ركلات الترجيح.. المعركة النفسية التي تحسم البطولات
بعد أن احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح فريقك، وتستعد للوقوف أمام نقطة الجزاء، وكلّ الأضواء مُسلّطة عليك، وكلّ الجماهير أعينها عليك، وزملاؤك في الخلف يُعلِّقون آمالهم عليك، وما هي إلّا تسديدة تحسِم الأمر بفرحةٍ عارمة وربّما حصدٍ للقب طال انتظاره، أو حسرةٍ قد لا تفارِقك طوال العُمر.
هل تخيّلت نفسك لوهلة واقِفًا مكان هذا اللاعب؟
يواجِه اللاعبون ضغطًا نفسيًا هائلًا أمام تسديد ركلات الترجيح، ومع ذلك، فهُناك عوامل تُحدّد مدى نجاح أو إخفاق التسديد، وهي مرتبطة بالنفْس بالمقام الأول، مثل لغة العيون بين اللاعب وحارس المرمى، ولغة جسد اللاعب بينما يتّجه للتسديد، وغيرها.
فكيف يمكِن تجاوز الحاجز النفسي الهائل في ركلات الترجيح لحصد البطولات وتجنّب مرارة الهزيمة؟
سيكولوجية ركلات الترجيح
الضغط الملقى على عاتق اللاعب خلال التسعين دقيقة ليس مماثلًا البتة لما يلقاه في ركلات الترجيح التي تحدّد الفائز بعد مباراة طالت لـ120 دقيقة.
ففي حالة تنفيذ ركلة جزاء خلال الوقت العادي، فإنّ اللاعبين يسجّلونها بنسبة 85% في المتوسط، حسب ما أوردته دراسة عام 2000 في دورية "Journal of Sports Sciences".
ومع ذلك، فالتوتر له بصمته على اللاعبين عند تنفيذ ركلات الجزاء، فعندما يتقدّم لاعب لتنفيذ ركلة جزاء لو أُحرزت لفاز فريقه بالمباراة، فإنّ معدّل النجاح يرتفع إلى 92%، بينما إذا كان عليه أن يسجّل وإلّا خسر فريقه، فإنّ احتمال إحراز ركلة الجزاء يتراجع إلى ما دون 60%، حسب دراسة عام 2007 في دورية "Journal of Sports Sciences".
كيف يهيمن الخوف من الخسارة على عقول اللاعبين؟
تعكس تلك التفاصيل البسيطة مفهوم "النفور من الخسارة" أو "Loss aversion"، الذي أطلقه الحائز جائزة نوبل "دانييل كانيمان".
ويتمثّل هذا المفهوم في أنّ التوتر والخوف من فقدان شيءٍ ما سيُؤثِّر بدرجةٍ كبيرة في أفكار المرء وسلوكه، وخوف الخسارة هو المهيمن هُنا؛ إذ يتضح هذا المفهوم جليًا في نجاح ركلات الجزاء التي تقترب من 92% إن كان الفوز بالمباراة نتيجة لها، أمّا لو كانت هي الركلة الفاصلة بين الخسارة، فتنخفض نسبة النجاح إلى ما دون 60%.
فشعور الناس بالألم أعمق من المُتعة، ومِنْ ثمّ يُثقِل الخوف من الفشل كاهل اللاعبين، وتتضاءل أهمية النجاح، خصوصًا في الأوقات العصيبة، وبنهاية المطاف لا يرى اللاعبون في ركلات الجزاء سوى أنّها شيء يهدّدهم نفسيًا، وليست فرصةً لنيل البطولة.
هل يفوز الفريق الذي يُسدِّد أولًا؟
هُنا أمر لا يمكِن التغاضي عنه، فركلات الجزاء ليست متكافئة بنسبة 100%، والفريق الذي يُسدّد أولًا له أفضلية واضحة.
فقد أظهرت بيانات مُستمدة من 2,731 ركلة جزاء في 262 حصة لضربات الجزاء أنّ الفرق التي تُسدّد أولًا تفوز بنسبة 60.5%، وهذا منطقي؛ إذ إنّ الفرق التي تُسدّد الركلة الثانية تعانِي ضغطًا نفسيًا مستمرًا طوال ركلات الترجيح، وربّما يُفسّر ذلك رغبة أكثر من 90% من المديرين الفنيين واللاعبين في أن يكون فريقهم أوّل من يُسدّد.
بين صافرة الحكم ولحظة التسديد
الآن أطلق الحكم صافرته لتسديد ركلة الجزاء، ولم تبق إلّا ثوانٍ ويتحدّد مصير المباراة، ولكن لا ينبغي للاعب أن يتعجّل في تنفيذ ركلة الجزاء.
نعم قد أطلق الحكم صافرته بالفعل، ولكن أشارت الجمعية البريطانية للطب النفسي إلى أنّ لاعبي كرة القدم المستغرقِين أقل من 200 مللي ثانية للاستجابة لصافرة الحكم، يسجّلون في 57% فقط من الوقت.
وهذه المدة هي نصف الوقت الذي يستغرقه الرمش.
أمّا اللاعبون الذين يستغرقون بعض الوقت لتهيئة أنفسهم، ولو حتى لثانية واحدة فقط، فإنّهم يسجّلون في المتوسط أكثر من 80% من الوقت.
أشهر المنتخبات التي يتسرّع لاعبوها في تسديد ركلات الجزاء
تاريخيًا، عُدّ هذا الأمر معضلة بالنسبة لبعض لاعبي إنجلترا، الذين لديهم سجل فوز بركلات الترجيح بنسبة 17% فقط، وتبيّن أنّهم الأسرع تنفيذًا لركلات الترجيح من أي دولة أخرى.
ويدعم ذلك ما قاله ستيفن جيرارد في سيرته الذاتية: "لماذا يجب أن أنتظر الصافرة الدموية؟ بدت تلك الثواني الإضافية كأنّها أبدية!".
ولكن ليس لاعبو إنجلترا وحدهم من يتسرّعون بل كذلك الاندفاع في تنفيذ ركلات الترجيح من دأب الإسبان، مع سجل فوز بركلات الترجيح بنسبة 33%، رغم أنّهم قد تحسّنوا في هذا الجانب عندما فازوا ببطولتَي أمم أوروبا 2008 و2012.
لون قميص حارس المرمى.. هل يكون المؤثّر الأكبر؟
توصّلت دراسة عام 2013 في دورية "Perceptual and Motor Skills" إلى أنّ للون قميص حارس المرمى أثرًا في احتمالية تسجيل الخصم للأهداف؛ إذ سُجِّل أقل عدد من الأهداف ضد حُرّاس المرمى الذين ارتدوا اللون الأحمر (54%) أو الأصفر (69%).
أمّا عن أكثر الألوان إخفاقًا في التصدّي، فكان الأزرق (72%)، والأخضر (75%)، ولكن يظلّ هذا عاملاً واحدًا فحسب ضمن عوامل كثيرة تُحدّد مدى نجاح أو إخفاق ركلة الترجيح.
كيف يتجاوز اللاعبون المحترفون العقبات النفسية لركلات الترجيح؟
نعم هو عبء نفسي هائل يحمله اللاعب بينما يتقدّم بثبات إلى نقطة الجزاء لحسْم المباراة؛ إمّا لصالح فريقه أو للأسف لصالح الفريق المنافِس، ولكن بإمكان بعض اللاعبين تجاوز العقبات النفسية سالفة الذكر من خلال:
1. تجنّب النظر في أعين حارس المرمى
معركة خفية تدور بين المُسدِّد وحارس المرمى عندما تلتقي الأعين؛ إذ يشعر اللاعب الذي يُركِّز على حارس المرمى بمزيدٍ من القلق وتطيش تسديدته في كثيرٍ من الأحيان، وقد سُجِّلت معظم ركلات الترجيح عند التركيز على المرمى بدلًا من حارسه، حسب دراسة عام 2018 في دورية "Frontiers in Psychology".
2. لغة الجسد قد تحسم النتيجة
لغة جسد اللاعب تكشف قدر ثقته في ذاته أو شكّه قبل تنفيذ الركلة، بل إنّ حُرّاس المرمى يُصنّفون مُسدِّدي ركلات الجزاء الذين لديهم لغة جسدية مهيمنة بشكلٍ أفضل ممّن يتسمون بوضعية مُهتزّة، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2020 في دورية "Psychology of Sport and Exercise".
وهذا يجعل حُرّاس المرمى يشعرون بالتهديد أمام اللاعبين الواثقين من أنفسهم، ما قد يقلّل دقّة قراراتهم، ويزيد فرص نجاح تسديد ركلات الترجيح.
وهذه الميزة النفسية استخدمها إيدن هازارد نجم تشيلسي السابق من خلال الحفاظ على هدوئه وثقته في أثناء إحراز ركلات الترجيح.
3. عدم إدارة الظهر لحارس المرمى
لا ينبغي للمُسدِّد بعد أن يضع الكرة في مكانها على نقطة الجزاء أن يدِير ظهره لحارس المرمى بينما يعود ليستعدّ للتسديد؛ إذ وجد علماء النفس أنّ من يفعلون ذلك أكثر ميلًا للإخفاق في التسديد.
لأنّ ذلك قد يزوّد حارس المرمى بإشارات خفية حول الجهة التي ستُسدَّد فيها ركلة الجزاء، كما أنّ ذلك يتعارض مع استعداد اللاعب للتسديد واختيار الزاوية المناسبة.
الاحتفال بعد تسديد ركلة الجزاء.. إنهاك نفسي للخصم
ربّما يُنصَح بالاحتفال حتى بعد تسديد ركلة الجزاء الأولى خلال ركلات الترجيح، ولو كان الطريق لا يزال طويلًا؛ إذ توصّلت دراسة عام 2010 في دورية "Journal of Sports Sciences" ضمّت 151 ركلة جزاء من بطولات كأس العالم وبطولة أمم أوروبا إلى أنّ احتفال اللاعب بركلة الجزاء الناجحة، يجعل خصمه أكثر عرضة لإهدار ركلة الجزاء التالية.
وأظهر التحليل أنّه عندما كانت النتيجة متكافئة، فإنّ 82% من اللاعبين الذين احتفلوا بركلات الترجيح الناجحة أصبحوا هم الفائزين بنهاية المطاف.
ويُطلَق على هذا الظاهرة "العدوى العاطفية"، والتي تصف كيف يمكِن لمشاعر لاعب واحد أن تثِير مشاعر سلبية لدى منفّذ ركلة الجزاء التالية.
ختامًا، ركلات الترجيح معركة حقيقية تدور بين إرادة المُسدِّد وكذلك حارس المرمى، ولا نرى سوى لحظة التسديد ومحاولة حُرّاس المرمى للتصدّي، وتعامُل اللاعبين مع الضغط النفسي هو أوضح مؤثِّر في تحديد مدى إمكانية نجاح التسديدة أم لا، بالإضافة إلى التعامُل الذكي مع حارس مرمى الخصم.
