بين العلاج والتعافي.. هل يحميك الفنّ من متلازمة القلب المكسور؟
عندما تُمسِك فُرشة تلوين وتقِف أمام لوحة بيضاء تنتظر منك فقط أن تُطلِق لإبداعك العنان، بِم تشعر حينها؟ كيف تكون مشاعرك عندما تنتهي من لوحتك الفنّية؟
تلك صورة واحدة من الفنّ، فالفنّ أشكال متنوّعة، جوهرها تعبير إبداعي عن ذاتنا، فالكتابة عن مشاعرك صورة أيضًا من صور الفنّ. وصحيح أنّ الفنّ ينزع منّا القلق والتوتُر، ويُبدِلنا به سعادةً لا مثيل لها، لذا استُخدِم بمثابة علاج لبعض الاضطرابات النفسية.
ولكن هل يصلح العلاج بالفنّ لمشكلات القلب؟ وهل يمكِن أن يساعد على التعافي من مشكلة مثل متلازمة القلب المكسور؟
ما هو العلاج بالفن (Art therapy)؟
تقنية علاجية فكرتها الأساسية أنّ التعبير الإبداعي يمكِن أن يعزّز الشفاء والعافية النفسية، ورغم اعتماد الناس على الفنّ للتواصل والتعبير عمّا يجول بخاطرهم منذ آلاف السنين، فإنّ العلاج بالفن لم يصبِح علاجًا رسميًا حتى الأربعينيات من القرن الماضي.
ولاحظ الأطباء أنّ الأفراد الذين يعانون أمراضًا نفسية غالبًا ما يجدون مُتسعًا للتعبير عن أنفسهم في الرسومات والأعمال الفنّية الأخرى، ما دفع كثير من الأطباء إلى استكشاف مدى إمكانية استخدام الفنّ علاجًا، ومنذ ذلك الحين أصبح جزءًا من العلاج في بعض جوانبه.
ما هي متلازمة القلب المكسور؟
ضعف سريع يسري في عضلات القلب بعد التعرّض لضائقة نفسيّة أو ضغطٍ جسدي مفاجئ، وأعراضه شبيهة بالنوبة القلبية؛ إذ تتضمّن ألم الصدر وضيق التنفّس، ومِنْ ثمّ فقد يقع الخلط بينهما، لكن النوبة القلبية تنتج عن انسداد الشرايين التاجية، بينما لا يحدث ذلك مع متلازمة القلب المكسور رغم تشابُه الأعراض.
كيف يساعد العلاج بالفن على حماية القلب؟
إذًا التوتر أو الضائقة النفسية قد تكون أكبر مُسهِم في متلازمة القلب المكسور، والتوتر عمومًا يثِير استجابات فسيولوجية، مثل زيادة معدل ضربات القلب أو الالتهاب؛ الذي قد يزيد بدوره خطر الإصابة بأمراض القلب.
وحسب دراسة عام 2018 في مجلة العلوم السلوكية "Behavioral Sciences" فإنّ الانخراط في الأنشطة الإبداعية يمكِن أن يخفض مستويات التوتر ويزيد من إنتاج الإندورفين، الذي يحسّن المزاج، كما يمكِن أن يخفض ضغط الدم ويحسّن صحة القلب.
لذا فإنّ العلاج بالفن قد يوفّر نهجًا شاملًا لمرضى القلب؛ إذ يساعد على تحسين الجوانب الجسدية والعاطفية، كما يعزّز الاسترخاء والتعبير عن الذات والرفاهية العاطفية.
العلاج بالفن يحسّن تبايُن معدّل ضربات القلب
ثبت أيضًا أنّ الأنشطة الفنّية يمكِن أن تحسّن تبايُن معدّل ضربات القلب (HRV)، وهو مقِياس يدلّ على مدى قدرتنا على التكيّف مع التغيّرات في نشاط أدمغتنا وكذلك البيئة المحيطة بنا، كما أنّ انخفاض تبايُن معدل ضربات القلب باستمرار قد يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب في المستقبل.
فمثلًا وجدت دراسة عام 2018 في دورية "Frontiers in Psychology" أنّ المشاركين الذين يستخدمون ألوان الباستيل الزيتية، شهدوا تأثيرًا إيجابيًا أكبر على تبايُن معدل ضربات القلب مقارنةً بمن رسموا بالألوان المائية والقلم الرصاص.
وربّما يكون ذلك بسبب التجربة الأعمق تلامسًا باستخدام ألوان الباستيل الزيتية، ما أتاح قدرًا أكبر من حُرية التعبير، علاوة على الشعور بالسيطرة.
تدوين مشاعرك عمل إبداعي آخر يَحفظ قلبك
دلّت كثير من الأبحاث على أنّ الكتابة عمّا تشعر به يمكِن أن يقلّل من هرمونات التوتر وضغط الدم، وحسب دراسة عام 2011 في مجلة "Health Psychology" أُجريت على 156 مريضًا عانوا مؤخرًا احتشاء عضلة القلب، طُلب من مجموعة واحدة الكتابة عن أفكارهم ومشاعرهم المُتعلّقة بمشكلتهم القلبيّة، بينما طُلب من مجموعة أخرى الكتابة بحيادية عن الأنشطة اليومية.
وبعد 5 أشهر من الانتهاء من الدراسة، أبلغت المجموعة التجريبية عن حضور أكبر بكثير لجلسات إعادة التأهيل، وأعراض أقل مرتبطة بالقلب وانخفاض ضغط الدم الانبساطي، ما يوضّح أهمية التعبير عن المشاعر، حتى لو كانت على الورق.
"زاندريا مورير".. قصّة فنّانة عانت متلازمة القلب المكسور
بينما ذهبت "مورير" لتنظيف أسنانها، لم تقدِر على أن ترفع فرشاة الأسنان إلى فمها، وكان ذلك في ليلة باردة في فبراير عام 2019؛ إذ لم تتمكّن من رفع ذراعها اليُسرى دون معاينة ألمٍ حارِق، لذا استخدمت اليد الأخرى، ولكن حدث الشيء نفسه، ولم تُلقِ بالًا كثيرًا لهذه المشكلة، ثُمّ اتّجهت إلى فراشها بينما كانت تشعر بألم في معدتها أيضًا.
ولكن بعد فترة قصيرة من استلقائها على السرير، تفاقمت آلام معدتها، وبدأ صدرها يؤلمها، وعندما قاست ضغط دمها كان مرتفعًا، فاتجهت إلى الطوارئ في أقرب مستشفى، لتستقبل خبر تشخيصها بمتلازمة القلب المكسور.
إلى أي مدى أثّرت متلازمة القلب المكسور في "مورير"؟
كانت "مورير" من عُشّاق المتاحف والفنون طوال حياتها، ووجدت نفسها نادِمة أنّها لم تُخصّص الوقت الكافي لتجربة تلك الأمور بنفسها، واشتاقت إلى فعل ذلك عندما تتعافى من تلك المتلازمة.
ولكن التعافي لم يكُن سهلًا كما كانت تأمل. صحيح أنّ عديدًا من المصابين بمتلازمة القلب المكسور يتعافون في غضون أيام أو أسابيع دون مضاعفات مستمرّة، فإنّ هناك من يظلّ يواجِه تحديات صحية.
وأُصِيبت "مورير" لأول مرة بالتهاب في التامور، ومِنْ ثمّ واجهت صعوبة في المشي إلى المطبخ لتناول كوب من الماء.
كما أُصِيبت بمشكلات ضغط الدم رغم أنّها لم تكُن تعاني ارتفاع ضغط الدم قبل إصابتها بالمتلازمة، واضطّرت إلى تناول أدوية ارتفاع ضغط الدم، كما وجدت نفسها لا تقدر على المشي السريع أو على صعود المنحدرات.
ولكنّها أبقت على آمالها وتفاؤلها مع كلّ ذلك، وتقبّلت وضعها الحالي.
من القلب المكسور إلى انطلاقة فنّية استثنائية
انتهزت "مورير" فرصتها في استوديو في سنوشو بولاية فيرجينيا الغربية -حيث إقامتها- فقد كان مليئًا بالدهانات والفُرش واللوحات القماشية، وقد أوفت "مورير" بوعدها لنفسها وبدأت في استكشاف مواهبها الفنّية.
وبعد مرور 6 سنوات، كانت قد أنشأت بالفعل معرضها الخاصّ وأثبتت نفسها في عالم الفنّ الدولي بعينها الثاقبة للألوان والتفاصيل، وركّزت في أغلب أعمالها على الأشجار الطبيعية والحقول والصخور والجداول.
وفي العام الماضي، عُلِّقت عديد من لوحاتها في مبنى الكابيتول بولاية فرجينيا الغربية، والتي لا تزال مُعلّقة حتى اليوم. وتعبّر "مورير" عن مكانة الفنّ عندها فتقول: "الرسم هادئ للغاية ويجلب لي كثيرًا من المُتعة".
وتضِيف أيضًا: "لكن ما أتمنّاه حقًا هو أنّه عندما يرى الناس أعمالي الفنية، أن تمنحهم إحساسًا بالسلام والأُلفة. أريد أن يربط فنّي الناس بوقتٍ في حياتهم جلب لهم السعادة".
صحيح أنّ الفنّ لم يكُن هو العلاج لمتلازمة القلب المكسور لـ"مورير"، ولكنّها أمضت رحلة تعافيها من المتلازمة تبهِر العالم بفنّها، وقد أثبتت الدراسات أنّ العلاج بالفنّ قد يساعد على تقليل التوتر وتعزيز الرفاهية العاطفية، ما قد يُسهِم في حماية قلبك من الأمراض.
