التعلق بالمشاهير.. متى يتحول الإعجاب إلى ارتباط غير صحي؟
خيط رفيع يفصِل بين إعجابك بأحد المشاهير وتتبّعك لتفاصيل حياته الشخصية التي يُخفِيها عن مرأى العيون، وبين أن تكون مرتبطًا به في خيالك، تُفكّر فيه بين الحين والآخر، تتعاطف معه، تتحيّز لآرائه مهما اختلفت مع مبادئك، وربّما تُقلّده في سلوكاته وتقتبس منها في حياتك.
نعم قد ينسج المرء في خياله حصرًا علاقة شبه اجتماعية مع أحد المشاهير، وهي مغايرة تمامًا للإعجاب العادي، فلماذا يتعلّق أحد بالمشاهير إلى تلك الدرجة؟
ما هي العلاقة شبه الاجتماعية (Parasocial Relationship)؟
العلاقة شبه الاجتماعية هي علاقة أُحادية الجانب، يتملّك فيها المرء إحساس قوي بالأُلفة أو الارتباط مع شخصٍ لا يعرفه، وغالبًا ما يحدث هذا الترابط مع المشاهير، وهذه العلاقة ليست موجودة على أرض الواقع، بل حصرًا في مُخيّلة المرء.
وصِيغ مُصطلَح "العلاقة شِبه الاجتماعية" من قِبل علماء النفْس "دونالد هورتون" و"ر. ريتشارد وول" في عام 1956، عندما أصبح التلفاز متاحًا على نطاقٍ واسع، مُشِيرين إلى أنّ مُشاهدِي التلفاز بدأوا تكوين وهم ارتباط حميمي مع الشخصيات التي تظهر على الشاشة.
ورغم أنّ العلاقة خيالية في المقام الأول، فإنّ من يُصاب بهذا النوع من الارتباط يتعامل معه على أنّه حقيقة واقِعة.
لماذا قد نتعلّق بالمشاهير إلى هذه الدرجة نفسيًا؟
ليس هُناك سبب مُؤكّد يوضح سرّ العلاقة الخيالية التي ينسجها المرء مع أحد المشاهير، ولكن ربّما يكون ذلك بسبب قضائنا كثيرًا من الوقت على الإنترنت أو مشاهدة التلفاز أو الأفلام، ومِنْ ثمّ فقد نميل تلقائيًا إلى محاولة التعرّف إلى الوجوه التي نراها على مدار اليوم، وربّما تتملّكنا مشاعر تجاههم كُلّما طالعناهم، حسب منصّة "Psychology today".
هل نرتبط بالمشاهير بسبب إحساس الوحدة؟
لكن ثمّة سبب آخر قد يفسّر تلك العلاقة الخيالية، وهو الشعور بالوحدة، فكُلّما زاد إحساس المرء بالوحدة، زادت احتمالية انخراطه في علاقة شِبه اجتماعية، والبحث عن أي ارتباطٍ بطريقةٍ ما، حتى لو لم يكُن له صدى في الواقع.
ولكن ما يُضاد تلك الفرضية أنّ الباحثين وجدوا أيضًا أنّ الأفراد الذين يتّسمون باجتماعية عالية، ويميلون بطبيعتهم إلى تكوين صداقات واقعية، هم أيضًا أكثر عرضةً لتكوين علاقات شبه اجتماعية.
هل تعزّز وسائل التواصل هذا النوع من الارتباط؟
بالتأكيد كان لوسائل التواصل الاجتماعي يد في هذا النوع من الارتباط؛ إذ يطَّلع الجمهور على تفاصيل الحياة الشخصية للمشاهير عبر تلك المنصّات، بل إنّ المشاهير قد يتجاوبون مع معجبيهم أيضًا من خلالها.
ورغم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تسمح بكلّ ذلك، فإنّها لم تزِد بالضرورة من انتشار العلاقات شبه الاجتماعية، حسب منصّة "Psychology today".
لماذا لا يمكِن مقاومة فكرة الارتباط بالمشاهير بهذه الطريقة؟
هُناك اعتقاد بأنّ العلاقات شبه الاجتماعية يمكِن أن تكون أقل تطلبًا (ليس بها مسؤوليات كثيرة)، وأشدّ مُتعة من العلاقات الواقعية، فأنت لا تفتعل خلافًا مع شخصٍ لا تعرفه ولم تتعامل معه، ولست بحاجةٍ إلى أن تعبّر عن اهتمامك بين الفينة والأخرى.
ما الفرق بين الإعجاب العادي والتعلّق غير الطبيعي بالمشاهير؟
طبيعيٌ أن ينال بعض المشاهير إعجابك، ولكن هذا مُغاير تمامًا لأن تكون مرتبطًا بهؤلاء المشاهير في خيالك، والفرق هو أنّ كونك معجبًا لا يعني بالضرورة أن يعبّر هذا المشهور عن هويتك.
فقد تُحبّ موسيقى فنان مُعيّن أو تصرّفات شخصية رأيتها من ممثّل في برنامج تليفزيوني، فتودّ الاهتمام بكواليس حياته خارج الشاشة، فهذا إعجاب عادي.
أمّا العلاقة شبه الاجتماعية فأنت تتعامل كما لو كُنت تعرف المشاهير، وتجاوزت مرحلة الإعجاب، ودخلت العلاقة حيّز التعامُل مع صديقٍ مُقرّب مثلًا، رغم أنّ هذا في الخيال فقط.
كيف تعرف ما إذا كُنت معجبًا أم مُتعلّقًا بالمشاهير بطريقة غير طبيعية؟
هناك بعض العلامات التي تُحدِّد ما إذا كُنت متعلّقًا بالمشاهير بتلك الطريقة الخيالية، والتي تتضمّن حسب "Healthline":
1. العلاقة من طرف واحد
العلاقات شبه الاجتماعية علاقة من طرف واحد، بخلاف العلاقات التقليدية، فأنت تشعر أنّك على علاقة بهذا الفنّان، ولكنه ليس على علمٍ بذلك، بل لا يشعر بوجودك، كما أنّك لا تتفاعل معه مباشرةً كلّ يوم مثلًا.
2. التعلّق العاطفي
أنت لست مُعجبًا بما يُقدِّمه الفنان، بل تشعر بعاطفة قويّة تجاهه، فمثلًا قد تشعر بفرحٍ أو حُزن أو تعاطُف بناءً على ما يفعله أحد المشاهير أو تجاربه التي تراها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
3. إحساس الأُلفة
يمكِن للعلاقات شبه الاجتماعية أن تخلق إحساسًا بالأُلفة لديك، كأنّك تعرف المشاهير بأشخاصهم رغم غياب أي تفاعل حقيقي بينك وبينهم.
4. التقليد
قد يمتدّ تأثير التعلق بالمشاهير إلى سلوكك وتفضيلاتك في الحياة اليومية ومواقفك، فقد تُقلِّد أسلوب المشاهير الذين تظنّ أنّك مرتبِط بهم، أو تتبنّى وجهات نظرهم، أو تُشارِك في الأنشطة المتعلّقة بما يُقدِّمونه.
كيف يفِيدك التعلّق بالمشاهير صحيًا؟
رغم غرابة التعلّق بتلك الطريقة، فإنّه قد يحمل بعض الفوائد الصحيّة، التي تتضمّن، حسب "Everyday Health":
- إتاحة مساحة آمنة لمن لا يرتاحون للمواقف الاجتماعية: تلك العلاقات الخيالية لا تتضمّن تفاعلًا اجتماعيًا حقيقيًا، ومِنْ ثمّ فقد تُمثّل مساحة آمنة للخجولين أو من لا يشعرون بالأمان في المواقف الاجتماعية؛ إذ لن يتعرّضوا للرفض مثلًا أو ما شابه.
- تعزيز الثقة الذاتية: من مزايا العلاقة شبه الاجتماعية هي إمكانية التدرّب على التفاعل مع الآخرين إذا تفاعلت معهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كما تُعدّ فرصة للتعلّم الاجتماعي والاستفادة مما تعلّمته في العالم الحقيقي.
- بناء الهوية: قد يُسهِم هذا النوع من العلاقات في تشكيل الهويّة والاستقلالية الفردية، التي قد تختلف تبعًا للمشاهير الذين تتعلّق بهم.
أليس للتعلّق بالمشاهير أضرار نفسية؟
رغم ذلك، فإنّ التعلق بالمشاهير على هذا المنوال قد يصير ضررًا حقيقيًا؛ خصوصًا إذا تشبّث المرء بتغيير سلوكاته بناءً على ما يراه من المشاهير، ولكن هناك بعض العلامات التي توضّح أنّ العلاقة شبه الاجتماعية باتت مُضرة، مثل:
- إعطاء الأولوية لهذه العلاقات على العلاقات الحقيقية.
- عدم التفاعل في الحياة الحقيقية والشعور بالوحدة أو العُزلة.
- ذوبان الهويّة الذاتية لصالح آراء ومُعتقدات من تتعلّق به من المشاهير.
كيف تحافِظ على الإعجاب الطبيعي دون التعلّق المرضي؟
إذا شعرت بأنّك على ارتباط بأحد المشاهير لكن بصفةٍ غير طبيعية، فقد تستعيد النصائح الآتية الإعجاب الطبيعي وتحول بينك وبين التعلّق المرضي:
- اصدق مع نفسك: كُن صادقًا مع نفسك، واعرف ما إذا كُنت تشعر بالوحدة أو الحُزن، أو هل تشعر أنّ تلك العلاقة الخيالية هي الشيء الوحيد الجيّد في حياتك؟ صحيح أنّ الاعتراف بتلك الأمور ليس يسيرًا، لكنّه خطوة أولى نحو استعادة توازنك النفسي.
- أعِد رسم حدودك: إذا كُنت على وشك حضور حفلٍ لأحد المغنيين، فأعطِ تذكرة الحفل تلك لصديق، وتخلّص من الملصقات التي تملأ غرفة نومك، وبالأحرى اجعل تفاعلاتك في حدّها الأدنى مع هذا المغنّي أو المشهور، إلى أن تشعر بالرضا بما يكفي لتكون بمفردك.
- خُذ استراحة من وسائل التواصل الاجتماعي: ما لم تتمكّن من التوقف ولو قليلًا عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ففكِّر في حظر الشخص المعنيّ أو إلغاء متابعته، أو أعِد ترتيب موجز الأخبار لديك بحيث يكون أبعد عن المشاهير.
- عزِّز علاقاتك الحقيقية: كُلّما كُنت مشغولًا مع رفقائك أو عائلتك، كان من السهل تفادي الوقوع في براثن العلاقة شبه الاجتماعية، ولو فرضًا لم يكُن لديك رفقة تصاحِبك، جرّب الانضمام إلى نادٍ اجتماعي أو تطوَّع في مركز اجتماعي؛ لعلّك تجد رفقة تستحق صحبتك.
ولكن إذا أثّرت تلك العلاقة الخيالية سلبًا في حياتك ولم تُفلِح تلك النصائح معك، فربّما تحتاج إلى استشارة مُختصّ نفسي، وتذكّر أنّ الإعجاب له حد لا يتجاوزه، أمّا التعلّق المرضي، فارتباط من طرف واحد وأُلفة على غير العادة بشخصٍ لا تعرفه على الحقيقة.
