مشاكل الفقرات: الأسباب وأفضل التمارين لتخفيف الألم
بينما نهتمّ بصحة أجسادنا، ونعالِج أي مرض يطرأ، فإنّ بعض أنسجة الجسم تتألّم بصمت، ولكن في مرحلةٍ ما قد تفاجئك بألم لا يُطاق، وهذا هو الحال مع مشاكل الفقرات التي تحمل ثقل الجسم طوال اليوم؛ جالسًا أو واقفًا أو نائمًا.
وليست مشكلات الفقرات بسبب التقدم في العُمر أو التعرض لحادث فحسب، ولكن أحيانًا يكون لنمط حياتنا دور فيها، مثل استخدام كرسي أو مكتب عمل لا يحافظ على الانحناء الطبيعي للظهر، أو زيادة الوزن.
لذلك نتناول في السطور الآتية أسباب مشاكل الفقرات وكيفية علاجها والتمارين المساعدة، ولكن قبل ذلك ما الذي يحدث داخل الفقرات بدقّة ليُسبّب هذا الألم؟
نظرة على عمودك الفقري من الداخل
يتكوّن العمود الفقري من فقرات عبارة عن عظام أسطوانية مُكدسة بعضها فوق بعض، مع أقراص مبطّنة بين الفقرات، ويُوجَد في كل مستوى من مستويات العمود الفقري صفيحة فقرية تقع بين الفقرة والقرص.
والصفيحة الفقرية عبارة عن بِنية رقيقة مستديرة مكوّنة من طبقتين:
- طبقة من العظام تلتصق بجسم الفقرة.
- طبقة من الغضروف تلتصق بالقرص الغضروفي.
وعندما تتضرّر تلك الصفائح الفقرية، سواء بسبب الشيخوخة الطبيعية أو حادث أو التهاب، فإنّها تطلِق مواد تزيد من حساسية الأعصاب وتسبّب الألم، الذي قد يتفاقم بعد ذلك.
الأعصاب الحساسة سر آلام الفقرات
غالبًا ما نفكّر في العظام على أنّها بِنية صلبة واحدة، ولكنّها في الواقع تتكوّن من طبقات متعددة ومليئة بالأعصاب الحساسة (وهو أحد الأسباب التي تجعل كسر العمود الفقري مؤلمًا للغاية).
وكما هو الحال مع جميع العظام، فإنّ العظام في العمود الفقري مليئة بالأعصاب الحساسة:
- تحتوي نهايات الفقرات على أعصاب شديدة الحساسية للألم، لا سيما العصب القاعدي الفقري.
- يتفرّع العصب القاعدي الفقري من الحبل الشوكي، ويمتد في كل فقرة في الظهر وصولًا إلى الصفيحة الفقرية النهائية.
- عندما تتضرّر تلك الصفيحة، غالبًا ما يحدث تهيج والتهاب يؤثّر مباشرةً في هذه الأعصاب، ما يؤدي إلى إشارات الألم التي يمكن الشعور بها في جميع أنحاء أسفل الظهر.
جدير بالذكر أنّه عندما تصبِح الألياف العصبية للعصب القاعدي الفقري أكثر حساسية، فإنّها تتفاعل حتى مع الضغط أو التوتر الميكانيكي البسيط، وهذا يمكِن أن يجعل الألم أكثر حدة مع أي حركة تضغط على الفقرات والصفائح الطرفية.
ويمكن أن يظهر هذا الألم في شكل ألم عميق ومزعج يمكن أن يتفاقم حتى عند الجلوس أو الوقوف في مكان واحد لفترة طويلة، وفقًا لموقع "Spine-health".
تلف الصفيحة الفقرية وتضرّر الأعصاب
عندما تضعف الصفيحة النهائية بسبب الإصابة أو التقدّم في العمر، قد تتشكّل شقوق خصوصًا في المركز، بما يجعلها أرق.
وتسمح هذه الشقوق للمواد الكيميائية الالتهابية بالتسرّب إلى النهايات العصبية القاعدية الفقرية، ما يؤدي إلى تفاقم الألم.
كما أنّ الصفائح الطرفية الرقيقة والأضعف تكون أقل فعالية في امتصاص الضغط، ما يؤدي إلى زيادة الضغط على العصب القاعدي الفقري.
وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى ألم مزمن مزعج، قد يتفاقم بمرور الوقت.
أعراض الألم الناجم عن مشاكل الفقرات
قد تسبّب آلام العمود الفقري واحدًا من الأعراض الآتية أو مجموعة منها:
- آلام أسفل الظهر على امتداد الفقرات: يكون الألم عميقًا أو نابضًا في أسفل الظهر يتمركز حول المنطقة الوسطى من أسفل الظهر.
- التصلّب: قد تشعر بتصلّب أسفل الظهر، خصوصًا بعد الجلوس لفترة طويلة أو بعد النهوض من الفراش مباشرةً في الصباح.
- تفاقم الألم ليلًا: قد يزداد الألم سوءًا خلال الليل.
- تفاقم الألم مع حركات مُعينة: قد يزداد ألم العمود الفقري مع الأنشطة التي تزيد الأحمال على الصفيحة النهائية التالفة، مثل الجلوس أو الوقوف لفترات طويلة، أو الانحناء للأمام، أو تغيير الوضع من الجلوس إلى الوقوف، أو الرياضات التي تسبّب إجهادًا للمنطقة، مثل الجري أو ركوب الدراجات أو رفع الأثقال أو أي نوع من القفز.
- زوال الألم مع الراحة: يقل الألم خصوصًا عندما يكون المرء في وضع مدعوم يقلّل الضغط على أسفل الظهر، مثل الجلوس على كرسي مائل أو في سرير قابل للتعديل بحيث يكون الجزء العلوي من الجسم مائلًا للأعلى مع رفع الركبتين للأعلى. ومع ذلك، إذا أصبحت الأعصاب حسّاسة للغاية، فقد يستمرّ الألم حتى في أثناء الراحة.
أسباب مشاكل الفقرات
يتعلّق ألم الفقرات عادةً بمشكلات في:
- الفقرات ذاتها.
- الوسائد المسطحة المستديرة بين الفقرات (الأقراص الغضروفية).
- الأنسجة الرخوة المحيطة بالفقرات والأقراص، بما في ذلك العضلات والأوتار والأربطة.
ومن أمثلة المشكلات التي تسبّب آلام الفقرات أو الظهر:
1. التهاب المفاصل
هناك العديد من أنواع التهاب المفاصل التي قد تصيب فقرات الظهر، ولكن أهمها خشونة المفاصل والتهاب الفقار المقسط.
فقد تشعر بألم وتصلّب في أسفل ظهرك، بالإضافة إلى أعراض أخرى اعتمادًا على نوع التهاب المفاصل.
2. تآكل الأقراص الغضروفية
قد تشعر بألم في أسفل ظهرك يمتد إلى ذراعيك أو ساقيك أو المؤخرة، كما قد يظهر الألم ويختفي أو يزداد سوءًا بعد حركات مُعيّنة، مثل الانحناء أو الالتواء.
3. الانزلاق الغضروفي
قد يضغط القرص التالف على الأعصاب القريبة، ما يسبّب آلام أسفل الظهر وألمًا حادًا في المؤخرة والساق (عرق النسا)، كما يمكِن أن تؤدي الأقراص المنزلقة إلى متلازمة ذيل الفرس، وهي حالة طبية طارئة.
4. تضيق العمود الفقري
يمكن أن يؤدي تضيق العمود الفقري القطني (أسفل الظهر) والأعصاب المضغوطة هناك إلى آلام أسفل الظهر وعرق النسا، والشعور بثقل في ساقيك، كما قد يزداد الألم سوءًا مع الوقوف أو المشي لفترات طويلة.
5. انزلاق الفقار
قد تنزلق الفقرات جانبًا، بحيث لا تصطف مع الفقرات الموجودة فوقها وتحتها، وهذا قد يحدث مع التقدم في العُمر، ولكنه قد يحدث أيضًا للشباب الذين يمارسون رياضات تضغط على أسفل الظهر، مثل كرة القدم والجمباز ورفع الأثقال.
6. داء الفقار الرقبية
ينجم عن التآكل التدريجي في فقرات الرقبة مع التقدم في العُمر؛ إذ قد يحدث انزلاق غضروفي هناك، أو قد تُنبِت الفقرات عظامًا إضافية تُسمّى "نتوءات" في محاولة تعزيز قوتها.
كذلك يمكن أن تصبح الأربطة التي تربط الفقرات متصلبة ومشدودة، ما يجعل رقبتك مؤلمة أو قد تجد أنّه من الصعب تحريكها.
7. التهاب الفقرات الناجم عن عدوى
قد تصيب العدوى عظام العمود الفقري، وعادةً ما يسبّب ذلك آلام أسفل الظهر التي تستمر في أثناء الراحة، كما قد تشعر بألم في العظام المصابة عند لمسها، وربّما تكون هناك أعراض أخرى، مثل الحمى.
8. أورام العمود الفقري
تُسبّب أورام العمود الفقري آلامًا عميقة في الظهر، تبدأ ببطء وتزداد تدريجيًا، وقد يكون الألم طفيفًا ومستمرًا (حتى في أثناء الراحة) ويزداد سوءًا خلال الليل، كما قد يكون الألم حادًا ينتشر من العمود الفقري إلى الذراعين أو الوركين أو الساقين أو القدمين.
كيفية علاج مشاكل الفقرات
تضمّ وسائل علاج ألم الفقرات:
1. الأدوية
قد يصف الطبيب بعض الأدوية لتقليل الألم والالتهابات وتشنجات عضلات أسفل الظهر، مثل:
- مضادات الالتهاب غير الستيرويدية: مثل إيبوبروفين، فهي تساعد على تخفيف الالتهابات والألم.
- الكريمات الموضعية: التي تساعد على تقليل الالتهابات أو تخدير المنطقة مؤقتًا، وقد تكون مفيدة في تقليل الألم الموضعي بعد الأنشطة البدنية.
- الأدوية المُرخِية للعضلات: مثل سيكلوبنزابرين، التي ترخِي العضلات المشدودة والمتوترة، وتساعد على تخفيف النوبات الشديدة من ألم الفقرات.
2. العلاج الطبيعي
يهدف العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل تحت إشراف المُختص إلى:
- تقليل الألم الحاد والالتهاب في أسفل الظهر.
- تحسين نطاق الحركة وتقليل التصلب من خلال تمارين التمدد.
- تقوية العضلات والأقراص المحيطة بالصفيحة الطرفية التالفة من خلال تمارين تقوية القلب والحوض والساق.
- توفير إرشادات حول تقنيات الرفع ووضعية الجسم الصحيحة وكيفية الجلوس بوضعية صحيحة في بيئة العمل.
3. الجراحة
قد تكون الجراحة الخيار الأساسي لعلاج ألم الفقرات، خصوصًا إذا كان ناجمًا عن:
- تآكل الأقراص الغضروفية.
- انزلاق الفقار.
- تضيق العمود الفقري.
- خشونة المفاصل.
ومن بين الخيارات الجراحية التي قد يلجأ إليها الجرّاح:
- استئصال القرص، الذي يتضمّن إزالة جزء من القرص الغضروفي.
- استبدال القرص الاصطناعي، الذي يتضمّن إدخال قرص جديد ليحلّ محلّ القرص القديم.
- استئصال الصفيحة الفقرية لعلاج تضيق العمود الفقري.
- اندماج العمود الفقري، لربط الفقرت معًا لتثبيتها.
تمارين تساعد على تخفيف ألم الظهر والرقبة
قد تساعد بعض التمارين على تخفيف ألم الظهر والرقبة ولكنها ليست بديلًا عن العلاج الموصَى به، كما ينبغي عدم الاستمرار في ممارسة أي تمرين يسبّب لك الألم أو يزيده سوءًا، ويُفضّل أن تكون تحت إشراف مُختص.
أمّا التمارين المساعدة، فتشمل حسب "Arthritis-UK":
1. شدّ عضلات البطن (Stomach tone)
- استلقِ على بطنك وذراعاك بجانبك، ورأسك على جانب واحد.
- شدّ عضلات البطن المتمركزة حول السُرّة.
- انتظر لمدة 5 ثوان.
- كرّر 3 مرات.
- زد الوتيرة تدريجيًا حتى تصل إلى 10 ثوان، وكرر ذلك في أثناء المشي أو الوقوف.
- استمرّ في التنفس خلال ممارسة التمرين.
2. إمالة الحوض (Pelvic tilt)
- استلقِ مع ثني رُكبتيك.
- شدّ عضلات بطنك مع الحفاظ على ظهرك مُسطّحًا على الأرض.
- انتظر لمدة 5 ثوان.
- كرّر 5 مرات.
3. تمرين لفّات الركبة (Knee rolls)
- استلقِ على ظهرك مع ثني ركبتيك وقدميك معًا.
- لفّ ركبتيك إلى جانب واحد، مع إبقاء كتفيك مسطّحتين على السرير أو الأرض، وابقَ على ذلك لمدة 10 ثوان.
- أرجِع ركبتك إلى وضع البداية، ثُمّ انتقل إلى الجانب الآخر وكرّر ذلك.
- قُم بهذا التمرين 3 مرات على كل جانب.
4. تمرين مثبّت الظهر (Back stabilizer)
- اركع على أربع وظهرك مستقيم، مع شدّ عضلات البطن.
- مع الحفاظ على ظهرك في هذا الوضع، ارفع ذراعًا واحدة أمامك واستمر في هذا الوضع لمدة 10 ثوان.
- حاول الحفاظ على مستوى حوضك، ولا تقُم بتدوير جسمك.
- كرّر ذلك 10 مرات على كل جانب.
5. تمرين الاندفاع العميق (Deep lunge)
- اركع على ركبة واحدة والقدم الأخرى أمامك.
- ارفع ركبتك الخلفية للأعلى وتأكّد من استمرارك في النظر للأمام.
- ادفع وركيك للأمام.
- استمر لمدة 5 ثوان.
- كرّر ذلك 3 مرات على كل جانب.
- حاول إبقاء الجزء العلوي من جسمك مستقيمًا، مع تجنّب ثني الجزء العلوي من جسمك أو إمالته للأمام.
كيف تمارس حياتك اليومية بما يمنع آلام الظهر؟
ثمّة أمور يمكنك فعلها في حياتك اليومية للوقاية من آلام الظهر أو تقليل خطر الإصابة بمشكلات الفقرات أو تفاقمها، مثل:
- الحفاظ على وزن صحي: لأنّ الوزن الزائد يضع ضغطًا إضافيًا على الفقرات، ويمكن الحفاظ على الوزن من خلال النظام الغذائي الصحي وممارسة الرياضة.
- الوضعية المدعومة: بالحفاظ على العمود الفقري في وضع محايد خلال الجلوس والوقوف والمشي والقيادة والنوم، لتقليل الضغط عليه والحفاظ على سلامة الفقرات.
- الإقلاع عن التدخين: لأنّ أي شكل من أشكال تناول النيكوتين يسرّع تآكل الأقراص الغضروفية.
- تجنّب الأنشطة التي تحفّز الألم: مثل الانحناء المتكرر أو الرياضات التي تضع ضغطًا هائلًا على أسفل الظهر.
- تصميم مكان العمل بما يريح ظهرك: ثمّة أنواع مُخصّصة من مكاتب العمل والكراسي لدعم انحناء العمود الفقري الطبيعي، لذا ينبغي الاعتماد عليها لحماية الفقرات من التعرض لفترات طويلة من الضغط، ما يقلل الألم ويمنع المزيد من الإصابات، ويُفضّل أيضًا أخذ فترات راحة بين الحين والآخر والنهوض والحركة.
ختامًا، مشاكل الفقرات كثيرة، وغالبًا ما يكون لنمط الحياة دور في آلام الظهر، ولذلك ينبغي الحفاظ على وزنٍ صحي وتصميم مكان العمل بما يحافظ على سلامة العمود الفقري، والمبادرة إلى العلاج حال المعاناة من ألم غير مُعتاد في الظهر أو الرقبة.
