رهاب الزمن: عندما يكون مرور الوقت أعظم مخاوفك
قد تشعر بأنّ الساعات تمضي مُسرِعة كأنّها دقائق، كما أنّ عقارب الساعة لا تتوقّف، وهي لا تعود إلى الوراء، كأنّما قطعت عهدًا بألّا تلتفت إلى الخلف أبدًا.
وبينما يختلف إحساس كل شخصٍ بالوقت، فإنّ كثيرًا من الناس يشعرون بمرور الوقت سريعًا، كأنّما يتسرّب من بين أيديهم ولا يستطيعون لحاقه، بل يسيطر على بعضهم خوف شديد من مرور الوقت.
ليس الخوف العادي أو المُعتاد، بل خوف مستمرّ وشديد يصل إلى درجة الرهاب، فلماذا يعاني بعض الناس رهاب الزمن؟ وكيف يمكِن تفادي هذا الخوف والاستمتاع بكلّ لحظةٍ من العُمر؟
ما هو رهاب الزمن؟
رهاب الزمن (Chronophobia) هو خوف مستمر وشديد من مرور الوقت، ويُعرَف أحيانًا باسم "قلق الوقت"؛ إذ يخشى المرء من نفاد الوقت أو أنّه لا يملك ما يكفي من الوقت لإنجاز كل ما يتعيّن عليه القيام به.
وغالبًا ما يشعر بالأسى عند التفكير في المستقبل أو ينشغل بمشاهدة الساعة أو التقويم، بل قد يشعر بالقلق الشديد عند التفكير في الوقت لدرجة أن يتجنّب التجمّعات الاجتماعية أو الأحداث المهمة لتجنّب نوبة الهلع!
أسباب الخوف من مرور الوقت
من الطبيعي أن يقلق بعض الناس بين الحين والآخر من مرور الوقت، ولكن أن يكون الخوف من مرور الوقت مستمرًا وشديدًا، فربّما للأسباب الآتية:
1. التعرّض للحبس
الأشخاص الذين يُسجنون أو يُحبَسون في مكان صغير لفترة طويلة، خصوصًا بمفردهم، غالبًا ما يُصابون بخوفٍ شديد من الوقت. فربّما يفقدون إحساسهم بالوقت ويصبحون مُشوّشين ومذعورين بصورة متزايدة، وقد أُطلِق على هذا أحيانًا اسم "عصاب السجن".
2. الكوارث الطبيعية أو الأوبئة
كذلك فإنّ الأشخاص الذين عاشوا أو يعيشون أنواعًا أخرى من الصدمات الممتدة، مثل الكوارث الطبيعية أو الأوبئة التي تتطلّب حجرًا صحيًا ممتدًا، قد يُصابون برهاب الزمن أيضًا. وغالبًا ما يتغيَّر إحساسهم بالوقت بسبب ظروفهم غير العادية أو الشديدة.
3. المرض أو الإعاقة
قد يعاني الأفراد الذين تعرّضوا لإصابات غيّرت مجرى حياتهم، أو الذين يواجهون أمراضًا مزمنة أو مهدِّدة للحياة، من خوف شديد من مرور الوقت.
وفي بعض الحالات، قد يشعرون بأنّ كل إنجاز هو بمثابة تذكيرٍ بما فاتهم بسبب المرض أو الإصابة، وفي حالات أخرى، قد يشعر هؤلاء بالخوف من نفاد الوقت أو أنّهم يضيّعون وقتًا ثمينًا.
4. التقدّم في العُمر
أيضًا قد يعاني كبار السن رهاب الزمن بسبب مخاوفهم من الموت أو أنّ المتبقي في المستقبل ليس بالكثير. ويُعدّ الخوف من الوقت شائعًا خصوصًا بين الأشخاص الذين يعيشون في "بيئات مغلقة"، مثل دور رعاية المُسنّين أو المستشفيات.
5. مشكلات الصحة النفسية
غالبًا ما يعاني المصابون برهاب الزمن مشكلات نفسية أخرى، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، أو القلق، أو اضطرابات المزاج، مثل الاكتئاب.
ما أهم محفّزات رهاب الزمن؟
قد تثِير بعض المحفّزات مخاوف المرء من مرور الوقت، مثل الأحداث المهمة كالعطلات وأعياد الميلاد والذكرى السنوية وما إلى ذلك، وحسب "Cleveland Clinic" فمثل هذه المحفّزات قد تثِير المخاوف بشأن:
- عدم السيطرة على حقيقة أنّ الوقت يمرّ بهم.
- الموت، فقد يكون لديهم خوف شديد من الموت.
- الشعور بأنّ الوقت كبير جدًا أو طاغٍ على تفكيرهم.
- الشعور بأنّ الوقت يتحرّك ببطء شديد.
أعراض رهاب الزمن
قد تختلف أعراض رهاب الزمن من شخصٍ لآخر، ولكن يمكِن تقسيمها إلى أعراض جسدية وسلوكية ونفسية:
الأعراض الجسدية
- نوبات القلق.
- خفقان القلب.
- زيادة معدل ضربات القلب.
- جفاف الفم.
- الغثيان.
- الارتجاف.
الأعراض السلوكية (تأثير رهاب الزمن على الحياة اليومية)
- التجنّب: قد يتجنّب المرء المواقف أو الالتزامات أو المهمات التي تثِير القلق بشأن الوقت أو المستقبل، مثل الأحداث المهمة والمهرجانات السنوية والتخطيط للمستقبل وما إلى ذلك.
- التسويف: قد ينجم التسويف المزمن عن رهاب الزمن؛ إذ يؤخِّر الشخص المهام والمواعيد النهائية بسبب القلق.
- العُزلة: يمكِن للخوف من الوقت أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية؛ إذ ينسحب الفرد من التفاعلات الاجتماعية والالتزامات الأخرى.
- اضطرابات النوم: كذلك قد يؤدي رهاب الزمن إلى صعوبة النوم أو الحفاظ على نمط نوم منتظم، ما قد يُفضِي إلى الأرق.
الأعراض النفسية
- شعور واسع النطاق بالارتباك يجعل الوقت يبدو كأنّه يتسارع أو يتباطأ.
- الوعي بأنّ الرهاب غير عقلاني، ولكن مع عدم القدرة على مواجهته.
- مشاعر غامرة من الرهبة والقلق عند النظر في مفهوم مرور الوقت.
ما المضاعفات المحتملة لرهاب الزمن؟
لا يتعلّق الأمر بمجرّد خوفٍ شديد من مرور الوقت، بل يمكِن أن يمتدّ هذا الخوف ليؤثِّر في مختلف جوانب الحياة اليومية للمرء، فقد يؤدي رهاب الزمن الشديد إلى مشكلات في العلاقات، أو صعوبة أن يكون الشخص جزءًا من مجتمعه.
كذلك قد يفاقِم رهاب الزمن مشكلات الصحة النفسية، كما أنّ الأشخاص المصابين به مهووسون بالوقت، ومِنْ ثمّ فقد يُصابون بالاكتئاب الشديد والقلق والعُزلة.
طرق علاج رهاب الزمن
يتضمّن علاج رهاب الزمن عادةً العلاج النفسي من مُختصٍ نفسي، وفيما يلي الأشكال الرئيسة الفعالة للخوف الشديد من الوقت، حسب "Verywell health":
- العلاج السلوكي المعرفي: هو العلاج المُفضَّل لرهاب الزمن؛ إذ يساعد الشخص على مواجهة أنماط أفكاره وسلوكه المُشوهّة أو السلبية بشأن الزمن أو مرور الوقت.
- الأدوية: يمكِن أن يصِف الطبيب بعض الأدوية، مثل المهدئات أو مضادات الاكتئاب، لتخفيف بعض الأعراض المصاحبة لرهاب الزمن. ومع ذلك يظلّ العلاج النفسي هو العلاج الأساسي عمومًا.
نصائح للتعامل مع القلق الشديد من مرور الوقت
بالإضافة إلى العلاج النفسي المُختصّ، ثمّة طرق يمكِن التعامل بها مع الخوف الشديد من الوقت، مثل:
1. تقنيات الاسترخاء
يمكِن لأي شخص يعاني القلق أو الهلع أو اضطرابات النوم بسبب رهاب الزمن، الاستفادة من تقنيات الاسترخاء، مثل:
- تمارين التنفّس العميق.
- أجهزة الضوضاء البيضاء.
- بعض الأنشطة، مثل كُتب التلوين للبالغين.
2. التخطيط للمستقبل
إنّ تحديد أهدافٍ واقعية للمستقبل يمكِن أن يساعدك على مواجهة خوفك من الوقت بشكلٍ مباشر، لذا حاوِل أن تجعل التخطيط نشاطًا مليئًا بالأمل والمرح.
كما يمكِنك استخدام دفتر الملاحظات أو تطبيق التقويم أو أي شيء آخر يساعدك على رؤية مرور الوقت في ضوء أكثر إيجابية.
3. مجموعات الدعم
هُناك العديد من مجموعات دعم الأقران، سواء عبر الإنترنت أو شخصيًا، والتي يمكِن أن تساعدك على الشعور بالوحدة بشكلٍ أقل تجاه القلق المرتبِط بالوقت، فإنّ مقابلة أشخاص لديهم مخاوف مماثلة، يمكِنك أن يساعدك على تلقِّي الدعم اللازم وتقليل المخاوف من مرور الوقت.
ختامًا، لا يتعلّق رهاب الزمن بمرور الوقت بحدّ ذاته، بل بالطريقة التي ندركه ونفكّر به. وحين نتعلّم إعادة علاقتنا مع الوقت، ونمنحه معنىً بدل أن نخشاه، يمكننا أن نعيش الحاضر بطمأنينة ونستمتع بكل لحظةٍ من أعمارنا.
