هل الصداع النصفي وراثي؟
الصداع العابر من وقت لآخر طبيعي عند معظم الناس، ولكن نوبة الصداع النصفي المفاجئة والتي تزداد وتيرتها أو شِدّتها لا تترك المرء قادرًا على فعل شيء، بل ربّما لا يسعه إلّا إطفاء الأنوار أو منع أي ضوضاء محيطة في محاولة لوضع حدٍ لهذا الصداع المفاجئ.
ولا شكّ أنّ هناك عوامل تحفّز الصداع النصفي، ولكن ألا يمكِن أن يكون للجينات دور صغر أم كبر في الصداع النصفي؟ وإذا كان لها دور، فهل هل هذا يعني أنّ الصداع النصفي وراثي؟ وما تأثير ذلك في تحديد طريقة العلاج المناسبة؟
ما هو الصداع النصفي؟
الصداع النصفي اضطراب عصبي مزمِن يسبّب صداعًا شديدًا ونابضًا، وقد يكون مصحوبًا بمجموعة متنوعة من الأعراض الأخرى، مثل الغثيان أو حساسية الضوء أو الضوضاء أو تغيّرات المزاج.
وقد تظهر أعراض الصداع النصفي قبل ساعات أو حتى أيام من بدء الصداع، كما قد تستمرّ بعد زوال الصداع.
ورغم أنّ هناك كثيرًا من الأسباب المحتملة للصداع النصفي، فإنّ المصابين بالصداع النصفي لديهم استعداد مُسبق للإصابة بهذا النوع من الصداع، إلى جانب الحساسية لمحفّزات الصداع.
فيمكِن لعوامل مثل الوراثة أو سبق التعرّض لصدمات الرأس أن تجعل المرء أكثر عُرضةً للإصابة بالصداع النصفي.
هل ينتقل الصداع النصفي وراثيًا؟
الصداع النصفي الوراثي ليس مصطلحًا خياليًا، بل عادةً ما يكون لدى المصابين بالصداع النصفي أفراد من العائلة يعانُون الصداع النصفي أيضًا.
وقد نظرت مراجعة عام 2021 في دورية "Neuropsychiatry Disease and Treatment" في أقارب الدرجة الأولى للأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بواحدة من ثلاث طفرات جينية مرتبطة بالصداع النصفي أنّ هؤلاء الأقارب كانوا أكثر عرضةً بأربع مرات من عامة السكان للإصابة بالصداع النصفي المصحوب بهالة.
ومع ذلك لم يكُن لدى أقارب الدرجة الأولى خطر متزايد للإصابة بالصداع النصفي دون هالة.
وأفراد الأسرة يتشاركون في أكثر من مُجرّد العوامل الوراثية، بما في ذلك التعرّضات البيئية والعوامل المُسبِّبة للتوتر التي يمكِن أن تُسهِم في خطر الإصابة بالصداع النصفي.
وتشير نتائج دراسات التوائم المنشورة عام 2019 في دورية "The Journal of Headache and Pain" إلى أنّ وراثة الصداع النصفي تبلغ نحو 30 - 60%، ما يشِير إلى وجود مكون وراثي للمرض.
كيف تؤثِّر الجينات الموروثة في الصداع النصفي؟
تخزِّن الجينات معلومات من الحمض النووي الخاص بك بشأن كيفية صنع البروتينات في جسمك، وعندما يتغيّر الجين أو يتحوّر، يحدث ما يمكِن تسميته "بسوء تواصل"، ويمكِن أن يتسبّب في أن يكون المرء أكثر استعدادًا للتعرّض لمشكلات صحية مُعيّنة، ويمكِن أن يظهر هذا بشكلٍ مختلف اعتمادًا على الجين، لذا فمن الممكن أن ينتقل هذا الجين إلى أطفال هذا الشخص.
تقول الدكتورة "جوليا بوكلان" الأستاذة المساعدة في عِلم الأعصاب: "أفسّر الصداع النصفي دائمًا على أنّه عاصفة كهربائية، مع تنشيط مستقبِلات مختلفة وفتح قنوات أيونية مُعيّنة تسبّب أعراض الصداع النصفي".
وتضِيف أيضًا: "ومن ثم فإنّ هذه الطفرات الجينية يمكِن أن تجعلك أكثر عرضة للإصابة بالصداع النصفي، لكنّها ليست شيئًا يمكننا اختباره سريريًا".
كذلك من المهم فهم أنّ الجينات ليست سوى عامل واحد في حدوث الصداع النصفي، وأنّ هناك عوامل أخرى، مثل المحفّزات البيئية التي لها نصِيب في حدوث الصداع النصفي.
أنواع الصداع النصفي والارتباط الوراثي
ثمّة أنواع مُعيّنة من الصداع النصفي لها روابط وراثية قوية؛ إذ يمكِن أن يرث الشخص شكلًا من أشكال الصداع النصفي يُسمّى الصداع النصفي الفالجي العائلي "FHM"، الذي لا يتطلّب سوى وراثة نسخة واحدة من الجين المتحور، ولكن هذا لا يعني أنّ الإصابة به حتمية لمجرد وجود الطفرة الجينية.
وهناك أربعة أنواع من الصداع النصفي الفالجي العائلي، التي تختلف باختلاف الجين المُسبِّب:
- النوع الأول: هو الأكثر شيوعًا، وناجِم عن طفرات في جين CACNA1A.
- النوع الثاني: يحدث بسبب طفرات في جين ATP1A2، وقد يكون مرتبطًا أكثر بحدوث نوبات التشنجات.
- النوع الثالث: بسبب طفرات جين SCN1A.
- النوع الرابع: يتم تشخيصه إذا لم يتمكّن الأطباء من العثور على الجين المُسبِّب للصداع النصفي الفالجي العائلي.
كيف يساعد فهم العوامل الوراثية في علاج الصداع النصفي؟
قد يكون فهم تأثير العوامل الوراثية بدقّة عاملًا مساعدًا في وضع خطط علاجية أدقّ للصداع النصفي؛ إذ يمكِن أن يؤدي فهم دور الجينات في المساهمة في معالجة الصداع النصفي بعِدّة طرق:
1. التشخيص والتدخّل المبكر
من أفضل الأمور التي تفعلها المعرفة الجينية أنّها تقرّب مسافة التشخيص، فمن خلال تحديد العوامل في وقت مبكّر، قد يتمكّن الطبيب من اتخاذ تدابير وقائية لتقليل تكرار وشِدّة الصداع النصفي وتجنّب تطوّره إلى الصداع النصفي المزمن.
2. تحديد المحفّزات
أيضًا قد يساعد فهم العوامل الوراثية التي تُسهِم في الصداع النصفي في تحديد مُحفّزات مُحدّدة يُرجّح أن تسبّب نوبات الصداع النصفي.
فمثلًا قد يكون هناك متغيّر وراثي يجعلك أكثر حساسية لبعض الأطعمة أو العوامل البيئية، وقد تتمكّن من تجنّب أو تقليل تعرضك لتلك المحفّزات للمساعدة على الوقاية من الصداع النصفي.
تشخيص الصداع النصفي الوراثي
إذا كان هناك تاريخ عائلي للإصابة بالصداع النصفي، فبالتأكيد قد تتساءل عمّا إذا كانت جيناتك تحمل الصداع النصفي أيضًا، ولكن في الوقت الحالي، لا يوجد اختبار طبي مُحدّد لتحديد ما إذا كان الصداع النصفي لديك وراثيًا أم لا.
ولكن إذا كُنت تعاني الصداع النصفي، وسبقت إصابة أحد أفراد العائلة به، فمن المهم مناقشة ذلك مع الطبيب، لإجراء الاختبارات التشخيصية المطلوبة لاستبعاد المشكلات الصحية الأخرى التي قد تُسبِّب الصداع، والحصول على العلاج المناسب.
أسباب وعوامل الإصابة بالصداع النصفي
ثمّة عوامل أخرى غير الجينات، يمكِن أن تسهِم في الصداع النصفي، وربّما تكون هي الأكثر وضوحًا بالنسبة لمرضى الصداع النصفي، والتي قد تختلف من شخصٍ لآخر:
- التوتر.
- تغيّرات الطقس.
- الروائح القوية أو الأصوات العالية أو الأضواء الساطعة.
- قلة النوم أو كثرته.
- التغيّرات الهرمونية.
- بعض الأطعمة أو الأدوية.
- هبوط سكر الدم.
طرق الوقاية من الصداع النصفي
ينبغي تحديد المحفّزات الأساسية التي تحفّز الصداع النصفي لديك، ومحاولة تجنّبها كلما أمكن ذلك، ويمكِن للطبيب أن يساعدك على ذلك. وقد يطلب منك كتابة مذكّرات أو يوميات عن الصداع النصفي، لمعرفة المحفّزات بدقة، مثل أطعمة مُعيّنة أو توتر أو غير ذلك.
كذلك هناك أدوية تُوصَف للوقاية من الصداع النصفي تحت إشراف الطبيب، مثل:
- مضادات الصرع، مثل توبيراميت.
- حاصرات بيتا، مثل بروبرانولول.
- حاصرات قنوات الكالسيوم، مثل فيراباميل.
- الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، مثل إرينوماب.
- مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات، مثل أميتريبتيلين.
- مثبّطات إعادة امتصاص السيروتونين والنورأدرينالين، مثل فينلافاكسين.
وقد لا يمكِن تفادي جميع أنواع الصداع النصفي، ولكن قد يساعد تناول الأدوية الوقائية حسب توجيهات الطبيب في تقليل عدد مرات ظهور أعراض الصداع النصفي وكذلك شِدّته.
