العلم يفك شيفرة الدماغ: خريطة جينية تكشف جذور أمراض عصبية نادرة
كشف فريق علمي دولي عن اختراق غير مسبوق في فهم تطور الدماغ، بعد نجاحه في رسم خريطة جينية شاملة، توضّح كيف تتحول الخلايا الجذعية الجنينية إلى خلايا عصبية، وما الذي يحدث عندما تتعطل هذه العملية الحيوية.
الدراسة التي قادتها البروفيسورة بيناز يالتشين من معهد INSERM الفرنسي، والتي نُشرت اليوم في مجلة Nature Neuroscience، توصلت أيضًا إلى تحديد جين خفي مسؤول عن اضطراب دماغي جديد يصيب الأطفال.
خريطة جينية تشرح تطور الدماغ
اعتمد الباحثون على تقنية CRISPR للتحرير الجيني، حيث قاموا بتعطيل ما يقارب 20 ألف جين، واحدًا تلو الآخر، داخل خلايا جذعية جنينية أثناء تحولها إلى خلايا عصبية.
هذه المقاربة سمحت لهم بتحديد الجينات الأساسية التي لا يمكن للدماغ أن يتكوّن بشكل سليم من دونها، وأسفرت النتائج عن تحديد 331 جينًا ضروريًا لتكوين الخلايا العصبية، كثير منها لم يكن مرتبطًا سابقًا بعملية تطور الدماغ.
كما ساعدت هذه البيانات في توضيح الجذور الجينية لاضطرابات عصبية تشمل صِغر حجم الدماغ، واضطرابات النمو، وطيف التوحد.
من أبرز نتائج الدراسة اكتشاف دور جين يُعرف باسم PEDS1، والذي تبيّن أنه سبب اضطراب نمائي دماغي لم يكن موصوفًا من قبل، وهذا الجين مسؤول عن إنتاج مركبات دهنية تُسمى البلازمالوجينات، وهي مكونات أساسية لغشاء الخلايا العصبية وطبقة الميالين العازلة للأعصاب، وقد أظهرت التجارب أن فقدان هذا الجين يؤدي إلى خلل في تكوين الخلايا العصبية وصغر حجم الدماغ.
ولاحقًا، أكدت الفحوص الجينية وجود طفرات نادرة في PEDS1 لدى أطفال من عائلتين غير مرتبطتين، كانوا يعانون تأخرًا نمائيًا شديدًا وانخفاضًا في حجم الدماغ، ما عزز الصلة بين الجين والمرض.
كيف يغيّر الاكتشاف فهم تطور الدماغ؟
أثبت الباحثون، عبر نماذج تجريبية، أن تعطيل PEDS1 يمنع الخلايا العصبية من التكوّن والهجرة بشكل طبيعي داخل الدماغ، وهو ما يفسر الأعراض السريرية لدى الأطفال المصابين.
ويؤكد البروفيسور شيفمان أن تتبع مراحل تمايز الخلايا الجذعية مع تعطيل شبه كامل للجينوم أتاح إنشاء «خريطة أساسية» لفهم تطور الدماغ، يمكن أن تساعد في اكتشاف المزيد من الجينات المرتبطة باضطرابات عصبية لم تُشخّص بعد.
كشفت الدراسة أيضًا عن أنماط وراثية لافتة، إذ تبيّن أن الجينات المنظمة للتعبير الجيني غالبًا ما ترتبط بأمراض سائدة، بينما تميل الجينات الأيضية، مثل PEDS1، إلى التسبب بأمراض متنحية.
كما أظهرت خريطة «أهمية الجينات» فروقًا بيولوجية بين التوحد وتأخر النمو، حيث ترتبط بعض الجينات بتوقيتات محددة خلال تطور الدماغ.
ولتوسيع أثر الاكتشاف، أطلق الفريق قاعدة بيانات مفتوحة تتيح للباحثين حول العالم استكشاف النتائج، ما يجعل هذا العمل مرجعًا أساسيًا لأبحاث تطور الدماغ مستقبلًا.
ويُتوقع أن تسهم هذه النتائج في تحسين التشخيص الوراثي، ودعم الإرشاد الجيني للأسر، ووضع الأساس لتطوير علاجات موجّهة، في خطوة تعزز فهمنا لأحد أكثر الأعضاء تعقيدًا في جسم الإنسان: الدماغ.
