القلب المكسور والقلب السعيد.. كيف تؤذي المشاعر قلبك؟
يبتهج القلب بين ضلوعنا بتسارُع دقّاته حين نستقبل أخبارًا سارّة، كما يتفاعل القلب بالطريقة ذاتها حين نقلق أو نتلقّى خبرًا سيئًا. ولكن لا تكتفي المشاعر بالتحكّم في دقّات القلب، بل قد تُفضِي أحيانًا إلى ألم الصدر، أو ضيق التنفّس، أو حتى الإغماء؛ خصوصًا لو كان وقْع الخبر -جيدًا أو سيئًا- شديدًا علينا.
ورغم تشابُه تلك الأعراض مع النوبة القلبية، فإنّها أيضًا نفس أعراض متلازمة القلب المكسور، وكذلك متلازمة القلب السعيد، فما الفرق بين المتلازمتَين؟ وكيف تتحكّم في مشاعرك لتحمي قلبك؟
كيف تتحكّم مشاعرك بدقّات قلبك؟
لا يعمل القلب في جسمك منفردًا، بل يتناغم مع تفاعلات مُعقّدة تمرّ عبر المسارات العصبية والهرمونية، التي تتأثّر بمشاعرنا، ومِنْ ثمّ يطال القلب تأثيرها أيضًا.
الجهاز العصبي اللاإرادي وتشكيل استجابة القلب
يتحكّم الجهاز العصبي اللاإرادي في الاستجابات الفسيولوجية للجسم، وينقسم إلى الجهاز العصبي الودّي، والجهاز العصبي الباراسمبثاوي، وأدوارهما متعارِضة، ولكنّهما يتحكّمان معًا في تنظيم مُعدّل ضربات القلب.
كما يحتوي القلب على جهازه العصبي الداخلي، الذي يُشار إليه أحيانًا باسم "دماغ القلب"، والذي يتواصل مع الدماغ في الرأس عبر الجهاز العصبي اللاإرادي، ما قد يؤثّر في معالجة المشاعر هناك، وهذا التفاعل المتبادل يعني أنّ العواطف يمكن أن تؤدي إلى تغييرات في معدل ضربات القلب.
الهرمونات.. لغة التفاعل بين القلب والمشاعر
كذلك الهرمونات تؤثّر في القلب، وتتأثّر بالحالة العاطفية للمرء، فمثلًا في حالة التوتر، تُفرَز هرمونات الكورتيزول والأدرينالين، أو ما يُعرَف "بهرمونات التوتر"، التي تزيد مُعدّل ضربات القلب، ولكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى أضرار صحية لاحقًا، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، كما قد يكون لهرمونات السعادة أيضًا تأثيرها في القلب.
بين الدوبامين والسيروتونين.. كيف تهيمن السعادة على القلب؟
بالتأكيد لا يمكِن اختزال السعادة في مجرد تفاعلات كيميائية تدور في الدماغ، ولكن ثمّة مواد كيميائية رئيسة تُسهِم في إحساسنا بالسعادة، وعلى رأسها الدوبامين والسيروتونين.
والدوبامين مثلًا يمتلك تأثيرًا واضحًا في القلب؛ إذ يمكِن أن يزيد قوة الانقباض، ويرفع معدّل ضربات القلب، كما أشارت دراسة عام 2023 في المجلة الدولية للعلوم الجزيئية "International Journal of Molecular Sciences" إلى وجود خمسة أنواع من مستقبلات الدوبامين في القلب.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى السيروتونين؛ إذ قد يُسهِم في زيادة قوة ضربات القلب عبر مستقبِلات 5HT-4، ولكن الدراسات التي تناولت تأثير هذه النواقل العصبية، كانت في سياق التأثير في الأمراض والبحث عن علاجات مناسبة، ومع ذلك، فإنّه لا يمكِن تجاهل تأثيرها في دقّات القلب وانتظام ضرباته.
ما الفرق بين متلازمة القلب المكسور والقلب السعيد؟
تُعدّ متلازمتا القلب المكسور والقلب السعيد أوضح دليل على تأثُّر القلب بما نشعر به، كما يتضح فيما يأتي:
متلازمة القلب المكسور (Broken heart syndrome)
متلازمة القلب المكسور (اعتلال عضلة القلب تاكوتسوبو) هي ضعف في البُطين الأيسر من القلب بسبب ضيقٍ عاطفي أو جسدي شديد، مثل مرض مفاجئ أو فقدان حبيب، أو حادث خطير، وقد وُصِفت المتلازمة للمرة الأولى في عام 1990 في اليابان، مع اسم "تاكوتسوبو"، الذي يشِير إلى المظهر المنتفِخ القمّي المميز للبطين الأيسر الذي يشبه مصيدة الأخطبوط اليابانية.
وحسب "Harvard Health"، فإنّ أكثر من 90% من الحالات المُبلَّغ عنها هي من النساء اللاتي تراوح أعمارهنّ بين 58 إلى 75 عامًا، كما أنّ 5% من النساء المُشتبه في إصابتهنّ بنوبة قلبية يعانين بالفعل تلك المتلازمة.
متلازمة القلب السعيد (Happy heart syndrome)
أمّا متلازمة القلب السعيد فهي نوع نادر من متلازمة القلب المكسور، وتتميّز بمعدل انتشار مرتفع بين الذكور، وهي تحدث في أعقاب مُحفّز جسدي أو عاطفي، مثل حفلة عيد ميلاد أو لحظة رومانسية أو حفل زفاف أو تلقّي أخبار سارّة، ما يعني أنّ المُحفّزات العاطفية السارّة قد تؤثّر في القلب أيضًا، حسب ما أشارت إليه دراسة متعدّدة المراكز عام 2022 في دورية "JACC, Heart Failure".
أعراض كل متلازمة وكيف يفرق الأطباء بينهما؟
ليس هناك اختلاف بين أعراض متلازمة القلب المكسور أو متلازمة القلب السعيد، ولكن أشارت مراجعة عام 2026 في دورية "Journal of Association of Physicians of India" إلى أنّ أنماط الانتفاخ غير القمّية غير النمطية؛ خصوصًا في منتصف البُطين، كانت أكثر شيوعًا بدرجة ملحوظة مع المحفزات العاطفية الإيجابية (متلازمة القلب السعيد).
كما كان هناك انخفاض في معدلات حدوث المضاعفات داخل المستشفى، مثل الصدمة القلبية والوذمة الرئوية لدى من تعرّضوا لمحفزات عاطفية إيجابية، كما كان معدل الوفيات على الأمد الطويل خلال فترة متابعة متوسطة مدتها 3.4 سنوات أقل عدديًا بنسبة 2.7%، مقارنةً بـ8.8% في حالات متلازمة القلب المكسور، ولكن الفرق لا يحمل دلالة إحصائية كبيرة.
سوى ذلك، فإنّ أعراض متلازمة القلب المكسور أو السعيد قد تتضمّن:
- ألمًا مفاجئًا وشديدًا في الصدر.
- ضيق التنفّس.
- الإغماء.
- عدم انتظام ضربات القلب.
- انخفاض ضغط الدم.
- خفقان القلب.
وهي كما يتضح شبيهة بأعراض النوبة القلبية (تنجم عن انسداد الشرايين التاجية)، ولكن الفرق في المتلازمة أنّه لا يحدث انسداد في الشرايين التاجية، كما لا يقع تلف دائم في القلب، وعادةً ما يتعافى المرء سريعًا، حسب "Cleveland Clinic".
كيفية علاج متلازمة القلب المكسور أو السعيد
في حالة التشخيص بمتلازمة القلب المكسور، فقد يتعافى المرء في غضون شهرين، بعد أن يبدأ الجسم في التعامل بشكلٍ أفضل مع الضغوط التي يمرّ بها، حسب جمعية القلب البريطانية "BHF"، كما قد يصف الطبيب بعض الأدوية لإدارة الأعراض، مثل:
- مُدرّات البول، لتقليل تراكُم السوائل والمساعدة على تخفيف ضيق التنفّس.
- حاصِرات بيتا ومثبّطات الإنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين، لتقليل الضغط عن القلب، ومساعدته على العمل بشكلٍ أفضل.
- الأدوية المميعة للدم إذا كان المرء معرضًا لخطر كبير للإصابة بجلطات الدم أو عدم انتظام ضربات القلب، مثل الرجفان الأذيني.
نصائح لتهدئة مشاعرك وانفعالاتك لحماية قلبك
ليست هناك طريقة مُعيّنة للوقاية من متلازمة القلب المكسور أو متلازمة القلب السعيد، ولكن قد تساعد إدارة التوتر والمشاعر في تقليل احتمالية الإصابة بأي من المتلازمتَين، وقد تُعِين النصائح الآتية على تحقيق ذلك:
- تقنيات الاسترخاء: قد تساعد تقنيات الاسترخاء، مثل التنفّس العميق، في إدارة المشاعر والحد من التوتر، كما قد يستفيد بعض الناس من قضاء بعض الوقت في الطبيعة أو التحدّث مع الأصدقاء.
- النشاط البدني: تساعد ممارسة التمارين الرياضية بانتظام على تخفيف التوتر، كما تحمي أيضًا من الإصابة بأمراض القلب عن طريق تقوية عضلة القلب وخفض ضغط الدم، والمساعدة على الحفاظ على وزنٍ صحي.
- أخذ راحة: حاول أن تتجنّب رسائل البريد الإلكتروني وضجيج إشعارات هاتفك، بتخصيص وقت كلّ يوم ولو حتى لمدة 10 - 15 دقيقة لالتقاط أنفاسك.
- نمط الحياة الصحي: كذلك ينبغي الحرص على تناول نظام غذائي صحي، والحفاظ على الوزن، وتجنّب التدخين، وتحدّي الأفكار السلبية التي قد تطرق أفكارك على غير موعد سابق.
ختامًا، تمثّل متلازمة القلب المكسور والقلب السعيد أوضح تأثير لمشاعرنا على قلوبنا، ورغم أنّ الأعراض شبيهة بالنوبة القلبية، فإنّ القلب لا يتعرّض لتلفٍ دائم، كما لا يكون هناك انسداد في الشرايين التاجيّة، وإنّما فقط مسّت المشاعر الشديدة قلوبنا فلم تحتملها.
