما فيها السرطان والاعتلال الكلوي السكري، لكن البحث العلمي في هذا المجال لا يزال يحتاج مزيدًا من التحقق.
متى يكون تناول الفيتامينات المتعددة آمنًا؟
فيما يخص أمان تناول الفيتامينات المتعددة، أوضحت دراسة نشرتها المؤسسة الوطنية للكلى أن الأشخاص الأصحاء الذين لا يعانون من أمراض كلوية لا يواجهون في الغالب أي مشكلة جراء تناول جرعة يومية معتدلة من الفيتامينات المتعددة، نظرًا لقدرة الكلى السليمة على التعامل مع الفائض وتصريفه بكفاءة.
وأشارت الدراسة إلى أن التحقق من وجود نقص حقيقي من خلال إجراء فحوصات الدم قبل البدء في استهلاك أي مكمل غذائي يُسهم في تجنب الجرعات غير الضرورية التي ترهق الكلى دون داعٍ، مبيّنة أن المبدأ الأساسي يعتمد على تناول ما يحتاجه الجسم بالفعل، وليس ما يُفترض أنه ينقصه.
