سيكولوجية الجاذبية.. كيف تصبح الشخص الأكثر حضورًا في الغرفة؟
تخيل أنك في حفل عشاء أو مجلس عمل أو لقاء عائلي؛ الجميع يتبادلون الحديث والضحكات، ثم تبدأ أنت بالحديث؛ وفجأة، ينصت بعضهم باهتمام بينما يتفقد آخرون هواتفهم بصمت.
ما الذي يصنع الفرق؟ وفقاً لعالمة النفس البريطانية "ساندي مان"، السر لا يكمن في ما تقوله فحسب، بل في كيفية نظرتك لذاتك وللعالم من حولك.
مان، المتخصصة في علم النفس الاجتماعي بجامعة "سنترال لانكشاير"، طورت اختباراً دقيقاً يقيس سماتٍ مفصلية تجمع بين الفضول المعرفي، ومهارة الاستماع، والقدرة على نسج الأفكار المتباعدة في سردٍ مترابط.
الفضول ليس موهبة
الشخصية الممتعة -كما ترى مان- لا تولد كاملة الأوصاف؛ فالفضول المعرفي -وهو الركيزة الأولى في اختبارها- يُكتسب وينمو، لذا فالأشخاص الذين يقرأون في مجالات متعددة، ويتساءلون عن أسباب الظواهر اليومية، ولا يكتفون بالإجابة الأولى التي تخطر ببالهم، هم الأكثر قدرة على صياغة أحاديث تترك أثرًا.
وفي المقابل، الشخص الذي يُقيّد تفكيره بتخصصه أو اهتماماته المعتادة، يجد نفسه يُعيد الأحاديث ذاتها في كل لقاء، وهو ما يُشعر المحيطين به بالملل دون أن يجرأوا على إخباره بذلك.
الاستماع أكثر بلاغة من الكلام
من أبرز ما يُميّز الشخص الممتع وفق اختبار مان، قدرته على الاستماع الحقيقي لا الاستماع المزيف، أي الاستماع الذي يختبئ خلفه شخص يترقب اللحظة المناسبة للحديث عن نفسه؛ فالاستماع الحقيقي يعني طرح أسئلة تفيض بالاهتمام الصادق، وهو ما يجعل المتحدث يشعر أن وجوده له قيمة.
والغريب في الأمر أن كثيرين يظنون أن الحديث الكثير هو مفتاح الجاذبية الاجتماعية، بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا؛ فالصمت، والسؤال المدروس، والإشارة إلى تفصيل ذكره الآخر قبل دقائق، كل ذلك يصنع انطباعًا أعمق بكثير من ساعات الثرثرة.
حين يُعيد الشخص رسم المشهد بطريقته
ثمة سمة ثالثة يقيسها الاختبار، وهي القدرة على رؤية زوايا غير مألوفة في الأحداث اليومية؛ فالشخص الممتع لا يكتفي بنقل الخبر، بل يُضيف إليه تفسيرًا أو تساؤلاً أو مقارنة مفاجئة، وهذه الإضافة البسيطة هي ما يُحوّل المحادثة العادية إلى تجربة فكرية يتذكرها الآخرون.
مان تُشير إلى أن هذه الموهبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يُعرف علميًا بـ"التفكير الإبداعي"، وهو النمط الذهبي الذي يُولّد أفكارًا متعددة للمشكلة الواحدة، وكثيرًا ما يكون المحرك الخفي لمن يُعدّون مثيرين للاهتمام في محيطهم.
الخلاصة التي وصلت إليها مان بعد سنوات من البحث في هذا الموضوع، أن الملل ليس سمة ثابتة، بل هو سلوك ينتج عن عادات ذهنية يمكن تغييرها.
والتوسع في القراءة، والانتباه لردود فعل الآخرين، وتعمّد طرح الأسئلة بدلاً من الاعتماد على الإجابات الجاهزة، كلها خطوات عملية تُقرّبك من تلك الشخصية التي يشتاق الناس لحضورها في المجالس.
وقبل أن تتسرع في الحكم على نفسك، تذكّر: الوعي بضرورة التغيير، هو وحده، أحد الأدلة الأولى على أنك لست بالضرورة في الجانب الممل من الاختبار.
