اضطراب النوم عالي الأداء: لماذا يصيب الناجحين وكيف تتجاوزه؟
يختلف اضطراب النوم عالي الأداء قليلًا عن مشكلات النوم، ليس في كيفيته وإنّما في طبيعة المصابين به؛ إذ إنّه غالبًا ما يصِيب الناجحين وذوي الأداء العالي، الذي ينجحون في حلّ المشكلات، ولكنّهم لا يستطيعون حلّ مشكلة النوم لديهم رغم طبيعتهم العقلية الفريدة.
ولكن هذه الطبيعة الفريدة قد تكون هي السرّ في صعوبة النوم لديهم؛ إذ إنّ عقلهم لا يتوقّف عن العمل قبل النوم في محاولة للتفكير في كيفية النوم جيدًا، ما يتسبّب فيما يُعرَف "بمفارقة جهد النوم"، فكيف يتغلّب الناجحون على اضطراب النوم بما يناسِب طبيعتهم؟
ما هو اضطراب النوم عالي الأداء ولماذا يصيب الناجحين؟
وفقًا لبحث عام 2016 في مجلة طب الأسرة والرعاية الأولية، فإنّ الأرق يؤثِّر في 10 - 30% من السكان في جميع أنحاء العالم.
ولكن يرى "نيك وينجال" الطبيب النفسي ومستشار تنظيمي يعمل مع فرق وأفراد ذوي أداء عال، أنّ هذه النسبة مرتفعة بشكل غير متناسب بين الأشخاص ذوي الإنجازات العالية، وكذلك لدى ذوي الميول الكمالية.
ورغم أنّ هذا يبدو مفاجئًا للوهلة الأولى -أنّ أكثر الأشخاص نجاحًا في حلّ المشكلات هم الأسوأ في حل مشكلات النوم لديهم- فإنّ الأمر يبدو منطقيًا عند فهم فكرة بسيطة تخالف المنطق السائد، وهي أنّ الأرق ليس مشكلة في النوم، بل مشكلة في الجهد.
ويضِيف أيضًا أنّ الأرق يُصنّف على أنّه اضطراب في النوم إلى جانب حالات، مثل انقطاع التنفس في أثناء النوم، ولكن بخلاف معظم اضطرابات النوم، فإنّ الأرق لا يحدث بسبب خلل جسدي أو مرض (رغم أنّ بعض الأمراض الجسدية يمكِن أن تسهِم في الأرق بالتأكيد).
ولكن المشكلة أنّ الأشخاص الذين يعانون الأرق يميلون إلى التدخل دون قصد في قدرتهم على النوم، وهذه هي مفارقة جهد النوم؛ إذ كُلّما حاولت النوم بجدّية أكبر، وكُلّما قُمت بتحليل المشكلة أكثر، قلّ احتمال نجاحك.
دورة الأرق التي لا تنتهي لدى الناجحين
مع الأرق، تبدأ الحلقة المفرغة عندما يراك عقلك تحاول جاهدًا وتفكّر بشكلٍ نقدي، ويفترض أنّ هناك مشكلة، ولمساعدتك على إدارة هذه المشكلة بفعالية، فإنّه يمنحك جرعة صغيرة من الأدرينالين وينشّط جهازك العصبي الودي، ولكن هذه الإثارة تتعارض مع النوم، لأنّ ما تحتاج إليه هو الاسترخاء وليس الإثارة.
ولكن كُلّما فكرت أكثر في الاستيقاظ وكُلّما حاولت العودة إلى النوم بجهد أكبر، أثارك عقلك وتداخل أكثر في الشيء الذي تريده.
وهذا النمط من حلّ المشكلات الذي يؤدي إلى الإثارة يليه مزيد من محاولة حل المشكلات ومزيد من الإثارة هو جوهر جميع مشكلات الأرق، وتكون تلك الدورة شرسة خصوصًا بالنسبة لأصحاب الإنجازات العالية، الذين اعتادوا استخدام عقولهم المجتهدة والتحليلية لحلّ المشكلات.
هل تصلح نصائح النوم التقليدية مع اضطراب النوم عالي الأداء؟
يشير الطبيب النفسي "نيك وينجال" إلى أنّ كثيرًا من الحِكم الشائعة بشأن الحصول على نومٍ أفضل لا تؤدي إلّا إلى تفاقم هذا النمط الإشكالي.
فمثلًا قد تتبع نصيحة بارتداء جهاز تعقب النوم لقياس نومك، وهذا في الظاهر يبدو رائعًا؛ إذ إنّك تعرف مقدار النوم العميق الذي حصلت عليه، وترى الارتباط بين تغيّرات نمط الحياة وتحسين النوم، ولا شكّ أنّه من الممتع مطالعة البيانات ومشاركتها أيضًا.
ولكن هل رؤية أنّك حصلت على درجة نوم 82 الليلة قبل الماضية مقابل 86 في الليلة السابقة يساعدك على النوم بشكلٍ أفضل؟
من المرجّح أن وجود جهاز آخر يرسِل إليك الإشعارات والمعلومات سيقودك إلى قضاء مزيدٍ من الوقت في التفكير والقلق بشأن نومك، ما يؤدي إلى تفاقُم مفارقة جهد النوم.
وليست الأجهزة الحديثة فحسب، بل مثلًا تقنيات التنفّس ينطبق عليها الأمر نفسه، ففي حين أنّ معظم هذه الأفكار جيدة، ولكنّها تميل إلى أن تكون غير مفيدة على الأمد الطويل، لأنّها تعزّز المشكلة الأساسية في قلب صراع النوم لدى كل شخص عالي الأداء، ببذل الجهد في النوم، والاعتقاد أنّك بحاجة إلى بذل جهد أكبر من أجل النوم جيدًا.
علامات اضطراب النوم عالي الأداء
رغم قلّة نوم بعض الأشخاص، وربّما عدم ملاحظة أي تأثير للنوم في أدائهم، فإنّ هناك علامات لاضطراب النوم قد يراها المرء في حياته اليومية، مثل:
1. زيادة الشعور بالجوع
قد تؤدي قلة النوم إلى خلل في الهرمونات التي تتحكّم في الجوع والشهية ومستويات السكر في الدم، وعادةً ما يؤدي ذلك إلى زيادة الوزن.
فقلة النوم تُحدِث خللًا في مستويات هرمون الجريلين المسؤول عن الإحساس بالجوع، ما يتسبّب في زيادة إحساس الجوع، ومِنْ ثمّ الإفراط في تناول الطعام.
كذلك قد يميل الجسم إلى تناول الأطعمة الدهنية أو المليئة بالسكر لمنحك دفعة إضافية من الطاقة.
2. اتّخاذ قرارات سيئة أو متهورة
إنّ اضطراب النوم يهيئ عقلك لاتّخاذ قرارت سيئة، فهو يقلّل النشاط في الفص الجبهي للدماغ، وهو موضع اتخاذ القرار والتحكّم في الانفعالات، ولذا فقد تقلّ قدرتك على اتخاذ القرارات الجيدة.
وقد تجد نفسك تكافِح من أجل مقاومة الإفراط في الأكل، أو شراء بعض الأشياء أو غير ذلك.
3. تقلّب المزاج
اللوزة الدماغية منطقة في الدماغ مسؤولة عن مُعالَجة المشاعر، وقد تضعف خلال فترات الحرمان من النوم.
وبدلًا من معالَجة وتمييز ما هو مهم وتافه، يُصبِح كل شيءٍ مهمًا، ومِنْ ثمّ تكون ردود الفعل على المضايقات البسيطة مبالغًا فيها، ولذا يُوصَف المحرومون من النوم أحيانًا بأنّهم متقلّبو المزاج.
4. تسارُع الشيخوخة
يجدّد الجسم نفسه خلال النوم، وعملية التجديد تلك ضرورية للصحة، لذا فإنّ قلة النوم قد تمنع هذه العمليات، بما يضرّ صحتك ومظهرك.
كذلك فإنّ قلة النوم قد تتسبّب في ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، وهو هرمون التوتر، الذي يؤدي إلى تدهور بروتينات الكولاجين في البشرة، ما قد يزيد الخطوط الدقيقة في البشرة.
عادات يومية تحسن جودة النوم بشكل ملحوظ
إذًا قد يحتاج الناجحون إلى نصائح تختلف بعض الشيء عن النصائح التقليدية لتحسين جودة النوم، وفيما يلي أهم النصائح التي تساعد على تحسين جودة النوم وفقًا لموقع "Psyche":
1. التمهيد للنوم
ينبغي تخصيص 60 - 90 دقيقة من الوقت قبل وقت النوم، وخلال هذا الوقت لا ينبغي أن تكون هناك أي أنشطة مُجهِدة أو مرهِقة، كما ينبغي تجنّب التحقق من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل، وكذلك المحادثات المرهِقة المحتملة مع الأشخاص.
صحيح أنّ هذه الأنشطة مغرية بذاتها للقيام بها، ولكن إذا اعتدت القيام بها قبل النوم، فسوف تثِير عقلك، وتجعل النوم أصعب.
وتُعدّ القراءة أو مشاهدة التلفاز (مع تجنّب المحتوى المحفّز، مثل الأخبار أو أفلام الرعب) طرق ممتازة للانتقال من عقليتك المجتهدة إلى الاسترخاء، الذي هو بمثابة بوّابة النوم.
ولكن يتطلّب الأمر ثباتًا ومواظبة على تلك العادات؛ إذ إنّ قضاء ليلتين من الاسترخاء أمام التلفاز بدلًا من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل قبل النوم لن يُحدِث فرقًا كبيرًا، ولكن إذا استمررت على ذلك لعدّة أشهر، فستجد نفسك على الأرجح أكثر استرخاءً ونعاسًا قبل النوم.
2. وضع خطة منتصف الليل
إذا كُنت من ذوي الأداء العالي وتواجه مشكلات في النوم، فمن المؤكّد أنّك كثيرًا ما تستيقظ في منتصف الليل بعد ساعتين إلى ثلاث ساعات فقط من النوم، مع كثيرٍ من الأفكار والمخاوف التي تدور في ذهنك.
وبالتأكيد يزداد قلقك مع الاستيقاظ في منتصف الليل من احتمالية عدم النوم مجددًا أو عدم القدرة على إنجاز مهام اليوم التالي، وهذا بدوره يجعل النوم نفسه أصعب!
لذا ضع خطة لمواجهة هذا الاستيقاظ في منتصف الليل، فمثلًا إذا استيقظت في الساعة الواحدة صباحًا، وتلاحظ أنّك تقلق كثيرًا بشأن عدم العودة إلى النوم، فمن الأفضل الاعتراف بتلك الأفكار والتحقّق من صحتها، ولكن مع عدم التوسّع في شأنها.
فقد تقول لنفسك: "أنا قلق بشأن عدم النوم بما يكفي"، وهذا مفهوم، ولكن الاستمرار في التفكير فيه لن يؤدي إلّا إلى جعل النوم أكثر صعوبة.
ومع ذلك، إذا لم تشعر بالنعاس بعد مرور 5 إلى 10 دقائق، فهُنا يجب الانتقال إلى خطة منتصف الليل، والتي قد تتضمّن:
- سحب جهاز Kindle الخاص بك وقراءة رواية.
- وضع سماعة أذن والاستماع إلى قائمة تشغيل مريحة مُفضّلة لديك أو كتاب صوتي.
فهذه الأنشطة أقل جهدًا وموجّهة نحو الهدف، وهو مساعدتك على النوم، ولا مانع من استخدام الخطة نفسها عند النوم في بداية المساء.
3. خصّص وقتًا للقلق
كثير من الأرق ومشكلات النوم ناجمة عن القلق، والقلق الروتيني في السرير، سواء في أثناء محاولتك للنوم في البداية أو عندما تكون مستيقظًا في منتصف الليل، يُعلِّم دماغك في النهاية ربط سريرك بالقلق، وهذا يعني أنّه حتى لو لم تكُن قلقًا قبل حلول الليل، فإنّ مجرّد البقاء في السرير قد يصبِح محفّزًا للقلق والتوتر!
لذا أعِد تدريب ميل عقلك إلى القلق قبل النوم من خلال "القلق المُجدوّل" على النحو الآتي:
- اختر وقتًا للقلق: حدّد مساحة زمنية تناسب كل أيام الأسبوع، مثل كل مساء في الساعة 7:50 مساءً، وقبل أن تشاهد التلفاز، أو في أي وقت أنت واثق من قدرتك على الالتزام به معظم الأيام، وبعيدًا عن وقت النوم.
- اضبط مؤقتًا على هاتفك لمدة 10 دقائق: وجود المؤقّت أمر مهم، لأنّك تريد التركيز على قلقك في أثناء وقت القلق، وليس على مقدار الوقت المتبقي لديك أو الذي لم يتبقى.
- اكتب مخاوفك على الورق: ابدأ بكتابة أي قلق يمكنك التفكير فيه، ولا تحاوِل حلّ مخاوفك، فقط اكتبها وامض قدمًا، ويمكنك الاحتفاظ بقائمة المخاوف الخاصّة بك، ومراجعتها في وقت لاحق، ثُمّ تحديد أي المشكلات قابلة للحلّ.
متى تحتاج إلى استشارة مختص في اضطرابات النوم؟
أحيانًا تستمر اضطرابات النوم وتؤثّر في قدرة المرء على إنجاز مهامه اليومية، ولذا قد تحتاج إلى استشارة مختص في اضطرابات النوم في حالة:
- مواجهة صعوبة في الدخول في النوم أو البقاء نائمًا بانتظام.
- الاستيقاظ مبكرًا عمّا تريد غالبًا.
- لا تشعر بالحيوية عند الاستيقاظ.
- تشعر بالنعاس أو التعب الشديد بالنهار، حتى لو نِمت لمدة 7 ساعات في الليلة السابقة.
- تشعر بالحاجة إلى أخذ قيلولة بالنهار لتشعر براحة كافية.
- صعوبة في أداء الأنشطة اليومية بسبب مشكلات النوم لديك.
- النوم في أثناء القيادة أو القراءة أو مشاهدة التلفاز.
