قدرات خارقة أم تطور طبيعي؟ سر بقاء البشر فوق القمم لساعات طويلة
أصدر أستاذ الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة ديوك الأمريكية، هيرمان بونتزر، كتابه الجديد "Adaptable" عن دار بنغوين راندم هاوس عام 2025، ليروي فيه كيف نجح الإنسان في استيطان كل قارات الأرض تقريبًا، من المناطق القطبية إلى الغابات الاستوائية ومن الجبال الشاهقة إلى السواحل المنخفضة.
ووفقًا لتقرير نشره موقع "لايف ساينس" عن الكتاب أوضح فيه أن التساؤل الجوهري هو: كيف تحمّل جسد بشري واحد كل هذا التنوع؟ ويرى "بونتزر" أن الإجابة تكمن في تفاصيل الشفرة الوراثية ومسار تاريخ التطوري الطويل للبشر.
كيف سكن الإنسان البدائي كل قارات الأرض؟
يفتتح بونتزر كتابه بحقيقة مفاجئة ألا وهي أن البشر هم أكثر الثدييات عرضةً للاختناق، ويودي هذا الخطر بحياة أكثر من خمسة آلاف شخص سنويًا في الولايات المتحدة وحدها، والمسؤول عن ذلك ليس خللاً في بنية الجسم، بل قرار اتخذه التطور منذ آلاف السنين.
وأشار إلى أن سبب ذلك هو الفارق الجوهري بين الإنسان وسائر الثدييات أن حنجرته تقع في منتصف الحلق تقريبًا، بينما تستقر حنجرة الحيوانات عاليًا قريبةً من الأنف، وهذا يعني أن مسار الهواء ومسار الطعام يسيران في الحيوانات بمعزل تام عن بعضهما، فلا خطر اختناق؛ غير أن هذا الترتيب يجعل الحيوان عاجزًا عن تشكيل الأصوات المتنوعة التي تبني اللغة.
وأوضح أنه حين انتصبت قامة الإنسان وتطور حلقه، انزلقت الحنجرة نحو الأسفل، فاتسع المجال الصوتي وأمكن النطق بالكلام، وكان الثمن قبول خطر الاختناق داخل الجسد، لكن اللغة أتاحت تنسيقًا وتعاونًا ضمن بقاء الجماعة، فرجح الميزان لصالحها.
ووصف هذه العملية أنها ثمن باهظ دفعه الإنسان مقابل الكلام، ولا يزال يسدّده حتى اليوم.
أعراض مرض الارتفاع
واستمر بونتزر في كشف المفاجئات حيث أوضح في كتابه أنه حين يصعد الإنسان إلى ارتفاعات شاهقة، تنخفض كمية الأكسجين في كل نفَس يأخذه، فيستجيب الجسم بإفراز هرمون يأمر نخاع العظام بإنتاج كريات حمراء إضافية لتعويض النقص.
ويبدو الحل ذكيًا، لكن الكريات الزائدة ترفع كثافة الدم وتُعسّر جريانه في الأوعية، ما يسبب ما يُعرف بمرض الارتفاع الذي يبدأ بالصداع والغثيان وقد يتطور إلى تراكم سوائل خطرة في الرئتين والدماغ.
والمثير أن نحو 15% من بالغي سكان جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية يعانون هذا المرض رغم إقامة أجيال متعاقبة من أجدادهم في تلك الارتفاعات، ما يعني أن أجسادهم لم تجد بعد حلاً جينيًا ناجحًا.
وفي المقابل، سلك سكان جبال الهيمالايا في آسيا طريقًا مختلفًا تمامًا؛ إذ يحمل كثيرون منهم طفرة نادرة على جين يُعرف بـ EPAS1، وهو الجين المسؤول عن تنظيم استجابة الجسم لنقص الأكسجين.
وتجعل هذه الطفرة أجسادهم قارة على تحمل الارتفاعات العالية، ولكن أيضًا تؤثر عليهم بشكل سلبي إذ تحد من قدرتهم على نقل الأكسجين.
