هل يصاب الرجال أيضاً باكتئاب ما بعد الولادة؟ أزمة صامتة تصيب الأسرة
كشفت تقارير طبية وأبحاث حديثة عن أزمة صامتة تواجه الآباء الجدد حول العالم، حيث أكد باحثون أن اكتئاب ما بعد الولادة يصيب الرجال بنسب متقاربة مع النساء، وسط تجاهل مجتمعي وطبي واسع.
وفي تقرير نشرته مجلة "نيو ساينتست"، برزت قصة المؤثر والمدرب الرياضي البريطاني "مات لويس كارتر" كنموذج حي لهذه الأزمة؛ حيث واجه أفكاراً سوداوية ورغبة عارمة في الانعزال عقب استقبال مولودته.
وتعكس حالة كارتر واقعاً رقمياً كشفته الإحصاءات، مؤكدة أن اكتئاب ما بعد الولادة يطارد نحو 8.4% من الآباء الجدد، وهي نسبة تقترب بشكل لافت من معدل الإصابة لدى الأمهات البالغ 13%.
كيف يصاب الرجال باكتئاب ما بعد الولادة؟
أكد "إشراق حسين"، مدير الصحة العقلية في شبكة الصحة بجامعة كندا، أن الآباء يواجهون محفزات نفسية كبرى، تشمل: تغير الهوية، الضغوط المالية، وقلة النوم، إضافة إلى صدمات الولادة.
ومع ذلك، أوضح الباحث "فيليب شوخ" من جامعة إنسبروك النمساوية، أن أدوات الفحص الحالية مثل مقياس "إدنبرة" (EPDS) لا تصلح للرجال؛ إذ تركز على الحزن والبكاء، بينما يعبر الرجل عن اكتئاب ما بعد الولادة عبر الغضب، أو الإفراط في ممارسة الرياضة والعمل، أو الميل للمخاطرة، وهو ما أثبتته دراسة في سنغافورة عام 2025، أظهرت أن المقاييس المخصصة للرجال كشفت حالات أكثر بـ3 أضعاف من المقاييس التقليدية.
وعلى صعيد المخاطر، توصلت دراسة قادتها "كيت إليس ديفيز" من جامعة سوانزي البريطانية، إلى أن معدل الانتحار بين الآباء الجدد الذين يعانون من اكتئاب ما بعد الولادة يفوق معدل الأمهات بسبعة أضعاف.
وأشارت الأبحاث إلى أن صحة الأب النفسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنمو الطفل العاطفي؛ حيث يرتفع خطر إصابة الأب بالاكتئاب بنسبة 81% إذا كانت شريكته تعاني من نفس الاضطراب، خاصة في الحالات التي لا تملك فيها الأم تاريخاً مرضياً سابقاً، مما يضع الأسرة بالكامل في دائرة الخطر.
واستجابةً لهذه النتائج الصادمة، بدأ التوجه العالمي نحو تبني استراتيجيات شاملة لصحة الرجل، تضع الصحة النفسية في الفترة المحيطة بالولادة على رأس أولوياتها.
كما شرعت منظمات دولية متخصصة في تدريب الكوادر الطبية على آليات حديثة للتعامل مع مفهوم "الاعتماد على الذات" لدى الرجال، والذي يمثل عائقاً أمام طلب المساعدة، مع العمل على تحويل الجلسات العلاجية التقليدية إلى تدريبات مهارية، تهدف إلى كسر وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي.
وتؤكد الدراسات أن التدخل المبكر يمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة، لتجنب التكاليف الباهظة الناتجة عن تراجع الإنتاجية واضطراب الروابط الأسرية، وكما لخص "لويس كارتر" تجربته بعد التعافي عندما قال: "حين يكون الأب في حالة نفسية قوية، تصبح العائلة بأكملها في وضع أفضل".
