هوس إطالة العمر.. متى يتحول السعي إلى الشباب الدائم إلى هوس؟
بين حقن الفيتامينات والعلاج بالتبريد ومراقبة الصحة على مدار الساعة بالأجهزة القابلة للارتداء، نجِد أنفسنا أكثر اهتمامًا بصحتنا، وربّما نطمع في إطالة العُمر إلى أبعد حدٍ ممكن بما وفّرته التقنيات والأساليب العلاجية الحديثة.
ولكن قد تصبِح إطالة العُمر هوسًا بذاتها، يخصِم من عُمرك، ويُسرّع شيخوختك دون أن تشعر، فكيف نقع في فخ هوس إطالة العُمر؟ وما علامات ذلك؟ وكيف تحافظ على شبابك لأطول أمدٍ ممكن دون هوس؟
لماذا ازداد التوجّه إلى إطالة العُمر Longevity حديثًا؟
الأمر لم يحدث دون مقدّمات؛ إذ حلّت إطالة العُمر محلّ الاتجاهات الأخرى في السنوات الأخيرة، لتُصبِح مؤشرًا رئيسًا لصحة الشخص.
وفي السابق كنت حركة هامشية مرتبطة "بالتحكّم البيولوجي" أو ما يُسمّى "Biohacking"، لكن الغطس البارد والساونا والمكملات الغذائية والأنظمة الغذائية المتوسطية، والفيتامينات الوريدية أصبحت سائدة بصورةٍ مُطّردة.
كما عزّز المتحمّسون لإطالة العُمر، مثل رجل الأعمال التكنولوجي "بريان جونسون" الوعي بشأن ذلك؛ خصوصًا مع "مشروع الخلود" الذي يتزعّمه جونسون بشأن الحمية الغذائية والمكملات والعلاجات في محاولة لعكس الشيخوخة، بالإضافة إلى عمليات نقل البلازما التي يأخذها من ابنه المراهِق.
كما يأتي هوس إطالة العمر في وقت تتراجع فيه معدلات المواليد في مختلف أنحاء العالم النامي، ولكن أيضًا يرتبط بيع بعض المنتجات باستخدام كلمات طنانة، على غرار "خصائص إطالة العُمر"
ومن المُتوقّع أن يصل قطاع إطالة العُمر إلى 9.8 تريليون دولار بحلول عام 2029.
ما هي متلازمة الهوس بإطالة العُمر؟
متلازمة الهوس بإطالة العُمر (Longevity Fixation Syndrome) ليست تشخيصًا رسميًا، ومع ذلك وجد الخبراء في عيادة "باراسيلسوس" للتعافي، وهي عيادة للصحة النفسية مقرّها زيورخ، أنّ التركيز الوسواسي وغير الصحي على إطالة العُمر، يتجلّى بصورةٍ متزايدة في القلق والتوتر، وحتى اضطرابات الأكل لدى مرضاهم.
وفي حديثه لصحيفة "ميرور" قال "جان جيربر" المؤسّس والرئيس التنفيذي لشركة "باراسيلسوس ريكفري": "نشهد عددًا متزايدًا من الأشخاص الذين تهيمن على حياتهم مخاوف الشيخوخة، لدرجة أنّنا حدّدناها كحالة جديدة؛ متلازمة الهوس بإطالة العُمر".
فما بدأ بهدف العناية بالنفس، تحوّل إلى مراقبة مهووسة للذات، ويمكِن أن يؤدي هذا الهوس إلى تقصير العُمر بدلًا من إطالته؛ إذ يُضِيف "جيربر" أنّه من الصعب أن يعيش المرء عُمرًا أطول دون صحة نفسية جيّدة.
دور التقنيات القابلة للارتداء في تعميق الهوس
وأشار "جيربر" أيضًا إلى أنّ الأجهزة القابلة للارتداء جعلت الأمر يأخذ منحنى مختلفًا، مثل خواتم أورا، وأجهزة مراقبة اللياقة البدنية، وأجهزة مراقبة الجلوكوز، التي ربّما لا يمتلك الناس سببًا على الإطلاق لارتدائها؛ إذ لا يكونون مصابين أو يواجِهون خطر الإصابة بداء السكري.
لماذا نقع في فخّ هوس إطالة العُمر بسهولة؟
كذلك يشير "جيربر" إلى أنّ الحصول على ليلة واحدة من النوم السيء، أو تفويت تمرين رياضي، يخلق شعورًا بالذنب، إلى جانب التوتر القائم أصلًا، ولكن هذا الذنب قد لا يحدث مع أمور، مثل إدمان المخدرات او أي إدمان مُضر، لأنّ الهوس بإطالة العُمر هو في ذاته شيء جيد.
ما الأعراض المصاحبة لهوس إطالة العُمر؟
ثمّة فرق واضح بين الرغبة الطبيعية في إطالة العُمر، والهوس بذلك؛ إذ قد يتمثّل الهوس في التزام روتين لا يمكِن تحقيقه أو الهوس الدائم بمراقبة الجسم، أو حتى هوس الأكل الصحي، بتناول الطعام النظيف، لاعتقاد أنّ التقييد الشديد هو الخيار الصحي.
وفيما يأتي بعض الأعراض الرئيسة لمتلازمة هوس إطالة العُمر:
- المراقبة والتتبّع المهووس للمقاييس الصحيّة، بما في ذلك ضغط الدم والنوم ومستويات الجلوكوز وعيّنات البُراز.
- الروتينات المتطرفة، بما في ذلك الأنظمة الغذائية الصارمة، وبروتوكولات المكملات الغذائية، وروتين التمارين الرياضية المكثّف، بالإضافة إلى العلاجات المثِيرة للجدل، مثل تبادُل البلازما.
- تسريع الالتهابات وعلامات الشيخوخة، بسبب الخوف والقلق؛ إذ ترتفع مستويات هرمون الكورتيزول، وهو نقيض ما يرغب فيه من يتملّكه هوس إطالة العمر.
- التأثير في الحياة الشخصية، مثل تفويت المناسبات العائلية لأجل بروتوكول ما، مثل جلسة علاج بالتبريد، ما قد يؤدي إلى الشعور بالعُزلة والوحدة.
- الاكتئاب والأرق، بسبب تحوّل نظام إطالة العُمر الذي يتّبعه الفرد إلى مشكلة بحد ذاته.
الأخطار الصحية وراء هوس إطالة العُمر
يقول الدكتور "جوردان شلين" المؤسّس والرئيس التنفيذي لشركة "برايفت ميديكال" إنّ فريقه من الأطباء شاهدوا القصّة نفسها تتكرّر في عيادات الكونسيرج الراقية في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن شهد فريقه أضرارًا جسدية أيضًا على المهووسين بإطالة العُمر، مثل:
- مشكلات الكلى بسبب الإفراط في تناول المكملات الغذائية.
- اختلال التوازن الهرموني والخلل الأيضي، بسبب الصيام الشديد.
- الإصابات الناجمة عن الإفراط في التدريب.
- المضاعفات القلبية الوعائية، مثل النوبة القلبية، الناجمة عن الاستخدام غير المُراقَب للمركّبات المُحسّنة للأداء، التي يُروّج لها على أنّها "عوامل تُطِيل العُمر".
دون هوس.. كيف تحافظ على شبابك لأطول أمدٍ ممكن؟
بدايةً ينبغي عدم إجراء تجارب أو استخدام تقنيات على الجسد بناءً على توصيات بعض المؤثِّرين على إنستجرام، وإنّما يجب الاعتماد على التقنيات التي خضعت لما يكفي من الدراسات العلمية لإثبات أنّها آمنة وفاعِلة أيضًا.
وتظلّ هناك بعض الأمور الطبيعية في متناول أي شخصٍ أن يفعلها لمساعدته على إطالة العُمر، مثل:
1. قضاء بعض الوقت مع الأصدقاء
إنّ قضاء بعض الوقت مع الأصدقاء والعائلة يمكِن أن يزيد متوسّط العُمر المتوقّع؛ إذ أظهرت دراسة عام 2021 في مجلة "Frontiers in Psychology" أنّه كُلّما زاد ارتباطك بأحبائك، كانت صحتك العامة أفضل، ويمكِن أن يعزى ذلك إلى أنّ وجود أشخاص تحبّهم من حولك يقلّل توترك.
كما خلصت مراجعة عام 2010 في مجلة "PLoS Medicine" استندت إلى 148 دراسة، شملت 308,849 مشاركًا، إلى أنّ العلاقات الاجتماعية القوية تقلّل خطر الوفاة المبكرة بنسبة 50%.
2. الرياضة دون هوس
نعم ممارسة بعض الرياضة كلّ يوم يمكِن أن تساعد على إطالة العُمر، ولكن دون أن تتحوّل إلى هوسٍ يُعرِّضك لإصابات جسدية.
وقد أشارت مراجعة شاملة عام 2012 في مجلة أبحاث الشيخوخة "Journal of Aging Research" إلى أنّ الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام -حتى لمدة 3 ساعات فقط في الأسبوع- يعيشون ما يصل إلى 6.9 سنة أطول من أولئك الذين لا يمارسونها.
وعمومًا تضمّ توصيات التمارين الرياضية للبالغين:
- ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من التمارين الهوائية متوسطة الشدة أو 75 دقيقة أسبوعيًا من التمارين الهوائية القوية، أو مزيج منهما، موزّعة على مدار الأسبوع.
- تمارين تقوية العضلات (المقاومة أو الأوزان) يومين على الأقل في الأسبوع.
- قضاء وقت أقل في الجلوس.
3. العلاقة الحميمة
تُحسّن العلاقة الحميمة الصحة العامة، كما أفادت دراسة قديمة عام 1997 في المجلة الطبية البريطانية "BMJ" أنّ الذكور الذين يحصلون على مُعدّل مرتفع من النشوة الجنسية، لديهم انخفاض بنسبة 50% في معدل الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب.
بينما بيّنت دراسة عام 2022 في مجلة عِلم الشيخوخة التطبيقي "Journal of Applied Gerontology" أنّ الاعتقاد بأنّ العلاقة الحميمة جزء أساسي من الصحة كان أكثر تأثيرًا من ممارستها أو الاستمتاع بها.
وحسب الدراسة، فإنّ الأشخاص الذين كانت لديهم معتقدات إيجابية تجاه العلاقة الحميمة، كانوا أكثر احتمالًا بنسبة 78% للعيش وفقًا لمتوسط العُمر المتوقّع، مقارنةً بمن لم يحملوا توقّعات إيجابية.
4. تقليل التوتر
هُنا مكمن الخطر حين يتحوّل الاهتمام بإطالة العُمر إلى هوسٍ يستنزف نفسك، فالتوتر يُسرّع شيخوخة الخلايا، كما يؤدي إلى إطلاق هرمون الكورتيزول، الذي قد يؤدي ارتفاع مستوياته لفترات طويلة إلى ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
لذا حاول أن تهدئ نفسك من خلال تمارين التنفّس العميق مثلًا أو استرخاء العضلات التدريجي، وتذكّر أنّ إطالة العُمر هدف يستحق جهدك، لكن حين تتحوّل إلى هوس فربّما تخصِم من عُمرك من حيث لم تكُن تتوقّع.
