بين حركة الجسد ومرونة العقل.. لماذا يتأخر ظهور الأفكار الإبداعية بعد المشي؟
قد تظن أنك تحتاج إلى الجلوس أمام شاشة، أو التركيز لوقت طويل، أو حتى انتظار لحظة إلهام مفاجئة كي تأتيك فكرة مختلفة، لكن الواقع قد يكون أبسط من ذلك بكثير، وأكثر غرابة في الوقت نفسه.
فالإبداع، وفق دراسة نفسية حديثة، لا يظهر دائمًا في لحظة الجهد الذهني المكثف، بل كثيرًا ما يتأخر ليظهر بعد حركة بسيطة مثل المشي السريع، وكأن العقل يحتاج إلى وقت إضافي كي يعيد ترتيب أفكاره بهدوء قبل أن يقدّم أفضل ما لديه.
العلاقة بين الحركة والإبداع
والدراسة التي نشرتها مجلة علم النفس الرياضي والتمارين والأداء، وقادها الباحث "كريستيان رومينجر" من جامعة غراتس في النمسا، حاولت تفكيك العلاقة بين الحركة البدنية والتفكير الإبداعي بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، والاقتراب أكثر من الأرقام والسلوك اليومي الفعلي للناس.
وبدلاً من إجراء التجربة داخل مختبر مغلق، اختار الباحثون متابعة الحياة على طبيعتها؛ حيث جرى تتبع 157 شابًا بالغًا على مدار خمسة أيام في بيئتهم الطبيعية، باستخدام أجهزة استشعار صدرية دقيقة تسجل الحركة بشكل مستمر، إلى جانب تطبيق على الهاتف الذكي يقيس القدرات الإبداعية في أوقات عشوائية خلال اليوم، تصل إلى 12 مرة يوميًا.
والمهام التي طُلبت من المشاركين كانت بسيطة في شكلها لكنها تكشف الكثير عن طريقة التفكير، مثل ابتكار استخدامات غير مألوفة لأشياء عادية أو إكمال رسومات خلال 60 ثانية فقط؛ هذا الأسلوب، المعروف بالتقييم اللحظي البيئي، منح الباحثين صورة أقرب إلى الواقع، بعيدًا عن الضغط الاصطناعي للمختبرات التقليدية.
تأثير المشي على الأفكار
لكن النتيجة الأكثر لفتًا للانتباه لم تكن في "ماذا يفعل الناس أثناء الحركة"، بل في "متى يظهر أثر هذه الحركة"؛ فقد أظهرت البيانات أن النشاط البدني المعتدل، مثل المشي السريع أو الأعمال المنزلية الشاقة نسبيًا، لم يرفع مستوى الإبداع بشكل فوري، بل احتاج إلى فترة زمنية تمتد من 60 إلى 70 دقيقة حتى يظهر تأثيره بوضوح على الأداء الإبداعي اللفظي.
وهذا التأخير لم يكن تفصيلًا عابرًا في النتائج، بل كان نقطة مركزية في تفسير الباحثين؛ إذ يرجح الفريق أن الجسم يحتاج بعد النشاط البدني إلى فترة من إعادة التوازن الفسيولوجي، وهي المرحلة التي يعود فيها الجهاز العصبي إلى حالة استقرار، تسمح للدماغ بالتحول إلى نمط أكثر مرونة في الربط بين الأفكار.
وبمعنى آخر، فإن المشي السريع لا يصنع الفكرة مباشرة، بل يهيئ الظروف التي تسمح لها بالظهور لاحقًا، عندما يكون العقل أكثر استعدادًا للخروج من أنماط التفكير المعتادة.
تفسير تأخر الإبداع بعد النشاط البدني
واللافت أيضًا أن التأثير لم يكن متساويًا بين كل أشكال الحركة؛ فالنشاط الخفيف جدًا مثل الحركة البسيطة داخل المنزل، ارتبط في بعض الحالات بانخفاض في الأداء الإبداعي اللفظي، بينما لم يُظهر الجلوس التام تأثيرًا واضحًا، أما النشاط الشديد مثل الجري أو السباحة، فلم يقدم نمطًا ثابتًا يمكن الاعتماد عليه في رفع الإبداع.
وعندما أعاد الباحثون التجربة على مجموعة أخرى تضم 76 مشاركًا باستخدام تحليل إحصائي متقدم يعتمد على البيانات السابقة، جاءت النتائج متسقة إلى حد كبير؛ فقد تكررت العلاقة بين المشي السريع لمدة تقارب 20 دقيقة وتحسن القدرة على حل المشكلات اللفظية بعد نحو ساعة من انتهاء النشاط، مما عزز قوة الملاحظة الأساسية.
والنتائج كانت أوضح في جانب الإبداع اللفظي، بينما لم يظهر الإبداع البصري نفس الارتباط القوي بالنشاط البدني، وهو ما يشير إلى أن أنواع التفكير الإبداعي نفسها قد تعتمد على محفزات مختلفة، ولا تستجيب للجسد بالطريقة نفسها.
ورغم أن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج ما تزال استكشافية وتعتمد على الملاحظة أكثر من التجريب المباشر، فإنها تفتح نافذة مهمة على العلاقة بين الجسد والعقل في الحياة اليومية؛ فبدلاً من النظر إلى المشي كوسيلة لتحسين اللياقة فقط، قد يصبح أيضًا جزءًا من تهيئة العقل للأفكار.
وفي النهاية، فإن ما تكشفه هذه الدراسة لا يتعلق بالمشي بحد ذاته، بل بالمسافة الزمنية التي تفصل بين الحركة والفكرة؛ تلك الساعة الهادئة التي لا يحدث فيها شيء ظاهر، قد تكون في الحقيقة اللحظة التي يعيد فيها العقل ترتيب نفسه، قبل أن يفاجئك بفكرة لم تكن تتوقعها تمامًا، كما لو أنها كانت تنتظر أن تهدأ الخطوات أولاً.
