بين الثبات الذهني وإلهام المدافعين.. حُرّاس مرمى تجاوزوا الأربعين في كأس العالم 2026
يأتي كأس العالم 2026 مع أرقامٍ قياسية من نوع آخر؛ إذ إنّ هناك أربعة حُرّاس مرمى بلغوا عامهم الأربعين، وهُم في تشكيلة منتخباتهم لخوض نهائيات البطولة؛ أملًا في رفع الكأس الذهبية بنهاية المشوار.
صحيح أنّ تقنيات الاستشفاء تطوّرت بما جعل أعمار اللاعبين في ملاعب كرة القدم أطول من ذي قبل، أما في حراسة المرمى فالأمر مختلِف قليلًا؛ إذ إنّ حفاظهم على مستوياتهم في أوج القمّة مع تقدّم العُمر يتطلّب أمورًا أخرى غير الاستشفاء والتدريب المستمر على التصدّي، فما أسرار حُرّاس المرمى التي جعلتهم قادرين على العطاء في ملاعب كُرة القدم؟
العُمر الافتراضي لحارس المرمى في الملاعب
عادةً ما تكون أعمار حُرّاس المرمى في الملاعب أطول من أعمار لاعبي كرة القدم الآخرين، الذين قد يعلّقون أحذيتهم في منتصف الثلاثينيات من عُمرهم، بينما قد يستمرّ عدد غير قليل من حُرّاس المرمى في ارتداء قفازاتهم حتى أواخر الثلاثينيات من عُمرهم.
علاوة على ذلك، يستمرّ حُرّاس المرمى في المنافسة على أعلى مستوى حتى مع تقدّم أعمارهم واقتراب موعد اعتزالهم اللعبة.
لماذا يتمتّع حُرّاس المرمى باستمرارية أكبر في ملاعب كرة القدم؟
ربّما يستمرّ حُرّاس المرمى في الملاعب لفترةٍ أطول من غيرهم من لاعبي كرة القدم للأسباب الآتية:
1. حراسة المرمى تحتاج إلى مجهود أقل نسبيًا
من الواضح أنّ حُرّاس المرمى لا يغطّون مساحات شاسعة من الملعب كما يفعل باقي لاعبي الفريق، كما أنّهم لا يضطرون إلى بذل جهد مُكثّف لفترات طويلة في المباراة؛ إذ إنّ دورهم مُختلِف تمامًا عن باقي لاعبي الفريق، وهو ما قد يكون سببًا محتملًا لزيادة أعمارهم في المستطيل الأخضر، حسب موقع "Goalkeeper".
كذلك فإنّ إبعاد حارس المرمى للتسديدات عن مرماه والتعامُل مع الكرات العرضية ليست من المهارات التي تتأثّر مع تقدّم السنّ، رغم أنّ خفة الحركة والمرونة قد تتأثّر بالطبع مع مضيّ الوقت.
2. حراسة المرمى ذهنية قبل أن تكون بدنية
يتضح ذلك جليًا في ركلات الترجيح، فربّما يكون الحارس على أعلى مستوى بدني، ولكن ماذا عن سُرعة رد فعله واستجابته؟ هل يتحرّك نحو اتجاه التسديد أم يرتمي على الجانب الآخر فتسكن الكرة شباكه؟
إنّ القدرة على اتخاذ قرارات منطقية في الوقت المناسب هي الصفة التي يتمتّع بها جميع حُرّاس المرمى المحترفين، والتي تتطوّر طبيعيًا مع تقدّم السن.
كذلك فإنّ المهارات التنظيمية على أرض الملعب، مثل تنظيم خطوط الدفاع وتوزيع أماكن المدافعين بطريقة استراتيجية في الركلات الثابتة، وتحليل عادات التسديد للاعبي الفريق المنافس، تتحسّن بوضوح لدى حارس المرمى، خصوصًا مع التكرار وزيادة إلمامه بأساليب اللعب المختلفة.
3. طريقة تواصل حارس المرمى مع زملائه
أيضًا لطريقة تواصل حارس المرمى تأثير في إمكانية استمراره لأطول أمدٍ ممكن؛ إذ عندما تكون رسائله إلى زملائه تنضح بالثقة وموجزة في الوقت نفسه، بالإضافة إلى تزايُد سلطته وحزمه بمرور الوقت، فإنّ الاحترام الذي يُكنّه زملاؤه له سيُعزّز مؤهّلاته القيادية الطبيعية، وهو دور قد ننساه على أرض الملعب، وهو ما قد يجعل حُرّاس المرمى مستمرّين في حراسة مرماهم حتى بعد اعتزال معظم اللاعبين في وقتٍ مبكر.
كيف يؤثِّر التقدّم في العُمر في قدرات حارس المرمى؟
طبيعيٌ أن يتباطأ رد فعل حارس المرمى قليلًا بعد الأربعين، ولكن وقت رد الفعل في حراسة المرمى ليس متعلقًا بردود الفعل البحتة بقدر ما يتعلّق بالمراقبة -قراءة لغة جسد مُسدِّد الكرة، وزاوية الكرة- وهذه القراءة تتحسّن مع تراكُم خبرات حراس المرمى.
وهناك أمور أخرى قد تتغيّر، مثل:
القفز الانفجاري من الأرض
مع تقدّم حُرّاس المرمى في العُمر، فإنّ الهبوط للتصدّي لتسديدة منخفضة، ثُمّ النهوض مرة أخرى، قد يستغرق وقتًا أطول من المُعتاد عندما كان حارس المرمى صغيرًا في العُمر، فالارتماء على أرض صلبة أصعب على الوركين والكتفين والمعصمين مما كان عليه في سن 25 عامًا.
بطء التعافي
كذلك يتباطأ التعافي بين كل مجهود يبذله حارس المرمى، فبعد أن كان الارتماء الكامل للتصدّي لا يُكلّفه شيئًا تقريبًا في الخمس دقائق الأولى من عُمر المباراة، فهو الآن بحاجةٍ إلى 15 دقيقة حتى يشعر بأنّه مُستعِد للارتماء بكامل جسده مجددًا.
الحاجة إلى العناية بمفاصل الكتف والمعصم
في كلّ ارتماء لحارس المرمى وهبوط متكرر على الأسطح الصلبة على مدار السنين تتأثّر مفاصله، وربّما يعاني مشكلة الكفة المدورة وإصابات المعصم، التي تؤثِّر في المسيرة المهنية لحارس المرمى.
الثبات الذهني لحُرّاس المرمى بعد الأربعين
أخطاء حارس المرمى ليست مماثلة البتة لغيره من اللاعبين؛ فالجانب الذهني أحد أسرار استمرار حُرّاس المرمى في الملاعب.
فعندما يضيّع المهاجِم فرصة مثلًا، فعادةً ما يُنسَى ذلك سريعًا، خصوصًا لو أحرز أهدافًا لاحقًا، أمّا حارس المرمى لو ارتكب هفوة سمحت بدخول هدف واحد، فكيف يواجِه الجماهير وكاميرات الإعلام بعد المباراة؟
وفي حالة حُرّاس المرمى الذين بلغوا الأربعين وما بعدها، فبالتأكيد تعلّموا كيف يفصلون أنفسهم ذهنيًا بعد ارتكاب الخطأ عن غضب الجماهير وأضواء الإعلام، ثُمّ يعودون إلى تدريباتهم ومبارياتهم اللاحقة كأنّ شيئًا لم يكُن بدلًا من تحمّل العبء الذهني طوال الوقت، ما قد ينعكس سلبًا في الأداء.
كيف اختلفت تدريبات حُرّاس المرمى عمّا كانت عليه قديمًا؟
قديمًا كان حُرّاس المرمى يتدرّبون في عُزلة عن بقية الفريق لساعات، قبل أن يجتمعوا مرة أخرى مع زملائهم في الفريق لخوض مباراة تدريبية سريعة في ختام الجلسة.
ومع ذلك أصبح حُرّاس المرمى الآن أكثر اندماجًا في التدريبات العامة للفريق من أي وقت مضى؛ إذ إنّ لهم دور في تطبيق أسلوب اللعب المطلوب.
ولذا يتعرّض حُرّاس المرمى للأنشطة التي تحاكِي مواقف المباراة؛ إذ يتدرّبون على التمركز مع زملائهم المدافعين، واستقبال التسديدات من مهاجمِي الفريق بدلًا من مُدرّبي حراس المرمى.
وبطبيعة الحال فإنّ هناك فرق واضح بين ما يحتاج إليه حارس المرمى من تدريبات ولاعبي خط الوسط مثلًا، لذا فإنّ التدريب المستقلّ لحُرّاس المرمى لا يزال ضروريًا أيضًا.
وعلّق حارس المرمى السابق في الدوري الأمريكي "جاستن براينت" على ذلك فقال: "أعتقد أنّ الفارق الأكبر بين ذلك الحين والآن هو أنّنا نحاول الآن جعل التدريب أكثر واقعية في اللعبة، بينما في ذلك الوقت (قديمًا)، كانت الفكرة هي تدريب حُرّاس المرمى في عبء عمل كبير الحجم وعالي الكثافة. لقد صُمِّمت عديد من التدريبات لإرهاق حارس المرمى".
كيف يتعافى حُرّاس المرمى بعد المباريات؟
يتراكم تأثير الارتماء على الأسطح الصلبة على حارس المرمى، فبعد المباراة التي ارتمى فيها حارس المرمى بجسمه كاملًا عدّة مرات، فإنّ الوركين والكتفين والمعصمين سيكونان بحاجةٍ إلى التعافي؛ إذ يتعافى حارس المرمى مثل أي لاعب آخر لعب مباراة كاملة لمدة 90 دقيقة.
ومن أمثلة وسائل التعافي التي يستخدمها حُرّاس المرمى:
- الثلج أو الماء البارد على الكتف والمعصم.
- تمديد عضلة الورك في المساء بعد المباراة.
- النوم للسماح بالتئام الكفة المدورة في أثناء النوم العميق.
حُرّاس مرمى حجزوا مقاعدهم في كأس العالم 2026
ذكر موقع "FIFA" حُرّاس المرمى الذين بلغوا أو يُتوقّع بلوغهم الأربعين خلال كأس العالم 2026، وهم:
1. جييرمو أوتشوا (المكسيك)
بدأت رحلة أوتشوا في كأس العالم عندما استُدعي في كأس العالم 2006 بألمانيا، ويشترِك الآن مع كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي في قائمة حصرية من اللاعبين الذين تم اختيارهم لـ6 نُسخ من البطولة؛ إذ يحرس أوتشوا مرمى منتخب المكسيك في كأس العالم 2026 وهو يبلغ 41 عامًا من العُمر.
2. مانويل نوير (ألمانيا)
رغم أنّ مانويل نوير قرّر إنهاء مسيرته مع ألمانيا بعد بطولة أمم أوروبا 2024، فقد غيّر رأيه لاحقًا، وعاد إلى تشكيلة ألمانيا لكأس العالم 2026 في خامس مُشاركة له في أضخم محفلٍ كروي، وهو آخر من تبقّى من تشكيلة ألمانيا الفائزة بكأس العالم 2014 في البرازيل، وفي بطولة هذا العام يبلغ نوير من العُمر 40 عامًا وشهرين.
3. فرناندو موسيلرا (أوروغواي)
كان موسيلرا حارس مرمى أوروغواي الأول في نهائيات كأس العالم 2010 و2014 و2018، والحارس الاحتياطي في قطر 2022، وقد عاد إلى تشكيلة منتخب أوروغواي فقط خلال فترة المباريات الدولية في مارس من هذا العام بعد أن كان مُستبعدًا قبل ذلك، وسيشارك في البطولة الحالية وهو يبلغ من العُمر 40 عامًا.
4. فوزينها (الرأس الأخضر)
بلغ منتخب الرأس الأخضر نهائيات كأس العالم في أول مشاركة له على الإطلاق، وقد خاض حارس المرمى فوزينها 88 مباراة دولية مع منتخب الرأس الأخضر منذ ظهوره الأول في عام 2012، وقد سُلِّطت الأضواء على دموع فوزينها البالغ من العُمر 40 عامًا بعد تعادل فريقه 0 -0 مع إسبانيا المُرشحة لحصد البطولة في سابقةٍ لمنتخب لم يشارِك من قبل في البطولة، وكذلك لحارس مرمى يخوض أول بطولة لكأس العالم بعُمر 40 سنة.
ختامًا قد تكون حراسة المرمى لا تتطلّب بذل جهدٍ بدني هائل مثل باقي المراكز على أرض الملعب، ولكن الاستمرار حتى 40 عامًا أو أكثر يتطلّب ما هو أكثر من الحفاظ على القدرة البدنية من ثبات ذهني وإتقان تنظيم خطوط الدفاع واكتساب مهارات قيادية لم يحُزها حُرّاس المرمى إلّا بعد مشوار طويل.
