سيكولوجية اختيار الملابس.. ماذا تكشف خزانتك عن شخصيتك؟
حيرة نمرّ بها كلّ يوم حين نقف أمام خزانة الملابس، نحاول الاختيار من بينها ما يناسب طلّتنا، ولكن في النهاية يقع اختيارنا على قطعةٍ بعينها، وربّما نُكرّر اختيارنا لها دون أن نشعر، فهل من رابط نفسيّ خفي يدفعنا إلى اختيارها؟
تُرى هل يتحسّن مزاجنا مع نوعٍ مُعيّن من الملابس أم أنّ تلك القطعة تحديدًا تُعبّر عن شيءٍ أعمق في النفْس؟ ماذا عن الألوان التي ننجذب إليها في انتقاء ملابسنا؟ ما سيكولوجية اختيار الملابس التي تتحكّم في خياراتنا كلّ يوم دون أن نشعر؟
هل نختار ما نحبّه حقًا؟
لا نرتدي الملابس فقط لنبدو جذّابين في أعين الآخرين، وإنّما لاختيار ملابس مُعيّنة جذور نفسية دفينة، فالملابس قد تحمينا من أن نفقد الثقة في أنفسنا؛ إذ تسمح لنا بتحديد المقدار الذي نودّ كشفه عن ذاتنا الحقيقية، كما أنّ اختيار الملابس مرتبِط بأمورٍ كثيرة، من بينها:
ملابسك تضبط مزاجك
قد يختار بعض الناس ملابس بعينها، لأنّها تساعد على تنظيم حالتهم المزاجية، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2024 في دورية "Global Scientific Journals". فالأشخاص الذين يعانون القلق أو الاكتئاب، قد يساعدهم اختيار ملابس تبدو مُنسّقة على الإحساس بالسيطرة.
كما أنّ هناك سلوكًا يُعرَف بارتداء الدوبامين (Dopamine dressing)، الذي يوضّح كيف يؤثّر المزاج والتوتر في أفعالنا، واختيارنا للملابس، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2021 في دورية "Personal Clothing Style and Self-Concept".
ويعني ارتداء الدوبامين ببساطة ارتداء الملابس التي تعزّز هرمون السعادة، وفي هذا السياق تقول عالِمة النفس "كارين باين" في كتابها "انتبه لما ترتديه: سيكولوجية الموضة": "ما نرتديه يؤثّر في مشاعرنا كثيرًا لدرجة أنّه يمكِن أن يشوّه ويحدّد أفكارنا وآراءنا".
منذ نعومة الأظافر.. كيف تتشكّل خياراتنا لما نلبسه؟
والملابس لُغة نفسية بذاتها، ومنذ الطفولة المبكّرة يتعلّم كثيرٌ منّا أنّ الملابس لا تتعلّق فقط بالحشمة أو العادة، بل ترتبط بالتميّز والتوافق مع المعايير الثقافية أو التمرّد عليها.
كما يتعوّد المرء منذ نعومة أظافره على الإشادة من قِبل الآخرين عند ارتداء ملابس أنيقة، ما يخلق علاقة بين اختيارنا للملابس وقبولنا الاجتماعي.
وحسب دراسة عام 2023 في دورية "Personality and Social Psychology Review" فقد استُخدِمت الملابس في كثيرٍ من الأحيان للتحكّم في الانطباعات التي يُشكِّلها الآخرون، فالملابس وسيلة لإظهار الهُويّة لإبراز كفاءتنا، وكثيرٌ من اختياراتنا للملابس محسوب بدقّة؛ خصوصًا في المواقف الاجتماعية المهمة.
كيف تُعبِّر الملابس عن الهُويّة؟
أشارت دراسة عام 2021 في دورية "Frontiers in Psychology" إلى أنّ الملابس أصبحت وسيلة الأشخاص للإشارة إلى انتمائهم إلى مجموعات ثقافية مُحدّدة.
فالملابس باتت رمزًا قويًا وخفيًا للانتماء، سواء إلى ثقافات فرعية أو طوائف دينية أو طبقات اجتماعية، فمثلًا الرئيس الأمريكي السابق "جورج دبليو بوش" ظهر في كثيرٍ من الأحيان مرتديًا قبعة رعاة البقر، رغم خلفيته السياسية.
وتُعدّ شخصية راعي البقر من المفاهيم الأساسية في الثقافة الأمريكية، وقد استخدمها بوش للتعبير عن أسلوبه القيادي بصريًا.
كما قد تُشكّل الملابس ذاتها هويتنا وتؤثّر في الحالة النفسية، ويُشِير إلى ذلك مفهوم الإدراك المُغطّى (Enclothed cognition) الذي يدلّ على أنّ ملابسنا تؤثّر في مواقفنا وسلوكاتنا وأفكارنا، فارتداء الملابس الرسمية قد يجعل الأشخاص يشعرون بمزيدٍ من القوة والكفاءة، في حين أنّ ارتداء الملابس غير الرسمية قد يُعزّز الاسترخاء والراحة، وهذا مؤثِّر بالطبع في كيفية تفاعلنا مع العالم.
كيف تؤثر الملابس في الانطباع الأول وتقدير الذات؟
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ الملابس قد تؤثّر في الانطباع الذي نتركه في أذهان الآخرين؛ إذ يضع الناس بعض الافتراضات بشأن غيرهم من الملابس التي يرتدونها، فيُنظَر إلى من يرتدون أزياءً راقية على أنّهم أقرب إلى التحلِّي بصفات القادة، بغض النظر عن مؤهّلاتهم الحقيقية.
وهذا قد يكون نعمة ونقمة في الوقت نفسه، فإذا أراد المرء ارتداء ملابس جميلة، فينبغي أن يتحمّل مزيدًا من التوقعات التي يفترضها الآخرون بشأنه.
الموضة قانون اجتماعي يحكُم أذواقنا
وتأتي الموضة من وراء كلّ ذلك، لتُملي علينا ما ينبغي أن نرتديه؛ بحثًا عن القبول الاجتماعي وللاعتراف بهُويّتنا الذاتية، ويرى "تالي ستولوفي" مؤلِّف الدراسة المنشورة عام 2021 في دورية "Frontiers in Psychology" والمرتبطة بارتداء الملابس والسمات الشخصية، أنّ الموضة بمثابة قانون اجتماعي، ولُغة مُعبّرة عن الجمال والمكانة والكفاءة للشخص.
وأيًا كان المكان أو المناسبة التي نرتدي الملابس من أجلها، فإنّ الملابس يُنظَر إليها على أنّها انعكِاس لقِيمنا وذواتنا الحقيقية.
من الانطباع الأول إلى تقدير الذات
لكن للاعتماد على الموضة بهذه الطريقة عواقب قد لا تظهر للوهلة الأولى؛ إذ الاعتماد عليها للتحقّق من قبولنا اجتماعيًا أو في نظر الآخرين، قد يؤدي إلى انخفاض احترام الذات، حين لا نحصل على الرضا المنشود في أعين الآخرين، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2024 في دورية "International Journal of Research and Analytical Reviews".
ومع ذلك، فإنّ الاعتراف الإيجابي من قِبل الآخرين قد يكون وسيلة فاعلة لتعزيز تقدير المرء لذاته، وربّما علاقته بغيره أيضًا.
كيف تعكِس ألوان ملابسك مشاعرك؟
للألوان التي نختارها تأثير في مشاعرنا؛ إذ يمكن للمحفزات البصرية كالألوان أن تُحفّز ردود فعل في اللوزة الدماغية، وهي الجزء من الدماغ البشري المسؤول عن المعالجة العاطفية، ومِنْ ثمّ يمتدّ التأثير إلى السلوك والمشاعر، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2024 في دورية "International Research Journal of Modernization in Engineering Technology and Science.
فألوان، مثل الأحمر والأزرق قد تثِير ردود فعل نفسية قويّة، فالأحمر يدلّ على الهيمنة أو الإلحاح، بينما يوحِي الأزرق بالثقة والهدوء، ويمكِن أن يؤدي اختيار المرء لألوان ملابسه إلى تغيير شعوره وكيفية نظرته إلى الأشخاص.
كذلك، فإنّ ارتداء المرء ألوانًا جميلة، يمكِن أن يعزّز ثقته بنفسه، ويجعله يبدو أكثر جاذبية، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2023 في دورية "Sapienza: International Journal of Interdisciplinary Studie".
كيف تُعبِّر عن ذاتك حقًا من خلال ما ترتديه؟
الآن عرفت أنّ الملابس انعكِاس لشخصيتك وربّما مزاجك، وأنّها تترك انطباعًا عنك في أذهان الآخرين، لذا ينبغي أن تكون حريصًا على الأمور الآتية في المرة القادمة التي تُطالِع فيها خزانة ملابسك:
1. ارتداء ملابس الذات المستقبلية
ربّما ينبغي أن تبدأ في اختيار الملابس التي تُعبِّر عما تطمح إليه، بل قد يُسهِم ذلك في تسريع نموك الشخصي؛ فرجل الأعمال الطموح مثلًا يستثمر في قطع ملابس أنيقة ومُرِيحة؛ تُعبِّر عن انتمائه إلى أماكن العمل المهنية.
أمّا الشخص الذي يبدأ في ارتداء الملابس الرياضية ويُكرِّر ذلك، فقد ينجذب طبيعيًا نحو خيارات نمط حياة أكثر نشاطًا، ولكن الاختيار في النهاية متوقّف عليك.
2. ارتداء ما يُسعِدك ويقلّل توترك
أمر آخر ينبغي الانتباه إليه؛ خصوصًا عندما تتحير في اختيار ملابسك إذا كُنت تمرّ بأوقات صعبة؛ إذ ينبغي تجهيز خزانة ملابسك بقطع مريحة ومتعددة الاستخدامات، يسهل ارتداؤها دون التفكير كثيرًا، فهذا قد يساعد على تقليل إرهاق اتخاذ القرار، وكذلك التوتر اليومي.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ هناك ما يُعرَف "بويرابي" أو Wearapy، التي تعني الاستفادة من الملابس في تحسين المزاج، والتي تختلف بالطبع من شخصٍ لآخر، ولكن قبل أن تلتقط قطعتك الأنيقة من خزانة ملابسك في المرة القادمة، تذكّر أنّها تحمل انطباع الآخرين عنك، وأنّها تُعبِّر عن ذاتك وإن لم تشعر.
