هل الفضفضة تقوّي علاقتك أم تضرها؟
في أروقة العلاقات العاطفية، لا تُثمر كل جلسات الفضفضة النتائج المرجوة؛ فتكرار الحديث عن الضغوط وتفكيك أسبابها وتبعاتها مع الشريك -أو ما يعرف نفسيًا بـ "التفكير المشترك"- يحمل تأثيرًا يتفاوت من شخص لآخر.
هذا ما أزاحت عنه الستار دراسةٌ نشرت في مجلة Mindfulness، مفسرة كيف تحوّلت إحدى أشهر استراتيجيات التكيف العاطفي إلى سلاح ذي حدين؛ يُرمم مشاعر البعض، ويضاعف تعقيدها لدى آخرين.
وتأتي هذه النتيجة لتكمل ما كشفت عنه أبحاث سابقة في سياق الصداقات؛ حيث أوضحت أن هذا السلوك، ورغم تعزيزه للقرب والألفة، يفتح الباب أمام ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، فيما يسمى علميًا بـ "فرضية المقايضة".
داخل العلاقات الرومانسية، كان الأمر لا يزال غير محسوم علميًا، حيث قدمت دراسة جامعة فلوريدا ستيت الإجابة: التأثير يتوقف على مستوى الوعي الذهني للشخص، وليس على كمية الحديث وحدها.
محاور لكشف آثار التفكير المشترك
أجرى الباحثون دراستهم على 445 شخصًا، وأكملوا استبيانًا إلكترونيًا استغرق نحو 25 دقيقة، قاس ثلاثة محاور رئيسة: معدل التفكير المشترك في مشكلات خارجية كضغوط العمل ومشكلات الأصدقاء، ومستوى الوعي الذهني عبر 24 سؤالاً، وجودة العلاقة من الناحيتين الإيجابية والسلبية إضافةً إلى الرضا الجنسي.
واستخدم الباحثون أسلوب تحليل الملامح الكامنة، وهو أسلوب إحصائي يُصنّف المشاركين في مجموعات بحسب أنماطهم الفعلية، لا بحسب متوسطات عامة. خلص التحليل إلى أربعة أنماط مختلفة من الوعي الذهني.
الأنماط الأربعة للوعي الذهني
تمثّل النمط الأول في "الوعي المنخفض" وحاز النسبة الأكبر بـ 66% من العينة، حيث أظهر أفراده درجات متدنية في كل مهارات الوعي الذهني، تلاه نمط "الملاحظ الانتقادي" بنسبة 16% وشمل من يرصدون أفكارهم بدقة لكنهم يحكمون عليها بقسوة، ثم نمط "الوعي المرتفع" الذي ضم 11% من المشاركين ممن يتسمون بمستويات مرتفعة في كل المهارات إلى جانب قبول ذاتي واضح.
وأخيرًا جاء النمط الرابع كأصغر المجموعات بنسبة 6% فقط، وهو ما حال دون إمكانية إدراجه ضمن التحليلات الإحصائية التالية.
نتائج التفكير المشترك
لم تُسجّل الدراسة أي ارتباط بين التفكير المشترك في المشكلات وأعراض القلق أو الاكتئاب الفردي لدى أي من المجموعات الأربع.
هذا يختلف عمّا رصدته الأبحاث السابقة في الصداقات، حيث كان التفكير المشترك يزيد الاضطرابات النفسية الفردية.
على صعيد جودة العلاقة، ظهر تباين واضح. بالنسبة لأصحاب الوعي المنخفض والملاحظين الانتقاديين، الذين يمثلون أكثر من 80% من العينة، ارتبط الحديث المتكرر عن المشكلات بتحسّن ملموس في جودة العلاقة الإيجابية وشعور أعمق بالتواصل والدعم العاطفي.
أما أصحاب الوعي الذهني المرتفع، فأظهرت النتائج عكس ذلك تمامًا. كلما زادت جلسات التفكير المشترك، انخفضت جودة العلاقة الإيجابية وارتفعت سلبياتها وتراجع الرضا الجنسي.
ويرى الباحثون أن هؤلاء الأفراد يمتلكون أدوات داخلية فعّالة لإدارة الضغوط، فالتكرار يُشعرهم بالتعثّر لا بالقرب.
آلية التعامل مع الضغوط المشتركة
قالت يونجي تشنج، الباحثة الرئيسة من جامعة فلوريدا ستيت: "الحديث المطوّل عن المشكلات مع الشريك ليس صحيًا أو ضارًا بطبعه، بل تعتمد تبعاته على كيفية تعامل الشخص مع أفكاره ومشاعره".
وأشارت الدراسة إلى أن المسألة ليست "هل نتحدث عن المشكلات؟" بل "متى يصبح الحديث عبئاً؟".
ونصح الباحثون الأزواج بمراقبة ما إذا كانت المحادثة تُولّد تفاهمًا وتواصلاً حقيقيًا، أم تتحول إلى تكرار عقيم.
الوعي الذهني المرتفع لا يعني أن الزوج لا يحتاج إلى الحديث؛ بل يعني أنه بحاجة إلى أسلوب مختلف في التعامل مع الضغوط المشتركة.
