المعكرونة وسكر الدم.. طريقة التحضير هي الحَكم
يبدو أن تناول طبق من المعكرونة عدة مرات في الأسبوع يُعدّ خطيئةً كبرى في حق النظام الغذائي عند كثيرين، وجريمةً تؤدي تلقائيًا إلى قفزات جنونية في مستويات السكر في الدم.
غير أن واقع الحال يؤكد عكس ذلك تمامًا؛ فالأمر أكثر تعقيدًا من مجرد حظر هذا الطبق الشهير، إذ تلعب طريقة التحضير والمكونات المصاحبة دورًا خفيًا يحول المعكرونة من عدو للمجرى الدموي إلى صديق محايد.
العلاقة بين المعكرونة وسكر الدم
رغم أن المعكرونة تحتوي على نسبة عالية من الكربوهيدرات، فإن طريقة تكوينها تجعل تأثيرها في سكر الدم أبطأ وأقل حدة، لأنها تُهضم تدريجيًا مقارنة بأطعمة أخرى مشابهة كالخبز الأبيض أو الأرز سريع التحضير.
ووفقًا لما نشره موقع "verywellhealth"، تحتوي معكرونة القمح التقليدية على حبيبات نشا متراصة بكثافة داخل شبكة من البروتين، ما يفرض على الجهاز الهضمي العمل ببطء وتأنٍ لتفكيكها، ولذا تمنح الجسم تدفقًا تدريجيًا للطاقة عكس ما يعتقده كثيرون.
كيف تؤثر عادات الطهي على هرمون الأنسولين؟
يتساءل كثير من محبي المعجنات الإيطالية: هل يعني هذا أن تناولها بانتظام لا يحمل أي أخطار؟ الحقيقة أن التكرار يضع الجسم أمام مواجهة مستمرة مع الكربوهيدرات، ما يتطلب إفرازًا متتابعًا لهرمون الأنسولين المسؤول عن نقل الجلوكوز إلى الخلايا.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من مقاومة الأنسولين أو مرض السكري، فإن هذا الطلب المتكرر قد يُسهم في رفع مستويات الجلوكوز بعد الوجبات إن لم يتم التعامل مع الحصص بذكاء.
وتؤدي مدة الطهي دورًا محوريًا لا يتوقعه أحد في تحديد هذه الاستجابة؛ فالأطباق المطبوخة بنظام "ألدينتي" -أي التي تحتفظ بقوام متماسك ولا تُطهى حتى الغليان الكامل- تُبطئ عملية الهضم بصورة ممتازة.
وعلى الجانب الآخر، فإن المعكرونة المطهوة أكثر من اللازم تتحلل بسرعة فائقة داخل الأمعاء، ما يؤدي إلى تدفق سريع ومفاجئ للسكر في مجرى الدم يجهد البنكرياس ملحوظًا.
كيف تغيّر الإضافات تأثير المعكرونة على الجسم؟
يبدو أن المعكرونة نادرًا ما تُؤكل وحدها، وهنا تحديدًا يكمن سر السيطرة على تأثيرها الحيوي في مجرى الدم؛ فالصلصات واللحوم والأطباق الجانبية تُغيّر تمامًا من كيمياء الوجبة، إذ يُسهم الجمع بين الكربوهيدرات والبروتينات أو الدهون الصحية في تأخير إفراغ المعدة وإبطاء امتصاص السكريات بطريقة طبيعية وآمنة تتفوق على تناول المعكرونة منفردة.
ولتحويل طبقك المعتاد إلى وجبة مثالية لحفظ توازن الطاقة، ينصح خبراء التغذية بإضافة مصادر البروتين النقية مثل قطع الدجاج أو الفاصوليا أو المأكولات البحرية لتُبطئ الهضم، كما يساعد تعزيز الطبق بالخضراوات الطازجة على زيادة نسبة الألياف وتقليل الارتفاع المفاجئ للجلوكوز، مع ضرورة اعتماد المعكرونة المصنوعة من الحبوب الكاملة بفضل غناها الطبيعي بالألياف التي تحسن التحكم بالسكر على المدى الطويل، والتعامل بحذر مع الأجبان أو الصلصات الكريمية التي تؤخر الهضم لكنها تُغيّر توقيت صعود الجلوكوز.
التبريد الذي يغيّر سلوك النشا تمامًا
تثبت الأبحاث الحديثة في علم الطهي وجود حيلة فيزيائية مذهلة تُغيّر بنية النشا نفسه وتجعله يسلك سلوكًا مغايرًا تمامًا داخل الجسد؛ فعندما تُطهى المعكرونة ثم تُترك لتبرد تمامًا في الثلاجة قبل تناولها، يتحول جزء كبير من نشوياتها إلى ما يُعرف بـ "النشا المقاوم"، وهو نوع من النشا يتصرف تمامًا مثل الألياف الغذائية غير القابلة للامتصاص السريع.
هذا التغير في البنية يقلل قدرة الإنزيمات الهضمية على تكسير النشا بسرعة، لذلك فإن تناول سلطة المعكرونة الباردة، أو حتى إعادة تسخين المعكرونة بعد تبريدها، يؤدي إلى ارتفاع أبطأ وأقل في سكر الدم مقارنة بتناولها طازجةً وساخنةً مباشرةً بعد الطهي.
وبفضل هذه الطريقة البسيطة، يمكن لعشاق المعكرونة الاستمتاع بها أكثر من مرة في الأسبوع دون القلق من تقلبات كبيرة في مستوى السكر، ما يؤكد أن حجم الوجبة وطريقة التحضير هما العاملان الأكثر تأثيرًا في النهاية.
