ليس تقليل الدهون أو الكربوهيدرات.. ما المفتاح الحقيقي لصحة القلب؟
لسنوات طويلة، انقسم المهتمون بالتغذية إلى معسكرين؛ أحدهما يرى أن الكربوهيدرات هي العدو الأول للقلب والصحة العامة، بينما يحمّل الآخر الدهون المسؤولية الأكبر عن أمراض القلب والشرايين، وبين هذا الجدل المستمر، انتشرت أنظمة غذائية لا حصر لها تعتمد على تقليل أحد العنصرين أو استبعادهما جزئيًا.
لكن دراسة واسعة النطاق أعادت طرح السؤال من زاوية مختلفة تمامًا، ماذا لو لم تكن المشكلة في الكربوهيدرات أو الدهون نفسها، بل في نوعيتها وجودتها؟
عنصر غذائي لحماية القلب
ووفقًا لما نشره verywellhealth، تُعد أمراض القلب من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا حول العالم، ولذلك ظل البحث عن النظام الغذائي المثالي لصحة القلب هدفًا رئيسًا للباحثين لعقود.
ومع تزايد شعبية الأنظمة منخفضة الكربوهيدرات من جهة، والأنظمة منخفضة الدهون من جهة أخرى، أصبح كثيرون يعتقدون أن التخلص من أحد هذين المكونين هو الطريق الأسرع لحماية القلب.
غير أن الأدلة العلمية الحديثة بدأت تشير إلى أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد حساب غرامات الدهون أو الكربوهيدرات في الطبق.
في محاولة لحسم هذا الجدل، تابع باحثون بيانات أكثر من 197 ألف رجل وامرأة ضمن ثلاث دراسات طويلة الأمد امتدت بين عامي 1986 و2019.
وهدف الباحثون إلى معرفة العلاقة بين الأنظمة الغذائية منخفضة الكربوهيدرات أو منخفضة الدهون وبين خطر الإصابة بمرض القلب التاجي، وهو النوع الأكثر شيوعًا من أمراض القلب، وينتج عن تراكم الترسبات داخل الشرايين، ما يعيق تدفق الدم إلى عضلة القلب وقد يزيد من احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية.
وبعد سنوات من المتابعة والتحليل، كانت النتيجة واضحة هي جودة الطعام كانت العامل الأكثر تأثيرًا، وليس مجرد كمية الدهون أو الكربوهيدرات المستهلكة.
النظام الغذائي لصحة القلب
تشير نتائج الدراسة التي نُشرت في مجلة الكلية الأمريكية لأمراض القلب، إلى أن النظام الغذائي الغني بالأطعمة الطبيعية عالية الجودة يمكن أن يدعم صحة القلب سواء كان منخفض الكربوهيدرات أو منخفض الدهون.
فالكربوهيدرات القادمة من الحبوب الكاملة والخضراوات والبقوليات تختلف تمامًا عن تلك الموجودة في المنتجات المكررة والحلويات والمشروبات السكرية.
وبالمثل، فإن الدهون غير المشبعة الموجودة في زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات لا يمكن مقارنتها بالدهون المشبعة أو الدهون الصناعية الموجودة في كثير من المنتجات فائقة المعالجة.
لذلك، فإن التركيز على مصدر الطعام ونوعيته يبدو أكثر أهمية من التركيز على نسب المغذيات الكبرى وحدها.
من أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن فكرة وجود توزيع مثالي للكربوهيدرات والدهون يناسب جميع الأشخاص ليست دقيقة.
فاحتياجات الأفراد تختلف باختلاف العمر ومستوى النشاط والحالة الصحية والعادات اليومية، وهو ما يجعل المرونة عنصرًا أساسيًا في أي نظام غذائي ناجح.
ولهذا يرى الباحثون أن الاستراتيجية الأكثر فاعلية لا تتمثل في اتباع قواعد صارمة، بل في بناء نمط غذائي متوازن يمكن الاستمرار عليه على المدى الطويل.
كيف تبني نظامًا غذائيًا أكثر صحة للقلب؟
الرسالة العملية للدراسة بسيطة لكنها مؤثرة، ركّز على الطعام الحقيقي.
ويعني ذلك الإكثار من الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور، مع تقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة والمنتجات المكررة التي غالبًا ما تحتوي على نسب مرتفعة من السكر والملح والدهون غير الصحية.
كما يُنصح باستبدال الدهون المشبعة بمصادر الدهون غير المشبعة، مثل زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات، وهي خيارات ارتبطت مرارًا بفوائد مهمة لصحة القلب والأوعية الدموية.
تكشف هذه الدراسة أن صحة القلب لا تعتمد على إعلان الحرب على الكربوهيدرات أو الدهون، بل على اختيار النسخة الأفضل من كل منهما.
فبدلًا من الانشغال بحساب كل غرام من المغذيات الكبرى، قد يكون من الأكثر فائدة النظر إلى جودة الطعام الموجود على المائدة.
وفي النهاية، لا يبدو أن القلب يهتم كثيرًا بما إذا كنت تتبع نظامًا منخفض الكربوهيدرات أو منخفض الدهون، بقدر اهتمامه بأن تكون أطعمتك طبيعية، وغنية بالعناصر الغذائية، وقليلة المعالجة.
وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين نظام غذائي يبدو صحيًا على الورق، وآخر يمنح القلب حماية فعلية على المدى الطويل.
